تمضي الايام وتبقى التساؤلات كثيرة ومؤرقة حول المشهد الثقافي للأمة العربية والإسلامية, وهل الكتاب والكتّاب يسهمان في بناء حالة وعي متميزة للانسان العربي والمسلم أم أن الكتاب العربي ينتظر منقذاً ومخلصاً له من تلك القطيعة بينه وبين اهتمامات الفرد في المجتمعات العربية والإسلامية؟ ثم إن هناك محاذير ومخاوف تبعث على القلق منها أن نسبة الأمية في العالم الإسلامية تتراوح بين 45% و60% وأن عدد الأميين في العالم العربي سيرتفع الى 66% سنة 2000م, وكل ما تطبعه دور النشر العربية مجتمعة, لا يصل الى نصف ما تنشره (إسرائيل) حسب إحصائيات اليونسكو لسنة 1996م. ولذلك كان هذا اللقاء الحواري مع محمد عدنان سالم ـ صاحب تجربة نشرية تقارب نصف قرن احترم فيها الهوية الثقافية وعقل القارئ ـ وهو يشغل الان رئيس اتحاد الناشرين السوريين, بالإضافة الى كونه المدير العام لدار الفكر للطباعة والتوزيع والنشر بدمشق, المعروفة بعراقتها في عالم النشر. * هل من الممكن التعرف على الهوية الخاصة بداركم, متى تأسست وما هي اهدافها؟ ـ أسست دار الفكر عام 1957 في دمشق, وهي شركة مالية تضامنية بعنوان (سالم وزعبي ـ دار الفكر للطباعة والتوزيع والنشر). ودارنا تهدف الى الربح المادي والمعنوي معاً, بمعنى أنها تحمل هم التجارة والثقافة جنباً الى جنب, تخدمهما معا, وتوازن بينهما, وتحرص على أن يكون كل منهما في خدمة الاخر, من دون ان يطغى عليه, او ينتقص منه... وبذلك استطاعت الدار أن تجعل من نجاحها التجاري نجاحاً لرسالتها الثقافية, وان تكسب ثقة القارئ من خلال أمرين اثنين. انتاج ما ينفع الناس ويلبي حاجاتهم الفكرية والثقافية من جهة, ومراعاة طاقتهم الشرائية عند تحديد الأسعار, وعدم المغالاة من جهة أخرى, وأما رسالة دار الفكر التي تسعى اليها فهي ان تكون عيناً على الماضي وعيناً على المستقبل, وتنطلق من التراث جذورا وتبني فوقها, دون ان تقف عندها, وتطوف حولها. وتختار منشوراتها بمعايير الابداع, والعلم, والحاجة, والمستقبل, وتنبذ التقليد والتكرار وما فات أوانه. وتعتني بثقافة الكبار, لحمايتهم ثقافة أطفالهم. وتهتم الدار في حالات النشر بالتقويمين العلمي والاقتصادي. * ما المقصود بالتقويم العلمي والاقتصادي؟ ـ التقويم العلمي يفحص الكتاب من ناحية دقته العلمية, وموضوعيته, ومستوى الابداع فيه, والإضافات التي يقدمها على ما سبقه في موضوعه. اما التقويم الاقتصادي فهو ينظر في مدى حاجة الناس للكتاب, والشريحة الموجه اليها, وإمكانات التمويل في الدار, فإذا سقط الكتاب علمياً, لم يقوّم اقتصاديا, مهما بدت ملامح نجاحه في السوق, وما أكثر الكتب التي رفضتها الدار لعدم قناعتها بها من ناحية مستواها العلمي, ثم حققت رواجا كبيراً في السوق, فلم تندم على رفضها نظرا للأولوية التي توليها للتقويم العلمي. * وهل هذا يعني ان كل ما تنشرونه تعتقدونه وتؤمنون به؟ ـ ما تنشره الدار هو ما تؤمن به, وتعتقده في إطار الحوار وحرية التعبير والنقد وتلاقح الآراء, فقد تنشر الرأي, وتنشر معه الرأي الآخر, وربما عقدت الندوات بين أصحاب التيارات الفكرية المختلفة وأثارت النقاش بينها, ونشرت حصيلتها, وربما نشرت الرأي الجديد بقصد إثارة المناقشات حوله لتحريك الحياة الثقافية, ومنعها من الاسترخاء او الركود في المستنقعات الآسنة, او العزلة عن حركة الثقافة العالمية. تعصب وتضخم (الأنا) * لو أخذنا بمقولة (العوائد والأسباب) ترى الام تعزون حالة الشقاق الفكري بين التيارات العاملة في الساحة العربية والتي من شواهدها أحادية الرأي والتنافر الملحوظ؟ ثم لكم من جهد في كسر هذه الحالة التي صفت فيها أجواء الفرقة؟ ـ هذا التنافر والتنابذ الملاحظ في الساحة العربية والاسلامية, بين التيارات الفكرية المتباينة, مرده الى التعصب وتضخم الانا والتي من تجلياتها رفض الآخر, وإعجاب كل ذي رأي برأيه, وادعاؤه امتلاك الحقيقة وحده من دون الناس.. مما أدى الى الضمور الفكري, والعوز الإبداعي, وذلك ان كل فكر متفرد, أحادي الاتجاه, محدود في زاوية الرؤية, منغلق على نفسه مشيح عن محيطه, منكفئ على ماضيه, غافل عن مستقبله, هو فكر عانس عقيم, مآله الشيخوخة والفناء وهو ما تحصده الأمة اليوم نتيجة للتعصب والانغلاق على النفس. فعلى صعيد التيارات الفكرية ذاتها, ها نحن نراها كيف عجزت عن تحقيق أي تقدم يذكر بعد لحظة انبثاقها, بل نراها كيف أخذت ترتشف كأسها حتى الثمالة ولا مزيد, وتجتر أفكارها حتى التلاشي والنفاد ولا جديد. وعلى صعيد الحركة الفكرية المتمثلة في سعة انتشار الكتاب, واجهت الساحة الثقافية التي يتحرك فيها, مزيداً من الضمور. فبالإضافة الى تصنيفها نتيجة الأنظمة الرقابية المتباينة التي أغلقت حدودها في وجه الكتاب, قامت التيارات الفكرية بتشييد الحواجز الشاهقة التي تحول دون مروره وتداوله بين أفرادها... فلا يقرأ الاسلامي للعلماني, ولا يقرأ العلماني للاسلامي, بل ان الحواجز اقيمت بين الاجنحة المختلفة للتيار الواحد.. فتقوقع كل على نفسه (كل حزب بما لديهم فرحون) . وعلى مراكز الحدود, وخلف الحواجز, وقف الكتاب حزيناً خجولاً, مستخذيا, متوجساً, مترقباً أن يؤذن له بالعبور وياويله إن ضبط متسللا عبر حقيبة مسافر, أو في يد مريد ذي اتجاه مخالف. * عرفتم بطرحكم لشعار (القراءة أولاً) مدخلاً لولوج مشروع نهضوي بالأمة, كيف تقيمون حالة الكتاب العربي؟ ـ لا يستطيع المرء أن يتجاهل الأزمة التي تكتنف الكتاب العربي في وضعه الراهن, فإن نظر اليه مكانيا بالمقارنة مع حاله في الغرب والأمم المتقدمة, أو نظر اليه زمانيا بالمقارنة مع حاله ابان حضارة الامة العربية الاسلامية, أو حتى خلال محاولاتها للنهوض من عثارها في مطالع القرن الحالي, فلابد له ان يجد البون شاسعاً, ابداعاً في التأليف, وغزارة في الانتاج, وإقبالاً على القراءة, وتداولاً للأفكار, ونقداً يبرز النافع ويصقله وينميه, وينبذ الغث ويدفنه وينحيه, ويضع الكلمة أمام مسئولياتها, ويحاسبها. * هذه الأزمة التي وصفتموها ما أسبابها هل الخلل في الكتاب كغلاء سعره, أم في المنتج الفكري (وعدم الحاجة اليه) ام في الناشر وكونه لا يحترم عقل القارئ؟ ام في القارئ؟ ـ إن أسباب أزمة الكتاب مشتركة, يحمل وزرها كل من المؤلف والناشر والقارئ على السواء لا ينفرد بالمسئولية عنها واحد منهم, بل ان كلا منهم يسهم فيها مؤثراً في آن واحد, فلا المؤلف يستطيع ان يبدع من دون قارئ يتلقف ابداعه, ولا القارئ تنفتح شهيته, ويشتد نهمه للقراءة من دون إبداع, ولا الناشر يستطيع ان يتألق من دون كاتب مبدع ولا قارئ نهم. تصحر فكري * ماذا تجلى عن هذه الأزمة والقطيعة عن الكتاب؟ ـ انعكس ذلك كله على المستوى الحضاري للأمة, فكلما تقلص دور الكتاب, وانكمش حجم الابداع في أمة أفلت عنها شمس الحضارة, وانتابها الجدب والتصحر... وما ثمة شيء أدل على التصحر الفكري في أمة من أن يصبح جل نتاجها الثقافي: اجتراراً وتكراراً ووقوفاً على الأطلال, وانبهاراً بما أنتجه الأغيار, وطرحا للعجائب والغرائب التي تنطلق خارج سنن الكون وقوانين الحياة, وقراءة للكف والفنجان, واعتماداً على الأبراج والنجوم, وإقبالاً على فنون الطبخ وتجميل الأجسام, وأنا أعرف أنه ستقوم لثقافة التصحر والتخلف هذه سوق, وسيكون لها مؤلفون وقراء وناشرون, وسيكون لبضاعتهم هذه رواج, وستسجل كتبهم الأرقام الأكثر مبيعاً.. لكن أحداً منهم لن يحظى باحترام المجتمع, لأن المجتمع قد احتفظ بالاحترام في ضميره للكاتب المبدع, وللناشر الجاد. وأدل على ذلك من المكانة التي نرى صانعي الكلمة, كتاباً وناشرين, يتبوؤنها, كيف تسمو بهم في مجتمعات التقدم, فتجعلهم موضوع كل تجل واحترام, وتهبط بهم في مجتمعات التخلف الى درك الاهمال والتجاهل. وأقول: انه مهما حقق مروجو ثقافة التصحر من نجاح مادي وألق, استغلوا له فترة انحسار حضاري, فان وعي القراءة, وإرادة التحضر لدى الشعوب من جهة, والقانون الإلهي ـ الذي يقضي بذهاب الزبد جفاء, والاحتفاظ في الأرض بما ينفع الناس ـ من جهة اخرى كفيلان بضمان مستقبل أفضل لثقافة التحضر والعلم والمعرفة. * من خلال منظومة أفكاركم تبين أنكم تربطون الكتاب بالمستوى الحضاري الى أي مدى هذا التلازم؟ ـ اننا نجد مسائل الكتاب والقراءة والإبداع مسائل مرتبطة بالمستوى الحضاري للمجتمع والمرحلة الحضارية التي يجتازها, تزدهر بازدهارها, وتنحسر بانحسارها, بل ان بينهما تلازماً يجعل من الصعب تحديد الأولوية والسبق لأي منهما, فاذا كانت الثقافة شرطا للتحضر, فان التحضر يصنع الثقافة وينميها.. فلا عجب ان يكون ما تطبعه دور النشر العربية أقل بكثير مما يجب ان يطبع, وان يكون نصيب استهلاك الفرد في الوطن العربي من الورق متدنياً... مما يوجب على المربين إعادة النظر في مناهج التربية لإعادة الإنسان العربي الى المستوى الحضاري الفاعل. * ماذا عن دور الكتاب في عصر المعلوماتية, وهل ثمة مخاوف ودواعي للقلق عليه بعد شبكة الانترنيت؟ ـ الكتاب في عصر المعلوماتية, وثورة الاتصالات تحديده مرتبط بتحديد مفهوم الكتاب. هل الكتاب يعني المعلومات المطبوعة على الورق حصرا, ام أنه يتجاوز ذلك الى الأوعية الأخرى للمعلوماتية, التي أصبحت تطبع على أقراص ممغنطة يمكن استرجاعها قراءتها على الشاشات المضاءة بأي طريقة يريدها القارئ, صفحات متتالية, او معلومات انتقائية او كلمات مفهرسة؟! وفي الحالين, لا ارى داعيا للقلق, فالمسألة مسألة وقت, والجيل الذي ألف القراءة في الكتاب الوراقي المطبوع, واستمتع بتقليب صفحاته, قد لا يستسيغ القراءة على الشاشات, ولكنه لن يستطيع ان يفرض ذوقه ومألوفاته على أبنائه وأحفاده الذين ترعرعوا بين الحواسب, وألفوا قراءة الأحرف المضاءة. المهم أن نقرأ ونعوّد أطفالنا على القراءة, ولست أبالي بعد ذلك كيف كان الكتاب المقروء ورقيا ام حاسوبيا, فإنما هذه اوعية تتطور, يذهب القديم منها الى متاحف التاريخ, ليحل محله الأجدى والأيسر والأكثر نفعاً. دمشق ـ علاء الدين آل رشي كلام الصورة: محمد عدنان سالم