مهارات متعددة ومتنوعة, تعيد صياغة العلاقة الأزلية ما بين الموهبة والدربة والتقنية والخبرة التي يحصلها المبدع في مسيرة تحوله وتطوره على مدى الزمن لطبع الحياة بتفاصيل الجديد الذي يأتي ببطء ويستقر في الوجدان الانساني ليبني الوعي المجتمعي بالفنون على اختلافها وبالاتجاهات الفنية، للأفراد والجماعات عبر طاقة البحث والتجريب التي يقدمون من خلالها أعمالاً تلقى الرضى والشعور بالاحتياج الجمالي للطاقات الكامنة في زواياها, وبما يشير إلى نضوج فكري وتقني لكل من المبدع والمتلقي, الأمر الذي يؤكد اختلاف نسب الاقبال على المعارض الفنية, واهتمام الناس بمعرض دون آخر وبأنشطة دون أخرى. معرض زونقي (Zunegy) المقام حالياً في صالة المعارض بمتحف الشارقة للفنون من المعارض الهامة في سلسلة عروض هذا الموسم كونه يؤكد المجهود الفني والفكري لإعلاء القيم الانسانية وتحقيق الذات عن طريق الابداع, والذي يبقى المتراس الأهم في مواجهة تشيؤ الانسان وكل ما يقع عليه جراء اصطدامه بقيم الاستهلاك التي تحاول فرض الاحتياجات الوهمية بدل الاحتياجات الاساسية المتمثلة في الآداب والفنون المختلفة, ولهذا فإن مشاهدة أعمال المشاركين في معرض (زونقي) يعيد الى الذاكرة علاقة الوعي بالنور البصيري الذي يبني خطوط الوعي التي تتكامل فيها الرؤى, (زونقي) هي الكلمة المعادلة لفظياً للكلمة الألمانية (سينيرجي) التي تعني التعاون أو الاتحاد .. وبمعنى آخر وأدق (الطاقة الابداعية), وهذا ما حاول أن يحققه الفنان (برونو دوبيري) في اختياره هذه المجموعة من الفنانين مسوغاً لنفسه إطلاق هذه التسمية على الكم النوعي لمجموعة تعبر من خلال ابداعاتها عن مفهوم العلاقة الفنية للفكرة الأكثر تشابكاً عن الضوء (وأهمية العلاقة بينه وبين الزجاج المعشق كجزء هام منه, وموحداً المزاعم المتعددة الآراء والوثيقة الصلة بين الرسامين والفنانين التصويريين, ومحترفي فنون الرسم على الزجاج) . نور مشترك الناقدة كاترين روسي أشارت في تقديمها للمعرض الى أهمية الضوء معتبرة أنه (على الرغم من وجود صناعة الزجاج الملون فيه والعادي فهي لا تجسد فكرة الضوء أكثر مما هي موجودة في الرسم الزيتي وفنون العمارة, لكنها تأخذ بعين الاعتبار الجوانب الأخرى منها باعتبار الضوء مادة ووسيلة. لقد استطاعت مبادرة الفنان برونو دوبيري أن تحقق رؤيته في تجميع الطاقات الابداعية المشتركة في مشروع يستفز لطرح الكثير من الاسئلة والقضايا حول القواسم المشتركة بين مبدعي الاتجاه الواحد في الفنون وبالأخص الاسئلة التي تطال المحتوى أو المضمون أو المعنى بحيث تتحقق الإجابة بشكل غير مباشر عبر الحوارات والآراء والأعمال المنفذة التي تجاورت إلى جانب بعضها البعض لتكشف عن الحذر المتوخى في سبل استخدام الضوء والاختيارات أو الوسائل التي اتبعوها كتقنيات لتنفيذ أفكارهم على الزجاج. التجربة الأولى النور في معرض زونقي نور مشترك حققه الفنانون المشاركون (ألين تارليه, برونو دوبيري, كلير دي روجيموت, دانيال بوردي, دانيال شومبريه, جورجي بومير, روبرت كريستيان, ميشيل كاردون وثينا أحمد) .. هذا النور هو نور الثقافة التي تتبادل الحوار فيما بينها أولاً, وفيما بينها وبين الثقافات المختلفة ثانياً .. ليس بطريقة توفيقية أو استعلائية, وإنما بطريقة ندية تحرر النور من مسقطه المحدد ليتوهج في كل الأنحاء التي تنظر إلى الصراع المعرفي على أنه تجريب انساني يفجر امكانات الابداع الانسانية في تمحورها حول القضايا العامة التي تهم المبدعين وكافة المهتمين بطاقات الابداع والخيال الانساني, وليس غريباً أن يلتقي هذا التجمع لأول مرة في معرض مشترك في الامارات العربية المتحدة ليعلنوا انطلاقتهم في بحثهم المشترك فيما بعد طامحين إلى عروض أخرى مشتركة في أكثر من موقع عربي ودولي, وقد كان للنور والضوء أثرهما الواضح على كيانه الفني وحساسيته الابداعية ومشاعره الانسانية, حاله كحال الفنانين المختلفين في الحقب الزمنية الذين زاروا الشرق وتأثروا بأنواره بدءا بدولاكروا ومروراً ببول كلي وفازاريللي وغيرهم الكثير ممن أضفوا على الفنون العالمية خطوات في التقدم لم تكن مسبوقة في حينها .. لهذا فإن الفنان برونو دوبيري الحائز على جائزة الفنون الفرنسية يقول: (في كل مرة أخوض في مشروع جديد, أقتنع بأنه عليّ أن أقدم أفضل ما لدي, وبدون تحفظ, في ذلك الحين يتحد كياني وإحساسي ومشاعري بهذا المشروع, فتملك خاصية الرسم على الزجاج تضفي على الضوء والألوان نوعاً من الإحساس الذي يقودنا بدوره إلى الفن) . عوالم مبهجة عبر هذه النظرة يحاول برونو دوبيري أن يؤلف تركيبته الفنية باختياراته الدقيقة مازجاً التجارب المختلفة في صياغة عرض بديع أعده سلفاً بحيث يضحى المكان مطابقاً للقياسات الجمالية وثوابت النور الذي سيضحى بطل المكان, ينشق عن التنصيبات المختلفة في قاعات المتحف ليتسرب نور بصيري الى عين المشاهد, وهذا ما نلمسه بقوة في أعمال الفنانة كلير دوروجيمونت التي طورت مهاراتها بشكل سريع انطلاقاً من المسطحات ثنائية الأبعاد للزجاج المعشق نحو تشكيلات الضوء والألوان, وقد أسست تجربتها المهمة باختبارات تركيبية للمعدن وصفائح الزجاج المكسور, وباكتشافها مادة الزجاج, فقد افتتحت طريقاً جديداً للتعبير التشكيلي, وهي بهذه المشاركة الهامة تضيف اختباراً آخر لطاقتها الابداعية بدأته في باريس ثم جنيف وبرلين وطوكيو والدانمارك وايرلندا ولوكسمبورج وغيرها من البلدان .. وهي في هذا الاختبار الابداعي تحاول أن تقدم اللون مجرداً في كتلة عمودية تتماهى في فراغ اللوحة المسندية. وهذا ما حاولت الفنانة ألين تارليه أن تقدمه في هذا المعرض بمحاكاة أعمالها التصويرية التي باشرت بها في السنوات القليلة الماضية باحثة في عوالم الألوان (الأكريليك والحبر والخط) ... جميع هذه العناصر المبهجة والسحرية للمنجز الشخصي تسمح بالتعبير عن الزمن .. الفصول والضوء .. والظلال .. إذ يشكل الضوء عنصراً هاماً في أعمالها للوصول إلى عالم من الشاعرية والسكينة والمرح ـ خاصة ـ عندما تلقي الضوء على قيم خالدة وبسيطة من الأشكال والألوان والضوء والأعماق .. اننا في مواجهة هذه الأعمال نجد أنفسنا في مواجهة تطورات فضاء لامتناه لعالم على هيئة مشروع هندسي .. أو جدار من الضوء, والألوان والخلود. دانيال بوردي (مواليد 1940) يقدم تجربته بمجموعة من الأعمال التي تمنح الانسان الاحساس الدرامي البصري إذ يتنقل بين القريب والبعيد في عالم دون أعماق, تسيطر عليه الفضاءات المسطحة وهي تتساءل عن سر دهشتنا بها, فكل لوحة وكل صورة تضج بالحياة, إنه التساؤل والولوج في الفضاء الشاعري الذي يمنحنا الاحساس بكونية المشاعر والاشارات التي تحملها لتقود المتأمل في حركتها وسكونها إلى المجهول, وتمنح الرؤيا لثورتها الداخلية وتفتحها على العوالم غير المتنبأ بها فتمنحها الاسترسال .. عالم بوردي يضمر أسراراً جمالية وبصرية ونغمية تنفذ عبر عدة مستويات إلى هياكل أرواحنا ونحن نتلو سوادها درجة درجة ونقرأ ازدحامها وانتظامها برحابة تغلق علينا مواجيد النغم كأبواب شفافة تنسق تجريدياتها في حشد على هيئة المساحة الخلاقة التي لا يخفت نداؤها للزمن كعامل حقيقي وحاسم في تقنين توضع الخطوط على محاور اللوحة وهي تنسج الحيز البصري الهارموني, والذي تنسجم فيه مختلف القياسات بعيداً عن الزخرف الذي لا يحيل إلى أية إشارة تتمركز حولها الرموز, فكل موقع مركز للانطلاق البصري, وكل بداية تنزلق لتتزامن مع غيرها وفق عمارة الموقف البصري الذي يقتضيه التشكيل في رحيله من عالم الفكرة إلى حيز الزمان المنفعل بالحوار المتبادل بين الكائنات التكرارية التي تستقر في روح المشاهد لتحرك فيه الضغوط الجمالية الهائلة التواقة للتحرر. أما الفنان دانيال شومبريه (1943).. (فقد عمل بالرسم على الحرير والسجاد وافتتح فيما بعد ورشة ابحاث عن النسيج, وقد صمم ديكورات الباليه للمسرح في باريس شاتيليه واوبرا نانسي وهو لم يرسم مطلقا على قماش القنب ويفضل قماش الكتان والقطن المغزول يدويا.. خليط من الاشرعة القديمة والستائر واغطية الطاولات التي تحتفظ بقالبها الاصلي عند استخدامها فهو يحب ان تطوى وتلف بطابع بدوي) . كتب هذا التلخيص من قبل جلبرت لاسكولت عن شومبريه للاشارة الى اهتمام الفنان برحيل العمل الفني وانتقاله في حيزين اثنين يحققان وجوده الجمالي, الزمان الداخلي للعمل الفني والزمان الخارجي لتحققه في المكان غير التقليدي الذي تقتضيه افكار الفنان خارج الشروط التقليدية التي تتحكم على الاغلب بالفراغ الذي سيستقر عليه العمل الفني في نهاية الامر. ولا يغيبن عن البال ان لجوء الفنان الى الصياغات التجزيئية للنور انما يعبر عن ارادة انسانية داخلية لديه للسيطرة على الواقع الخارجي للعمل الفني فمن داخل العمل الذي يعتلج النور في مخابئه الى وهم النظر الذي يبغي تناولا موسيقيا للجوهر الذي يقدمه تضاد النور مع القمة والسطوع بمقابل الانطفاء ليوحي الينا بما ندعوه طباقا بصريا حسيا. اعمال طبيعية الفنان جورجي بومييه (1950) يجيب عن السؤال التقليدي لماذا ترسم؟ قائلا: لماذا يغني العصفور (فما هو ضمن الرسم غير قابل للمساءلة.. انه حقيقة وهذا هو الموقف الجوهري للفنان الذي هو وسيلة التعبير المختارة دون قصد.. لا من بعيد او قريب من المجتمع فكل ما يقرأ ويفهم ويحس ويتذكر او كل ما هو منسي ومكروه ومستحب ومبجل ومقدس وباطل ومسروق ومخبأ ومحروق او متجاهل متروك للمجتمع (من غير الفنانين) للحكم عليه او البت به. الرسم والنحت والنقش هي اعمال طبيعية للفنان الذي لاخيار له الا التعليق والتبرير وعمل الفنان هو الذي يرسل الانطباع عن العالم المحيط وعن التجارب المنظورة المأسورة في سطح آمن او قيمة تساعد على التأمل والاستغراق في هذا الوجود المعقد.. كن هادئا واستمع لاغاني الطير) . وبهذه الدعوة الاخيرة للاستماع يدعو الفنان للتحديق اكثر في الالوان وسحرها المنبعث من دوائره بالاعتماد على المشاعر العميقة التي توحي بها الشفافية الملونة بلمسات المبدع واتساع افقه الذي نكتشفه في قسمات الالوان الفاقعة المشكلة للمسطح الدائري المتغير بتغير موسيقى الالوان التي تشخص وظيفتها في تقديم توافقات نغمية ولعل هذا ما دفع الفنان لاستخدام الاشعة الضوئية (الالياف الزجاجية) التي تضفي على المشهد موسيقى حرارية او شعاعية تتناغم والمواقع الفراغية التي اختارها الفنان لرؤية دوائره المنفردة ودوائره المتراتبة. الفنان ميشيل كارون (1948) اصطبغت اعماله بالضوء في محاولته اضفاء لمساته الفنية الخاصة لتكون قطعة فنية متينة البناء لكن الضوء بالنسبة له اداة ووسيلة ويظهر هذا في النوافذ الزجاجية المعشقة من اعماله والتي ينطلق منها الى لوحاته واعماله الضوئية.. فأعماله من هذه الانواع المتعددة التي صممت لتترافق مع ما يسميه كارون (الفراغات المحددة) التي يكون فيها الضوء وسيلة لاظهار المعنى والمحتوى.. وقد حقق الفنان فراغا محددا بالتنصيبة التي اقامها في المعرض والتي احتوت على اسقاطات ضوئية خارجية وداخلية لمرموز زخرفي تنازع تحققه اللون النوراني الذي يشف عن خط في منتهى الدقة لمحيط الشكل الهندسي الزخرفي بينما يستقر بمقابله على الجدار الآخر مساحة سوداء مفضضة تشكل قرارا للنور الاول ولعل العلاقة الهندسية التي يقدمها النور فيما بين الاشكال تحيل الى الغرض الجمالي الذي يبتغيه الفنان. الحداثة والرؤى الجديدة الفنان روبرت كريستيان (1946) ينحو باتجاه مختلف عن زملائه بنظرة نقدية ومتهكمة الى عوالم الحداثة والرؤى الجديدة فهو يراقب النقوش في الاقراص المدمجة التي من الممكن ان تدرك بالبصر وليس بالسمع مجموعة نقوش رائعة ورموز حداثوية وابداع الاحساس في اكثر حروف الخط مجالا للمعاني الرائعة للكتابة, او الروح الفكاهية في تعاملها البسيط مع المعاني الرائعة للكتابة او الابعاد المختلفة والمتعددة في الاشكال وتلك الطبقة الاساسية التي تلفها انها غير ضرورية للاكثر رؤية او للاكثر سهولة للفهم, فأعمال روبرت كريستيان تتعامل مع كافة انواع الاستغراق الكلي وابداعات الفن الحديثة.. وخاصة في المنحى الشعري الذي ينهجه للتأليف البصري الذي يشمل تموضع الحركة العفوية في مساحة لا يفرق الناظر اليها بين الاغارة والنفور او بين العمودي والافقي لان كل من ذلك خاضع للحركة التي تبدأ فعلها بمجرد تثبيت النظر على عمله الفني فما يبدو ساكنا يخرج من رقاده ليباغت نعاسنا بالاشكال التي تمور في فضاء اهتزازي يؤمن رؤية زخرفية مؤقتة وخاطفة لكيان خاص يرسم قوانينه روبرت كريستيان عبر تبدد اللون الاحمر في شبكية العين حين يهتز متجاوزاً الاعصاب البصرية وداعيا الى مزيد من التأمل. أما الفنانة تينا أحمد المعروفة جيداً في الساحة المحلية, فقد تجاوزت امكانياتها فيما عرضته مع هذه المجموعة من الفنانين القادمين من فرنسا, فقدمت تجربتها الضوئية في اطار تجربتها التصويرية وما استطاعت خبرتها أن تقدمه في التنسيقات الحروفية الشكلية التي جزأت على أساسها سطح الزجاج المعشق بما يحيل الى سرد لغوي يجري على أساسها سطح الزجاج المعشق بما يحيل الى سرد لغوي يجري على وتيرة واحدة لرواية مقولة بصرية من الناحية الشكلية, أي اعتبار الشكل الثانوي خاضعا لمستلزمات الشكل الأولي الذي تطرحه المقولة الأدبية في نزوعها الشرقي لمتابعة وجودها فيما يمكن دعوته الكيان العام للعمل البصري المتعامل مع الضوء كقيمة انسيابية تعبيرية. الزجاج في هذا المعرض أو فيما سبقه حمل ذاكرة الانسان الذي أوجده, وحمله كافة المعاني الفنية التي لاقت في النور صيرورتها, وديمومتها, وفي الشفافية ذات الثقافة التي تخترق المادة, والتفسيرات الصلدة لمعاني الاختراق التي تسعى لبناء معاني الرقة, والحرص التي يحركها النور .. النور فقط.