يقوم الروائي الايطالي كلاوديو ماجريس, المتعمق والمعجب بارنستو ساباتو في مقالة نقدية خصصها عنه بجولة تأملية حول الاسباب التي جعلت هذا المؤلف يقع في التناقض عندما عبر من البحث الادبي الى القصة الخيالية. ويأخذ ماجريس كمثالين رواية (عن الابطال والقبور) والبحث الادبي (قبل النهاية) . يقوم ارنستو ساباتو فيما اسماه (قبل النهاية) , (ملخص لقصص الحب والالم المستحيلة) , بتحذير قارئيه الذين لن يجدوا في كتاب السيرة الذاتية ذاك حقائقه غير المتطابقة, لكنهم سيجدونها في قصصه الخيالية, في كوارث الرقصات التنكرية التي لا تجرؤ على الاعتراف بالوجه المكشوف. المؤلف الارجنتيني كتب حقائق قليلة من هذا النوع تمثلت بثلاث روايات في حياة دامت تسعين عاماً, تكفي لجعله من اعظم كتاب القرن. الى ذلك فان حياة انسانية اكثر من كافية لتأليف كتاب واحد فقط مثل عمله البارع في رواية (عن الابطال والقبور) وهو بحق مغامرة ملحمية في مجمل الحياة ورحلة المرضى وهو: (فعالية الرطوبة الموحية وواقعية الطبقات السفلى من الروح فيما تعودنا عليه وفيما اجتزناه) , حسب ما كتب انزو دي مارو. ومع ذلك فان (قبل النهاية, مثله مثل روائع ادبية اخرى, يشير الى اختلالات حقيقية وجوهرية عند ساباتو منها مغامرته الوجودية, اخوته مع المستضعفين والمسحوقين, نضاله ضد الديكتاتورية والاستغلال, بحثه عن الحقيقة ومعركته مع الالم وابي الهول (عند المصريين والاغريق القدماء) , حبه الابعد من موت ماتيلدي (واحدة من اعظم قصص الحب الزوجي) , وموت ابنه خورخي فيدريكو قبل اوانه, وهو حب يعرض بوضوح لعاطفة قوية وعصية على التعبير كالتي يشعر بها تجاه الاولاد. بتلك الكلمات يوحي ساباتو بان (قبل النهاية) كاعماله الادبية الاخرى ذات نوعية عالية ينتمي الى كتابة مختلفة عن تلك التي تخص الابداعات الخيالية, (انها رؤى تمثلني في التفاصيل وفي الشطط وكثير من القبح وحتى انها كريهة, لكنها ترجمتني في ذات الوقت, هاربة الى ما هو ابعد مما يسمح به الوعي) . غير ان الابحاث الادبية والسياسية ـ الفلسفية والسير الذاتية جميعها تنتمي الى كتابة اخرى ليست اقل من الخيال ولكنها مختلفة وتخضع لقوانين اخرى وتقول حقائق اخرى او على الاقل تقولها بطريقة مغايرة. قبل النهاية ان حقيقة نصوص مثل (قبل النهاية) التي يتكلم فيها المؤلف عن نفسه, عن زمنه, عن عواطفه, عن آلامه, عن افكاره وتتفق مع رؤيته للعالم التي يقوم بتسجيلها هو نفسه بشحمه ولحمه. انها حقيقة الانسان الذي تزوج ماتيلدا والذي تولى رئاسة الـ (كوناديب) والذي لا يوافق على استغلال ملايين الاطفال في العالم والذي يشفق على كرامة وجه مجهول والذي لا يمكن ان ينسى ماتيلدا وخورخي فيدريكو, والذي فكر بالانتحار اثناء لحظات الرعب الاكيدة, لكنه امتنع عنه على اعتبار انه من غير المشروع التسبب بالم للآخرين حتى لو كان كلباً. قبل النهاية يساعد على الحياة ويساعد على مواجهة الموت والجنون والشر, وان حقيقة هذا العمل قاسية جداً, حين يواجه كل ذلك مع الالم والفوضى والقلق, غير ان الكتاب لا ينزعج وهو يعبر ويعترف عن قيمه وعواطفه واحزانه. ويشعر ساباتو في اعماله الخيالية صدى صوته مؤكداً على اشياء تذهب الى ابعد من وعيه ويستشعر ايضاً قيمه وذلك الجزء المجهول في شخصيته, (يستحيل علي شرح ما اردت قوله في رواياتي) . غدر الشخصيات ان التعمق في ظلمات التاريخ الحزين والمرعب لمؤامرة العميان والعذاب القاتل والمؤلم لاليخاندرا (البطلة المعتوهة في رواية عن الابطال والقبور) يعرض للوجه الآخر من الحقيقة ولرأس ميدوسا الذي يحجر كل شعور انساني جنونه. في هذه الصفحات لم يكن ممكناً الاعلان عن القداسة او عن القيم الذاتية في الدفاع عن الضعفاء او الاعتراف بالعواطف, فقط كان ممكناً اكتشاف الشبح الذي يكبر في الظلام بالاضافة الى تقديم عيد الغطاس (الظهور) , (من الالم او المتعة, من النعمة او حسرة الحياة) , الذي كثيراً مالا يتفق مع الفلسفة او مع المفهوم الذي يضمره المؤلف ومع ذلك ففي تلك الصفحات يوجد حب عظيم, يخترق القلب وهو مؤلم لكنه لا يستطيع ان يكون رسالة تضامن في نفس الوقت. عندما يتكلم كاتب عن نفسه فانه يقول ما يفكر وما يعتقد به ويؤكد ان الحياة شيء حسن او شيء سيئ وفي جميع الاحوال يقوم بتسجيل كتاباته. وعندما في المقابل يعطي الكلام لشخصيات اخرى او اشباح فانه بذلك يجعل الآخر يتكلم هذا الآخر الذي تعود على المونولوج الداخلي ولكن يتجاهله في بعض الاحيان لانه يساند اشياء مغايرة لما يمارس هو نفسه بشكل اعتيادي. وهنا لا نتناول التقارب الروائي للشخصية التي تفرض ذاتها على الكاتب, وإنما نقصد بان الكتابة تعني في بعض الحالات, وعلى الرغم من عدم الانتباه لذلك, اعطاء الكلام لتلك التجارب التي لم تكن مستخدمة او محققة في بناء ذات الشخصية او ذات الرؤية للعامل ولكنها (التجارب) التي بقيت ضائعة ومدفونة في حفرة ما من النفس مثل شيء مزخرف مهمل في منزل. كل كاتب يعرف بوتيرة اكثر او اقل التجربة الباهتة والمبدعة لذلك اللقاء مع الشريك او على الاقل مع جزء مجهول او حتى غير لطيف في نفسه. هناك امثلة عديدة عند كثير من المؤلفين, من بلزاك الى كيبلنج الذين اندهشوا وهم يكتبون اشياء تتناقض مع افكارهم السياسية او الفلسفية او الدينية الخاصة وايضاً مع مشاعرهم وقلقهم وطريقتهم في الحياة واسلوبهم في محاكمة الامور ويتجسد هذا التناقض في معظم الحالات وهم يوقعون على بيان ما او على بطاقات المعجبين او على شيء يخص مذاهبهم. وفي حال كان ظهور تلك الاشياء المزعجة من الطبقات السفلى قليلاً فان شيئاً سيظهر في الكتابة العليا, كحالة كلايفينو مثلاً. اختلاف من اجل ان نبقى مع المثال الواضح عند ساباتو فاننا نقول ان هذين المخطوطين (قبل النهاية) و(عن الابطال والقبور) مختلفان فيما يتعلق بالاسلوب والمفردات اللغوية وفوق كل شيء في النحو. ومن الممكن ان يأتي من نفس القلم خطاب تقليدي خطي يعبر بوضوح عن الاشياء وخطاب آخر منقطع يستعجل تلك الاشياء ذاتها التي تظهر بصورة مضطربة ولا يمكن توقعها. واحياناً نجد ساباتو يغير في السلوك الاخلاقي ايضاً حين يقول: نعم للحياة, لا للحياة. ان هذا المخطوط الذي يذهب الى ابعد مما يسمح به الوعي, لا يستطيع الموافقة بشكل واضح على اي محاكمة ولا على اي استئناف ذي طبيعة اخلاقية. يقول ساباتو بشكل مؤلم, ان ذلك المخطوط (يخون) حتى الوعي واللائحة القانونية ويجابه مع حقائق لا تطاق ولا تستطيع ان تكون منافقة. ونقول ان ذلك المخطوط يمكن ان يشكل نتيجة قاسية لا يتحملها حتى مؤلف الكتاب نفسه الذي اراد حياة مختلفة, اكثر انسانية واقل عذاباً. انك عندما تكتشف رأس ميدوسا بجدائله التي تشبه الافاعي فستجد انه ليس من الجائز تليين التجربة وتبني عيد الظهور ذاك تبعاً لمتطلبات اخلاقية انسانية مثلما تم تبنيها لاجل الاطفال سابقاً في كتب كبيرة معقدة. وليس نافعاً ارسال ميدوسا الى صالون التزيين لتكييفها. لكن لا يجوز كذلك العودة راضين مثل انبياء مثرثرين بوحي من لا شيء ومعلنين ان الوجود يتمثل فقط بالوحشية والرعب ومتفاخرين بتشاؤم فارع وبالرفض والعنف والاشمئزاز. ان البلاغات الفصيحة التي تغطي على الفضيحة وبالتالي تقوم بتزوير حقيقتها, سواء تلك السفسطائيات الكلامية الناتجة عن جهل او اولئك الذين لا يريدون مشاهدتها ولذلك نجدهم يعلنون عنها بدلاً من معايشتها وتمثيلها عندما تحدث. وان القول بان الحياة جميلة او بشعة يوازي التخلق. وساباتو يستمر في عشق ماتيلدا ويستمر في تلميع معنى يضيء الحياة لكن دون الخوف على ترك طوفان المياه السوداء الفظيعة على حاله. هذا الطوفان الذي يخدع ويهدد بتحويل ذلك المعنى الى مضمون مظلم.