لعل من الصعب حقا, بالنسبة لأي مبدع ان يعود مرة أخرى لمعالجة موضوع سبق وان اتخذه فضاء دلاليا لأحد اعماله السابقة, ذلك لانه من المفترض ان الاطلالة الأولى كانت فرصة كافية يعرض فيها المبدع رؤيته وتجربته مع الموضوع المطروق, ومن ثم فان العود المتجدد لابد ان يكون مع زيادة التكرار ظاهرة ملفتة, تستحق التأويل والتفسير, ان ما الذي يجعل الأديب اسيرا لموضوع معين دون غيره؟ هل لانه اثير الى نفسه؟ أم لان الموضوع نفسه كمياه النهر التي تتدفق دون انقطاع, وتتغير بين لحظة واخرى, كما قال هيرقليطس (اننا لا نستحم في النهر مرتين لان مياه جديدة تتدفق دون انقطاع) ؟ وهل هذا أيضاً لا يلغي كون شخصية وهوية المبدع نفسه يمكن ان تنطبق عليها هذه الصيرورة؟ اذ ما الذي يجعلها ثابتة في كل القراءات المتجددة لنفس الموضوع؟ فكل محاولة جديدة هي قراءة, وكل قراءة هي اعادة كتابة مختلفة, تفتح افقا جديدا, وترسم معالم رؤية اخرى, وتستشرف تخوم عالم جديد. هذه اسئلة يجيب عنها كل مبدع, بل كل شخص حسب تقديره, وبالطريقة التي يراها مناسبة, غير ان ثمة من وضعها موضع التنفيذ, في كتاباته دون ان يتكلف مثل تلك الاسئلة او ان يعبأ بها, فراح يراكم الكتب والروايات حول موضوع واحد محدد, وفي كل مرة كان يزيح جزءا جديدا من وشاح وغموض الامثولة التي اختار ان تتدثر فيها عبقريته. ويأتي في مقدمة هؤلاء الروائي الايطالي ماريو ريجوني ستيرن, الذي اصدر منذ فترة قريبة روايته (فصول جاكومو) مكرسا خيار العودة المتجددة, لنفس الاطلال والذكريات عن الحرب العالمية الثانية, لكن كيف ذلك؟ مع بلوغه سن التاسعة والسبعين من العمر كان من المثير حقا ان يعود ماريو ريجوني ستيرن إلى اجترار آلام الحرب العالمية الثانية في روايته (فصول جاكومو) , وذلك لانه بدأ سيرته الروائية من نفس الموضوع حين نشر سنة 1953م روايته (عريف الثلج) , واتبعها برواية اخرى عن نفس الموضوع هي (العودة في العطية) , كما ان نفس الموضوع يعشش في الكثير من اعماله الاخرى اذ يمكن تصنيفها ضمن (أدب الحرب) , وتحديدا أدبيات الحرب العالمية الثانية, التي ضربت بأطنابها في الرواية الغربية خلال النصف الاخير من القرن العشرين مثلما طحنت بكلكلها جيلا كاملا من الرجال والنساء في شتى انحاء العالم, وبشكل بالغ الحيف والقسوة والعبثية. روائي ايطاليا الأول وماريو ريجوني يعتبر الآن من اكبر الروائيين الايطاليين الاحياء, ان لم يكن اعظمهم واكثرهم رصانة كما يصفه بريموليفي, لان رواياته تجذب جمهور قراء عريض جدا في ايطاليا, وفي معظم الدول الأوربية الاخرى, لانها تمكنت بلغتها المتدفقة العفوية ان تقنع هذا الجمهور ببساطتها وقدرتها الخارقة على استحضار أيام الحرب, وحياة البسطاء, في مشاهد مجتمع محلي هادىء اختار الكاتب ان يعرض طريقته في تسمية العالم وفهمه على السنة افراده, في ثرثرتهم اليومية, وجدالاتهم العقيمة, وتقريرهم لمسار الاحداث بأسلوب عفوي ساذج وبريء في غاية البراءة. ولعل أهم ما يميز رؤية هذا الاديب عن غيره من المبدعين الأوروبيين الذين هزتهم الحرب العالمية الثانية وسكنت اعمالهم, هو هذه النبرة البسيطة والعرض الهادىء لوقائع عنيفة قاسية, فعلى الخلاف من ستيرن جاءت الموجة الوجودية التي اعتبرها البعض ابلغ تعبير عن مرارات وعذابات الحرب, هذه الموجة جاءت عدمية عبثية مفعمة بالسخرية, طافحة بصوت الرفض, عاكسة هواجس الفناء والدمار مهددة بتدمير جود الانسان وماهيته نفسها, لحد جعل الكثير من الاعمال الوجودية اقرب إلى صرخة احتجاج عنيفة, لكن في البرية, وبشكل سيزيفى, سريالي, لا يبقى ولا يذر. وما يصدق على الادب الوجودي وروايته لفظاعات الحرب العالمية الثانية, يصدق أيضاً على ابرز وجوه الفن السريالي, الذي هو في الكثير من اوجهه, قلب لكل الماهيات, وتمييع للحقائق والقيم, حتى وان كان ذلك يتم بدعوى تجاوز الرتابة والنمطية والقواعد المعيارية في الادب والفن, فجاءت اللوحات عدمية هلامية, وانثالت التعبيرات وضاعت وسط غدران من الالوان والتشكيلات والتعبيرات الجرافيكية الكثيرة التي تجعلها تجهل المكان الذي تقع فيه, ولنتذكر (الجورنيكا لبيكاسو) حيث تصطدم احلام غير معقولة, بواقع قاس مرير, وفي مسافة بين الاثنين, تقف رؤية الفنان, الايديولوجية جدا, العبثية جدا أيضا, حتى وان كانت تلتحف بحضور تلك القرية الباسكية المسكينة. عالم خاص تنهض عوالم ماريو ستيرن من بيئة جبلية اثيرة عنده, حيث قريته التي يقيم فيها قرب جبل ازياجو في اقليم فنيسي بشمال ايطاليا, والتي مازال يعيش فيها بعيدا عن الاضواء, والمجالس الادبية, ومنها نشر أول رواياته سنة 1953, وآخرها (فصول جاكومو) , وعشرات الاعمال بين هذه وتلك. في هذه البيئة الجبلية, تتصالح الجغرافيا والتاريخ والطبيعة وجماليات المكان, وتتعاون كل الزوايا والحنايا والذكريات, وقدرته العجيبة على امتياح الذاكرة, واستدرار الخيال, فمن الذاكرة يتدفق القص مسترسلا ثرثارا, ومن الخيال ينداح الشعر عالما آخر, ينضاف على هامش العالم الواقعي بكل تفاصيله وجزئياته, وتفاهاته ومصائره القائمة المتلاطمة, خاصة اذا ما تعلق الأمر بعذابات الحرب وسنواتها الملعونة المشئومة. فحين نشر ستيرن (عريف الثلج) أول اعماله سنة 1953م, ادهش قراءه بعرض واسع من العنف المتبادل والقسوة والجوع والبرد القارس, وهو يحكي تجربته الشخصية كمجند في الجيش الايطالي وما عاين من مآس وعذابات وابادات على الجبهة الروسية, ثم ما توجب عليه ان يخوض من مستحيلات للبقاء على قيد الحياة, اثناء الانسحاب الايطالي في عز الشتاء, ووسط عوائق الثلج والصقيع السبيري, في ظروف كان احد الناجين القلائل منها, وان ترك وراءه رفات احد اعز اصدقائه, ومازالت لوعة ذلك الفراق تتراقص امام عينيه حاجبة جميل صنيع العجوز الروسية التي يعود لها الفضل في بقائه على قيد الحياة حين حدبت عليه وآوته حتى بلغ مأمنه. قدر اذن لعريف الثلج ان ينجو, ونجت معه قصة مأساة فظيعة حيث الناس يموتون بالتقسيط وبقايا الحطام, والقذائف والاشلاء المتناثرة, والرعب يرسم في المكان لوحة لاتضاهيها اية لوحة سريالية اخرى في عدميتها وقسوتها وبعدها عن الهوادة. وبعد ثلاثين سنة وفي منتصف السبعينيات عاد ماريو ريجوني ونشر عمله (العودة في العطية) وفيه سجل ملاحظاته وانطباعاته عن نفس الامكنة, وراح يبكي على اطلال الحرب, ومرابع الذكريات, ومراتع الموت الوخيمة, الاليمة, مسجلا رحلة حقيقية قادته إلى نفس المكان الذي عرف منذ ثلاثة عقود من الزمن, وهناك بحث عن زمنه الضائع, وعبر عن عملية البحث هذه, باثارة فضاءات شعرية من الطريف حقا ان تطلع من دخان وغبار الحرب والفقر. تكرار مأساة وفى (فصول جاكومو) وبعد اكثر من نصف قرن من وقوع تلك الحرب العالمية ها هو ماريو ريجوني ستيرن يذكر بنفسه وبتلك المأساة, ويعود لتنشيط الذاكرة واستعادة ذكريات غائمة عن المواجهات بين الجيوش الايطالية والنمساوية, ويرسم عوالم حية طالعة من اشباح الموت, حيث الجدران المتهالكة والبيوت المتآكلة, والآفاق الملتحفة بالسواد, وهو يقفو خطوات بطل روايته اليافع جاكومو حينا, وحينا آخر يسائل اوابد صوامت في ضيعته المحترقة, التي عرفت هي أيضاً فصولا ومواسم مشابهة لفصول جاكومو صاحبها. وهنا تشيع مظاهر الحرب ومواكب الموت المرافقة لها, في هذه الرواية الجميلة (فصول جاكومو) التي يرسم فيها المؤلف مدى التأثر والتأثير اللذين تتبادلهما الحرب العالمية كحدث تاريخي كبير, مع مجتمع جبلي هادىء بسيط وصغير, قلبت التطورات الجسام حياته رأسا على عقب, ومزقت نسيجه الاجتماعي, وهددت بسحق قريته الوديعة التي ترقد عند منعطف السفح مستسلمة للسماء الحانية القريبة الزرقاء, لكن الحرب تركت اثارا وجروحا يتعذر اندمالها لدى اهالي القرية الذين عايشوها, وتركت ايضاً آثارها المتبقية في جذوع الاشجار, والمنمنمات التي نحتها ازميل الرصاص في الصخور والجلاميد المحيطة بضيعة جاكومو بطل الرواية, وابن القرية الشاب, الذي يبدأ بسرعة ومنذ بداية السرد الاولى يلقي ومضات صغيرة خاطفة يضيء فيها ملامح قريته وذكريات طفولته, واثناء ذلك لا يخفي الحنين إلى أيام البراءة التي شاءت لها الصدف ان توأد بين الحربين العالميتين, وان تكون هي الضحية المنطقية لظهور وارتقاء الفاشية, وقيام مجتمع الشقاء الجمعي على قدم وساق. لقد تركت الظروف لأهالي القرية مصدر دخل وحيد ايام الحرب, هو تجميع قطع النحاس, وبقايا القذائف, وهياكل الآليات الحربية المعطوبة, وكلما تحصل احد القرويين على قدر معتبر من هذه الثروة الجديدة يسرع بها إلى المدينة ليبيعها للمصانع, لذا لاغرو ان يشتغل الاطفال والنساء لزيادة الغنائم النحاسية وهم من حين لآخر يكتشفون جثثا وهياكل عظمية لجنود, أو يأتون وهم يلوحون برمانات ودشم عثروا عليها, واذا ما تمادوا اكثر ولعبوا بها, فانهم يقدمون من حين لآخر, البعض منهم ضحايا, وكأن الحرب كائن اسطوري دموي يتعطش إلى دماء قرابينه مع مرور الزمن. وبأسلوبه المحدد العاري البسيط في آن واحد, يحكي ماريو ريجوني الحياة اليومية لسكان قرية جاكومو, خلال (السنوات المريرة) التي لم يكن فيها داع منطقي لقسوة السلطات الغاشية الموسلينية ورقابتها على كل كبيرة وصغيرة في تصرفات هؤلاء القرويين المساكين, اذ يكفيهم ماهم فيه من الاملاق والفاقة, فالرجال يبحثون عن فرص عمل دون جدوى, وبالتالي يتسربون من خلال هجرة مهينة إلى فرنسا وسويسرا وأمريكا, وحتى اثيوبيا حيث رفع الدوتشي موسوليني رايات امبراطوريته الافريقية ومع ازدياد عملية استنزاف رجال القرية, اصبحت قرية ايتام وارامل ويبقى معاونو موسوليني امام ذواتهم, وتصبح القرية مرآة يتفرجون فيها على مساوئهم, وهم يحاسبون الناس على المشاعر, والعلاقات الصعبة مع إدارة لا تتقبل الرأي بصدر رحب, ولا تتنازل لأي ضمير جمعي. والفتى جاكومو بطل الرواية فتح عينيه على هذا الواقع المرير الذي جعله يكتشف تعقيد الحياة, بما فيها من معاني الاخوة والتعاون, وبما تعج به من المظالم, وتأسره بالطبيعة الجبلية للقرية بجمالها وجلالها, ولكنها أيضاً تثير في نفسه مشاعر اخرى غامضة بخشونتها وقسوتها, واثناء كل ذلك يحاول ان يشق طريقه, وان ينفذ ببصره في جلدة الزمن الغليظة, بل وان يتجاوز مرحلة الدهشة والشعور بمرارة الواقع, إلى تجاوزه والغائه من أوله إلى آخره. ولان والده يشتغل في مناجم اللورين بفرنسا في ظروف مهينة تقريبا, اخطر جاكومو للعمل مع من يجمعون الذخائر بغرض بيعها, وبذلك عاون امه, اذ ان المرتب الهزيل الذي كان ابوه يرسله لم يكن يكفي ليوم واحد, ورغم قلة دخول جاكومو فانه وفر في احدى المرات ثمن تذكرة السينما, في تعبير واضح عن تداخل الحياة والموت, المتعة والمعاناة, في شخصية بطل الرواية, وقابليته غير العادية للتعايش مع الواقع. وعندما فتح (معسكر موسوليني) ابوابه لاستقبال شباب فاشي للتدريب ضمن (تشكيل الطلائع) , سارع جاكومو بالانضمام, وفق صفقة بين هذا الشاب اليائس والحزب الفاشي, ينال بموجبها صنادل وهدايا صغيرة, ويسمح له بالمشاركة في تصفيات الالعاب الوطنية, وعليه في المقابل ان يكون مخلصا للحزب, وهو امر يتنافى مع توجهات والديه, فأبوه عندما عاد إلى القرية رفض الانتساب للتنظيم الفاشي مع علمه ان هذا الخيار هو اقصر طريق للحصول على فرصة عمل كما فعل جيرانه الآخرون. رؤية هادئة ومن خلال مناقشة الاطراف المختلفة لمصداقية الفاشيين وحروبهم, يعرض الكاتب موقفا جادا وحياديا اقرب إلى التشخيص الدقيق للحرب الظاهرة, ويلفت الانتباه ببرودة وهدوء تفسيراته بعيدا عن الشعارية واحكام القيم, خاصة اذا تذكرنا ان ماريو ريجوني نفسه اشترك في الحرب العالمية الثانية ووقع في اسر الالمان 1943م, وعانى الكثير على ايديهم, وكان ذلك مبررا لان يكون حديثه عنها اكثر حدة, لكنه على العكس تحدث عنها وكأن شيئا لايهمه, وهذه اللامبالاة نجدها ايضا لدى بعض ابطاله, فوالدة جاكومو تكتب إلى زوجها في المناجم معربة عن قناعتها رغم كل شيء, ورضاها باليسير. وهكذا وبدلا من ادانة الماضي, يحن ماريو ريجوني ستيرن إلى الأيام الخوالي وقد عبر عن الحنين إلى مرابع قريته عندما كانت تقود تفكير اهاليها وحياتهم أيضاً, تقاليد الاسلاف, وتمدهم بيئتهم البسيطة بمتطلباتهم قبل ان تشوه الجميع آلة الحرب وطاحونة الصناعة, والرواية في هذا الحنين تشبه مجموعته القصصية (اسفار الحيوانات) التي تبشر بمنظومة قيم يريد للناس ان يراعوها, حتى لا تتكرر نكبات التاريخ. ان رعب الحرب الذي يبدو انه اصبح هاجسا او رهابا عند هذا المبدع. لم يحجب ايمانه بقيمة الانسان والعالم, وهو رهاب حاضر في كل اعماله وتبدو احيانا صورته محتدة عارمة, ومع ذلك لا تصل الأمور حد اليأس, فوسط ارض القرية الهادئة المحروقة, نجد الهشيم يزهر. ومن قاع المناجم تطلع الزهور البرية والزنابق, وفي خضم الاجواء العاصفة, تختلط الشجاعة والرعب والجمال والقسوة والعذوبة, ومشهد الروابي المحترقة والقرية التي تظهر وتختفي وراء الضباب. وهكذا فان رسما دقيقا لحياة هؤلاء القرويين المنذورين للمعاناة, والذين تشكل الحياة بالنسبة لهم كفاحا حقيقيا, والتعبير عما تشبعه الحرب بين ظهرانيهم من مآس وفظاعات, يأتي تذكير متجدد للمجتمع المعاصر بكوارث الماضي وتخويف من مآس لائحة في الافق تشكل في الواقع خاتمة الرواية, وهنا تبدو (فصول جاكومو) مغرية بالاعتقاد الذي لا يقاوم بأن ماريو ريجوني ستيرن انما كان يكتب سيرته الذاتية, لكنها ليست شأن السيرة الذاتية عادة, وانما يتحدث فيها عن المستقبل ويستشرف الآتي.