برد الاجساد, صقيع الروح أم هي ثورة الذات بكل ضعفها وقوتها, هل ترتدي النفس معطفاً ام تبقى في عريها؟! لعل مسرحية معطف جوجول التي اقتبسها (جوان جان) واخرجها للمسرح القومي بدمشق سلمان صيموعة ارادت ان تجيب عن اسئلة حيوية غالباً، ما تعذب النفس التواقة للحرية والمنطلقة نحو صيرورة الذات وحلم الأمل القابع في احشاء الجسد وكل ذلك قد يبدو قليلاً امام مدلولات (المعطف) الذي حاول المخرج سلمان صيموعة تقديمه مسرحياً على خشبة القباني. بداية وفي لغة جديدة حاول مقتبس العمل جوان جان مع المخرج استنهاض جوجول ليكون فاعلاً في قصته ولم يأت ليكون راوياً تقليدياً بل انه يلعب في أحداث عمله ويحاول ان يؤثر على شخصيات القصة من خلال الدور الذي قام به وبكل شاعرية الفنان محمد الحريري ممسكاً لأطراف مهمة من التأثير والتنوع في اداء هادىء غير مضطرب لتخرج لنا لعبة الولادة في لوحة جسدية تمثل مشهد الانطلاق نحو افق العمل مؤدية وظيفة سنرى انها اشبه باللازمة الموسيقية في تكوينات المشاهد عامة. واذا كانت هذه الشفافية نقطة الانطلاق فانها تنقلنا مباشرة إلى حلم واقعي يعيشه موظف فقير بسيط معدم الروح قبل الجسد هو (اكاكي) الذي لعب دوره محمد مصطفى حاملاً منذ البداية احلاماً متواضعة وغائبة عن ذاته وهي احلام وليس حلماً بمعطف جديد امام سخرية اصدقائه (الموظف) كميل ابو صعب (والآخر) عادل الزايد ومتفائلاً ضمنياً بالموظف الشاب الذي يضطر للمجاملة في السخرية (مالك المحمد) خوفاً من ان يضع نفسه بديلاً للموظف المجتهد في عمله فقط. سلبية واستسلام ان (اكاكي) يعيش في سلبية قد تبدو مبررة ولكن في النهاية لا يمكن وصفها الا بالسلبية المرة فهو مستسلم لمعطفه ولوظيفته التي ينقلها عمداً إلى منزله لتضطرب المرأة العجوز (زينة ظروف) وتزداد قلقاً على حاله محاولة اقناعه بمعطف جديد, وأمام هذا الاحساس بالجوع والبرد تظهر اللازمة في حلم يؤلف رقصة حركية صممها (معتز ملاطية لي) وأدتها (رنا نخلة, هلا نخلة, حجانة قندلفت, منار محفوض) . وفي انتقال إلى الخياط (فائق عرقسوسي) فان (اكاكي) لا ينتقل إلى حال اخرى بل إلى تردد آخر وجشع مختلف للخياط الذي يبدو كذلك من خلال جشعه للطعام وكأنه اصطاد سمكة كبيرة بدل السمك الذي يلتهمه على مائدته, واخيراً يتم التنازل فيصبح الحلم واقعاً وتصبح معه الامنية حقيقة ولا يرتدي معطفه الا ضمن مشهد احتفالي يعيدنا أيضاً إلى حلم الراقصات اللواتي يقدمن المعطف (لاكاكي) , واصدقاء (السخرية) يريدون الاحتفال بالمعطف الجديد فيضطر (اكاكي) لمجاملتهم ليخرج مخموراً من هذا الاحتفال ويستيقظ غارقاً في البرد من جديد فالاصدقاء سرقوا المعطف!! الدائرة الاخرى التي يضيع فيها اكاكي تبدو اشد ألماً فالحارس يسخر من السرقة والمفتش لا يعبأ بها والجنرال لا يقيم لها وزناً و(اكاكي) يعود إلى معطفه البالي, ويعود إلى البرد الروحي يعود إلى نعشه في القصة ويظهر جوجول في المسرحية محاولاً ان يأخذ بيد (اكاكي) محاولاً ان يسخر من المعطف البالي امام روح صاحبه ليجعل منه أكثر تمرداً واكثر عمقاً واكثر روحانية, انه الفعل المحرض الآخر المنطلق من الاقتباس الذي قام به (جوان جان) ولكن وامام انهيارات كبرى في حياة الموظف البسيط لا يستطيع جوجول التأثير على شخصيته لا يستطيع ان يمده بالأمل وهو مسكون باليأس فالمعطف الصغير هو كل ما بقى لهذا الموظف القابع في جموده, انها حالة اليأس المسيطرة على كل تفاصيله والنائمة في اعماقه, لينتهي بعد ذلك في معطف كبير يضم مجموعة العمل وتبدأ ولادة اخرى من هذا المعطف ولكنها ولادة قسرية تمزق الاحشاء وتمزق المعطف الكبير أيضاً ليبقى الإنسان مسكوناً بعريه ولنبقى نقول: آه لو كان الإنسان معطفاً لخلعته واسترحت!! التفاعل مع النص أمام هذا الشكل المكثف للأحداث استطاع المخرج سلمان صيموعة ان يمسك بخيوط عمله ويدير خشبة المسرح ضمن خطوات الفعل المتواصلة لكل شخصية واجتماع هذه الشخصيات لتؤلف نسيجاً في العقل المحوري للأحداث رافعاً سوية الايقاع وان كانت هذه السوية تختل احياناً بالمشاهد البصرية الكثيرة التي سيطرت على العمل رغم انها غالباً ما وظفت بشكل دقيق ولم تأت للامتاع البصري. واذا كانت الرقصات مؤدية ايحاءاتها فان انخفاض سويتها احياناً كان نتيجة لضعف تأدية الحركة المرسومة أصلاً وبالمقابل استطاع الممثلون التفاعل مع النص والحوار بشكل خاص واظهروا قدرة تعبيرية موفقة بشكل عام وخاصة ان صعوبة هذا العمل تكمن في تنوع ايقاعاته والعلاقات بين الشخصيات اضافة إلى ان الممثل الواحد الذي لعب مجموعة من الشخصيات احياناً ومع ذلك فقد بقيت الحالات المتنوعة تحمل دلالاتها وانفعالاتها بشكل مقبول حتى في فضاء الخشبة وديكورها المتواضع الذي يغلفه السواد من كل الاتجاهات بتناغم اضاءة (نصر سفر) وتنوع علاقات الاضاءة بابعاد الشخصيات المركبة وتناغمها مع الحركة, وزاد من شدة هذه التنوعات الموسيقى التي الفها(د. سامر قطان) وعبر من خلالها عن الحالات النفسية المختلفة في تفاصيل العمل وحتى ضمن تشكيلات ازياء (نيروز بكور) وهذا كله جعل الاحساس بالممثل احساساً مرتفعاً من قبل المتلقي, وتلاءم ذلك مع سينوغرافيا الفراغ المدروسة بشكل موفق. في معطف جوجول مشهد من المسرحية