في الادب كما في المسرح, وفي اللوحة التشكيلية كما في المقطوعة الموسيقية, هناك ابداع (ما) صنعه مبدع ليقول للآخرين رسالة مهمة من وجهة نظره, وقد يطرق المبدع ذات الموضوع اكثر من مرة, ليؤكد عليه أولا, وليفتح آفقا جديدا من خلال بحث موضوعه الابداعي من جديد, ذلك انه في كل مرة يعالج فيها الروائي نفس الموضوع فانه يطرقه من زاوية اخرى ويقرأ خلفياته بذهنية جديدة وبرؤية مغايرة, تماما كما قال احد الفلاسفة: (انك لا تضع قدميك في نفس النهر مرتين, لأن مياها جديدة تتدفق فيه باستمرار) . من مياه هذا النهر نرحل اليوم في فضاء اكبر روائيي ايطاليا الاحياء (ماريو ريجوني) واكثرهم رصانة, حيث يطرق (ماريو) حياة البسطاء ضمن مشاهد المجتمع الهادئ البسيط بكل ما يختبئ تحت هذا الهدوء من ثرثرات واختناقات وحروب وفساد وازمات وجدالات عميقة, كل ذلك بأسلوبه الرصين والعفوي الذي جذب لرواياته جمهورا عريضا من القراء في معظم الدول الاوروبية. وفي اغلب نتاجه يتماهى (ماريو ريجوني) مع تجربته كمبدع اوروبي هزته احداث الحرب العالمية الثانية بل وسكنت اعماله بوضوح وعمق حتى صار يستحضرها بكل آلامها وويلاتها تماما كما فعل في روايته الاولى (عريف الثلج) والثانية (العودة في العطية) وفي (فصول جاكومو) حيث تتبدى بشكل لا لبس فيه تجربة القسوة والجوع والبرد وحكاية (ماريو) نفسه المجند في الجيش الايطالي. وفي السياق ذاته لا يخرج الروائي تشكيلي الأصل (ميلان كونديرا) عن مسألة تكرار التركيز على رحلة البحث عن هوية الانسان او لنقل عن ذاته لأنه وفي كل رواياته مثل: خفة الكائن التي لا تحتمل, فالس الوداع, الضحك والنسيان والبطء وغيرها يؤكد (كونديرا) بأن الانسان لا يصل الى الاخرين الا عندما يصل الى ذاته ويعرفها تماما. وعليه فهو من كبار المبدعين في عصرنا هذا الى جانب اخرين في مجال الرواية, يقدم ابداعه في اطار انساني سيكولوجي يرتكز دائما على مبدأ وضرورة البحث عن الهوية الانسانية من خلال شخصياته. اما روجيه عساف المبدع المسرحي اللبناني المعروف بتجربة مسرح الحكواتي, والذي تجذر في تربة المسرح بوعي ودراسة وعطاء معروف على الساحة المسرحية اللبنانية, فانه يجدف في التيار ذاته الذي سار فيه ديستوفيسكي في منهجه الروائي الانساني وبروست وكونديرا, وغيرهم من حيث الطرق على الموضوع الانساني, حيث يعمل عساف برغم كل ما يدفع للتشاؤم في محيطه على تأسيس وتفعيل مسرح يحاور الناس ويفتح جروحاتهم تحت شمس الحقيقة واضواء المسرح, المسرح الذي يولي هواجس الناس الاهمية الاولى ويخلق معهم حالة من التواصل والتفاعل, وهذا تحديدا ما قام به عساف وما قدمه ضمن مسرحياته وكل النصوص التي ذهبت عميقا في سبر حياة الانسان في الجنوب اللبناني فكانت الثمرة مسرح الحكواتي الذي استنهض الفن المسرحي وجعله متألقا ومعتمدا على ذاكرة الناس من خلال رواياتهم وقصصهم وأحلامهم. في كل ذلك يقف كل المبدعين المهجوسين بقضية الانسان في الاتجاه الصحيح حينما يوظفون ابداعهم (ادبا, مسرحا, تشكيلا..) لخدمة هذه القضية, ونحن هنا في (بيان الثقافة) اليوم نستعرض كل هذه التجارب مقدمين لها بدعوة تعزف على اوتار ذات الآلة الابداعية التي عزف عليها اولئك المبدعون, والدعوة تأتي من مبدع وفيلسوف معروف هو (د. محمد عابد الجابري) الذي ينادي كل المثقفين بأن يمتلكوا انفسهم وذواتهم ليتمكنوا من توظيف امكانياتهم بشكل معافى وصحيح, بشرط الا يتحولوا الى سلطة ضاغطة وبأن لا يكرروا الاستبداد في صورة مثقفة!