بقلم: د. وطفاء حمادي (اننا متشائمون, ولكن رغم ذلك, نعمل بأقل كلفة ممكنة) هذا ما قاله المخرج المسرحي اللبناني, روجيه عساف, رئيس (جمعية شمس التعاونية الثقافية) , منذ عام, أي يوم انطلاقها. كلام فعال ومسئول يصدر عن انسان تعمقت جذور سنينه في تربة الابداع والعطاء لم يمل ولم ييأس, وهو لايزال ينسج خيوط التواصل مع اجيال مسرحية من طلابه, ولايزال ايضا يتحرك بدينامية يستمدها من قناعة داخلية بايلاء أهمية كبيرة للاستمرار مع جمهور لبناني وعربي يبحث عن لمسات ابداعية في زمن القحط والقهر, والضغط الاقتصادي. وشاء روجيه ومجموعة من شباب المسرح, ان يراوغوا التنظير, والخطابية والادعاء وان ينحازوا نحو العمل ومعاونة الطلاب والخريجين والهواة بدعمهم للمستويات الابداعية: مكان العرض, الاشراف قراءة النص المسرحي, وترجمت هذه الآمال بتأسيس جمعية شمس (اي شباب المسرح والسينما) وهي امر مستجد على الثقافة اللبنانية وتحديدا على المسرح اللبناني, لان المسرح اللبناني منذ نشأته وتطوره, وتأكيد وجوده وذاتيته الابداعية في عالم المسرح العربي مازال يعتمد على المبادرات الفردية للمسرحيين بدون اي دعم من مؤسسات اخرى. واعلنت العام الماضي هذه الجمعية التعاونية الثقافية مخططها ومشروعها الثقافي, وتصورها الاولي للمشاريع: 1ـ اعادة انتاج مسرح بيروت (في لبنان, لا توجد مسارح اي صالات للعرض سوى ثلاث صالات: مسرح بيروت, مسرح المدينة الذي تديره نضال الاشقر, ومسرح Monot التابع للجامعة اليسوعية), وهي مسارح خاصة لا تلقى دعماً. 2ـ تأسيس مركز للعمل الثقافي. 3ـ تأسيس مركز سمعي مرئي. أعمال متنوعة بعد مضي حوالي العام على اعلان اهداف هذه الجمعية لم يتوان روجيه عساف وعصام بوخالد وحنان الحاج وغيرهم من تأمين اي فرصة في سبيل تحقيق هذه الاهداف, وقسم منها ولا ادل على ذلك ما تفجر على خشبة المسرح اللبنانية (مسرح بيروت) في لمعات ابداعية كانت تختزنها مواهب الخريجين المسرحيين وبعض الشباب الهواة, صيغت في قالب عروض مسرحية لا سيما بمناسبة اليوم العالمي للمسرح, قدمت اعمال فنية متنوعة تراوحت بين المسرح والسينما والشعر والموسيقى. وظهرت من بينها عروض مسرحية متميزة: مسرحية (ارخبيل) لمخرج خريج معهد الفنون عصام بوخالد, يخترق فيها واقع الحال اللبنانية, ومأساة ما بعد الحرب, من خلال رؤية مشهدية بصرية متميزة. وروجيه عساف, منذ بدايات مسيرته المسرحية يهتم بتأسيس مسرح يحاور الناس, بعد تجربته المسرحية في المركز الجامعي للدراسات المسرحية, حيث كان حالة غامضة, حالة قلقة مدهشة مثل وجدان صامت لانه يتفاعل مع الواقع, وجد ان المسرح الناطق باللغة الفرنسية يعيقه من التواصل مع الناس, فقرر ان يقوم بتجربة مسرحية تساهم في خلق علاقة مع هؤلاء الناس, اسس مع نضال الاشقر محترف بيروت, ويعتبر تأسيس هذا المحترف منعطفا فنيا وفكريا مهما في مسيرة روجيه عساف ونضال الاشقر المسرحية. لقد ارتبط هذا التأسيس بمرحلة تاريخية خطيرة, مرحلة انهزام العرب في العام 1967, واستدعت التوقف قليلاً, والتأمل لتحديد ما سيؤول اليه خطاب المسرح والفنون الاخرى والآداب وغيرها, ولتحديد لغة مسرحية جديدة تعبر عن واقع المرحلة, وتعكس مسارها الايديولوجي. وواكبت فكرة التأسيس دعوات مسرحية عربية اخرى (سعدالله ونوس, يوسف ادريس, الفريد فرج, الطيب الصديق, عبدالعزيز السريع, عصام محفوظ, وغيرهم من المسرحيين العرب) وبدأ العمل على التعبير من خلال نص مسرحي عربي, والسعي نحو تأسيس شكل مسرحي يتلاءم مع مفاهيمنا الجمالية. المسرح والناس وبعد مرحلة المحترف, ضاقت حدود هذه التجربة عند عتبة طموحات روجيه عساف, فقرر خوض تجارب متنوعة ترد على اسئلته الجوهرية عن العلاقة مع المسرح, وجوهرها كيف تخلق مسرحاً عربيا يعبر عن هواجس الناس وقلقهم, ويخلق معهم حالة تواصل متفاعلة؟ فكانت تجربة (المخيمات الفلسطينية) وتجربة العمل على بناء نصوص مسرحية في سير الناس وحياتهم في الجنوب اللبناني, فكانت ثمرة هذه التجارب تجربة (مسرح الحكواتي) الذي اعتمد فيه عساف وفرقته على بناء نصه من ذاكرة الناس, من رواياتهم وقصصهم ومن احلامهم, وتبلورت هذه التجربة في عدد من الاعمال المسرحية (ايام الخيام) التي جسدت الصراع العربي الاسرائيلي. وسبقتها حكايات من 1936 وثورة عز الدين القسام و(حكايات الحاج محمد) , ولم يقتصر مسار عساف المسرحي على مرحلة الحكواتي, وهو الاستاذ الجامعي الذي يخرج اجيالا من المسرحيين, وارتأى متابعة مسيرته مواكباً هؤلاء الخريجين, مشاركا في اعمالهم (يمثل احيانا في اعمال يخرجها طلابه). طموحات كبيرة, وآمال زاهرة يعلقها الجيل المسرحي على هذه الجمعية, تثبت ذلك الاعمال النوعية التي قدمت ضمن نشاطات هذه الجمعية, وهي تكشف عما آلت الحالة المسرحية في لبنان في هذه المرحلة. ومنها الاعمال المسرحية التي يقدمها خريجو معاهد الفنون المسرحية, لذلك نتسائل مع روجيه عن صورة المسرح في لبنان, عناصر بنية هذا المسرح: النص, الاخراج, التمثيل؟ ـ لم يمض وقت طويل على تجارب الشباب المسرحيين حتى نتمكن من تقييمها, والحكم عليها حكما جماليا وفنيا وفكريا, ومع ذلك, نستطيع القول ان الجهود الجبارة التي يقوم بها هذا الجيل المسرحي الجديد, ينبغي ان تؤخذ بعين الاعتبار, وينبغي تتبع سيرورتها الدينامية, المشبعة برؤى هذا الجيل الفكرية, وبلغته المسرحية الجديدة, وجل ما يركز عليه هذا الجيل هو عنصرين من عناصر العملية المسرحية: التمثيل والسينوغرافيا. * لماذا يركز الجيل على عنصري التمثيل والسنوغرافيا هل يمكن ان نعزو ذلك الى المعاهد التي تشدد على الاتجاهات التمثيلية, وعلى التدريب الجسماني للطالب. ويطلع بعدئذ الطالع ملما بكل العناصر المكونة لبنية الممثل؟ وكذلك بالنسبة الى السينوغرافيا, فبالاضافة الى تدريس هذه المادة في المعهد هناك محاولة تنمية الذوق الجمالي, وتعريف الطالب بشروط الصورة البصرية؟ ـ لا شك ان المعهد او المعاهد الفنية المسرحية تساهم الى حد كبير في تثقيف الطالب وتعريفه بأسس التمثيل, وبشروط الصورة البصرية من خلال عنصر السينوغرافيا, ولكن هناك ايضا الموهبة والادراك المعرفي والفني لدى الطالب, هما يحددان شروط الابداع والانطلاق خارج الخشبة الجامعية للمسرح. عندما يتخرج عدد كبير من الطلاب من معاهد الفنون المسرحية, لا يسطع نجم الا عدد قليل من المسرحيين, ذلك لان الابداع لمعة, وهو ما يميز خريجاً عن آخر, والا لصار جميع الخريجين مبدعين. جمعية (شمس) * هل تعتبرون ان جمعية (شمس) التعاونية تقدم البديل الرعائي للحالة المسرحية في لبنان, عن المؤسسات الرسمية والثقافية الاخرى؟ ـ صار أمراً بديهيا القول بأن الحالة المسرحية في لبنان تعتمد على المبادرة الفردية, وعلى اندفاع الشباب القوي, والملح, بهدف تأسيس لحالة او لحركة مسرحية لبنانية, فالمسرح في لبنان يفتقد الى بنية تحتية, وكل ما نراه ونشاهده من عروض مسرحية او نشاط مسرحي, فهو يقوم على كاهل الشباب, لذلك قامت جمعية (شباب) لتبحث عن هؤلاء المسرحيين الشباب من آلية العمل على تأسيس لحركة مسرحية في لبنان, بدءاً من التمويل والانتاج وانتهاء بالنص المسرحي, كما ان نشاطات هذه الجمعية وآفاقها لا تقتصر على لبنان, بل نحاول ان نساعد ونوسع مساحات علاقاتنا مع الفرق والمؤسسات المسرحية العربية, لانها تشكل هدفاً من اهداف جمعيتنا ويتم هذا التعاون ضمن تخطيط متفاوت المستوى. لقد تعاونا مع مهرجان (ايام عما المسرحية) ومع فرقة (الورشة) في مصر, ومع (الصندوق العربي لمسرح الشباب) , وفي الشام مع (المعهد العالي للفنون المسرحية) , ونتجه اليوم كجمعية نحو خلق شبكة منظمة للموضوع, نتبادل فيها كل المعلومات, ونتشارك في اللقاءات والمؤتمرات التي ينظمها اي طرف. فنتبادل الخبرات المتجولة, ونفكر في عمل مشترك. اعلم ان الموضوع صعب لأن الممثلين والمخرجين اللبنانيين ليسوا متفرغين, وباختصار لانه لا توجد بنية تحتية للمسرح. الامر الذي يكشف عن مشاكل المسرح في لبنان, ويضعنا امام مسئوليات كبيرة تجاه الجيل المسرحي الجديد. * كيف تتعاونون مع ايام عمان المسرحية؟ وكيف تتبادلون الخبرات في هذا المهرجان؟ ـ يقيم مهرجان عمان, مؤتمرات وندوات ومحترفات تستعين بعروض مسرحية عربية, وفيها يتشارك النقاد والباحثون العرب والاجانب, انه مهرجان دولي, يتم فيه التعاون مع العروض القادمة الى عمان, مثلاً يمكن مشاهدة هذه العروض في عمان واستضافتها في بيروت. وكذلك يصب تعاوننا مع فرقة (الورشة) المصرية التي يترأسها المسرحي حسن جريتليي. ولدى هذه الفرقة نشاطات واسعة, وهي طرف مهم في تأسيس مهرجان (ايام عمان المسرحية) وتمتاز هذه الفرقة بتقديم اعمال مسرحية نوعية, تسعى دائماً للعمل على تأصيل المسرح العربي, باستلهام التراث, وبرز ذلك في مسرحيات (غزير الليل) . ونتعاون ايضا مع (الصندوق العربي لمسرح الشباب) وهو مؤسسة صغيرة تختار كل سنة اعمالا مسرحية من العالم العربي, ومن جملة ما تقدمه ايضا دعم ثلاثة اعمال مسرحية مصرية وعربية. مثلا لقد دعم الصندوق مسرحية (ارخبيل) للمخرج المسرحي اللبناني عصام بوخالد للمشاركة في مهرجان (ايام عمان المسرحية) ويسعى الصندوق لدعم دعوة هذه المسرحية وعرضها في فرنسا, ويؤمن آلية اتصال المسرحيين العرب بعضهم ببعض, وتوجد مؤسسة اخرى هي (ايسار) طابعها الرئيسي عربي, هدفها التنسيق وتبادل اعمال بين الدول العربية, يعمل في مكتبها فرنسيون, وهي مؤسسة مستقلة تعمل في لبنان والاردن ومصر وتونس والمغرب, وهي تدعم السفر وتنظم اللقاءات والمعدات.