اذا كان شكسبير قد حول بقعة الضوء نحوه بأشعاره ومسرحياته الاولى والمكافأة الاولى التي تحصل عليها من الملكة اليزابيث في العام 1594 وازدياد مديح النقاد له, فان كريستوفر مارلو والمولود في 1564 وهو عام مولد شكسبير والذي قدم تزامناً مع انشغال شكسبير بالمسرح اعمالا مسرحية، تقاربت للحد الذي قيل فيها ان جملة من الاعمال الشكسبيرية هي بتحريض من افكار واعمال مارلو, بل وذهبت الاقاويل الى اقصاها حينما تمت الدعوة الى نبش قبر شكسبير للتأكد من وجوده, في اشارة الى ان مارلو هو شكسبير الاسم المستعار. ورغم كل تلك الفرضيات يبقى مارلو شخصية مسرحية منيرة للجدل خصوصاً في تزامنها مع وجود القائمة المسرحية الشكسبيرية. ولد كريستوفر مارلو في كاونتر بري وبدأ مشواره المسرحي في العام 1590 وهو التاريخ نفسه الذي بدأ نجم شكسبير يلمع في سماء المسرح الانجليزي, لكن قد يبدو ان بدايات مارلو سباقة بعض الشيء لان موهبته المبكرة جداً لفتت الانتباه اليه. ففي تراجيدياته الرئيسية (تيمور لنك الكبير) في العام 1587, قصة (الدكتور فاوست المأسوية 1592 وادوار الثاني 1593 تبرز طاقته كمسرحي يتفهم واقع عصره مسجلا النزاعات الدائرة وتملك جموعاً ضخما في المشاعر وتسلط الضوء بحدس خارق على المتناقضات الرئيسية في المجتمع, ففي مسرحيته (تيمورلنك) يصور مارلو الانهيار الداخلي اولاً ثم التاريخي وفي فاوست يبحر في الاغراء السحيق الغور لعلم لم يكن بعد قد تحرر كليا من الاعتقاد بعالم ما ورائي بشرائعه الاخلاقية. عملقة الشخوص ويذكر فيتو باوندولفي في كتابه (تاريخ المسرح) ان عملقة الشخوص التي تخيلها مارلو تنبع فيما يبدو من الطريق الذي اختطه برومينيوس اسخيلوس بتصميمه على زيادة قدرة البشر, لهذا نرى انه عندما تنقض المأساة في (ادوارد الثاني) بسبب وهن حتمي تعود الى الكارثة فتنقلب العملقة الى هوى عملاق ايضاً, بمعنى انه يقذف بالبطل في هوة سحيقة, حيث لا يسعه الا ان يواجه الموت والفناء. و(ادوارد الثاني) هو الملك الوحيد الذي اهمله شكسبير ربما عمداً, لكن مارلو يستمد من انهيار ادوارد رؤية عملاقة عن الانسان, هي رؤية يقوده اليها عمل عصر النهضة الايديولوجي الذي يستخلص منه نتائج ذات منطق متقدم. هل حقاً تأثر شكسبير بهذا النابش في اعماق الانسان الانجليزي وتكوينه من مفردات ماضية, هذا السؤال يتبادر الى الذهن كلما حققنا في الاعمال المسرحية لكلا الرجلين, مارلو سابق على صاحبنا شكسبير بالمبضع نفسه يشرح الاثنان شخوصهما واحداثهما, لكن ما من دليل على تلك الفرضيات التي زينها خيال بعض المحققين حينما ذهبوا الى ان اسم شكسبير هو الاسم المستعار لمارلو... ولم تثبت ذلك الاحداث والوقائع وحياة شكسبير نفسه مما ينفي هذه الخرفات, لكن ما الذي دعاهم الى تلبس تلك الحقائق الواهنة. انه بالطبع ذلك اللبس الذي يصيب المطلع على تقنيات شكسبير ونبشه المسرحي واسلوب مارلو الذي ما افترق عنه... لكن يبقى ايضاً. مارلو سبق شكسبير ان مارلو سبق شكسبير الى المسرح بقليل, وان الاخير تأثر في اماكن معينة من تجربته الفنية بهذا الرجل الذي غاب عن الاضواء, او بمعنى آخر خطفت عنه الاضواء للقامة الشكسبيرية. يقول فيتو باندولفي: ليس من قبيل الصدفة ان يكون مارلو اول من مسرح اسطورة الدكتور فاوست ساحر فيتنبرج الكبير, ذاك الذي باع نفسه للشيطان بسبب عطشه للمعرفة الذي صار يرويه من جميع المناهل. تعد تبع (جوته) في قصيدته الدرامية آثار مارلو في جوانب عدة فاستعاد حدوسه ودفع بها الى حدود غير متوقعة, على هذا الدرب الذي يخطه العطش الى المعرفة والتصميم على المضي بكل تجربة الى نهايتها, ويظهر لدى مارلو منذ ذلك الحين شبح (هليلين) الطروادية رمز الجمال, ويتدخل ايضاً امبراطور يضع فاوست نفسه في خدمته ويتنازع ملاكا الخير والشر روح هذا الرجل... يشرع فاوست مارلو ومثله ايضاً فاوست جوته في صهر الحضارة الكلاسيكية في حضارة العصر الوسيط, وفي مسرحية (تيمورلنك) يعكس مارلو على الجانب الآخر بصورة مباشرة البدايات الدموية لفتوحات الامبراطوريات الاستعمارية, ان عبقرية مارلو العاصفة تسم اللحظة التاريخية على نحو اكثر مباشرة وجلاء من شكسبير. ولكن يظل مرتبطا بها, بحيث ان شهادته وتنبؤاته تضج بوصفها احالات الى العالم. كتب مارلو ايضاً ضمن تراجيدياته (مأساة ديدون) , (المجزرة في باريس) , السان بارتيلمي. شرح صورة * كريستوفر مارلو