قاتل الله النسيان.. بكل الاسلحة.. المباحة والمحرمة دوليا لا ادري كيف استطعت ان استمر في الحياة بهذه الذاكرة. اهلي واصدقائي وخلاني, يضربون في المثل في النسيان وقد طردت من اكثر من وظيفة بسبب النسيان وانا الان اكتب, اقرض الكتابة, واطمح الى طباعة بطاقة تعريف باسمي اذيلها بالتالي: المهنة كاتب. وهذا صعب لأنها مهنة شرطها الاول: قوة وغنى الذاكرة؟ وانا اعتمد على دفتر مذكرات (اجندة) اشتريته من ثلاث سنوات ولا يزال ابيض حتى الان!, لأني انساه دائما, فأكتب ملاحظاتي على ورق اغلفة علب الدخان وملتقطات ورقية من قارعة الطريق. زوجتي تعمل لي فصلا كل يوم على نسيان ما توصيني عليه, اصيح فيها: قلت لك الف مرة انا مثل المكاتب الحكومية.. لا اتعامل الا بالوثائق والكتب, خيوط مربوطة بالاصابع لن تجدي معي.. طلباتك الكريمة التي لا تنتهي, سجليها, والتسجيل لا يكفي, وقعيها واختمي عليها, بالختم العاطفي المعروف, وهذا لا يكفي ايضا, فيجب اكمالا للشروط ان تضعيها في جيبي يا قرة العين السوداء وحشاشة الفؤاد المكلوم. وتفعل.. اروح الى السوق البعيد اعود الى البيت غانما. ـ هذه المرة لا حجة للنسيان يا ابو صلاح؟ ـ من هو ابو صلاح؟ انا ابو ايمار ولست ابو صلاح؟ تبين لي ان ابو صلاح رجل ضرب فيه المثل في النسيان في مسقط رأسها! ارد بعنجهية: فشر ابو صلاح.. احضرت كل الطلبات طلبا طلبا وقلما قلما تعد زوجتي المواد المطلوبة مخرجة اياها من الاكياس.. فيبدو النقص بالعودة الى الوثيقة الاصلية, فقد اجبرتها الظروف على الاحتفاظ بنسخة اصلية! ـ نسيت البقدونس وجوزة الطيب واحلف: والله العظيم اشتريتها يا جوزة الطيب وحشاشة الفؤاد المجروح. ويتضح اني نسيت ان احملها بعد شرائها, كالعادة طبعا, فيصير الغرم غرمين. شاهد قوي: مرة اوصتني زوجتي على امر ما لا اتذكره عند صديقة او زميلة لها تعمل في مكتبة.. ذكرت لي الاسم لكني نسيت الاثنين اسمها واسم المكتبة, كل ما تذكرته انها تعمل في مكتبة مقابل اكبر محل حلويات في الشارع الرئيسي, لم يكن سوى مكتبتين في الشارع.. ذهبت اليها, كان فيها اكثر من آنسة. ـ يا آنسة هل انت صديقة زوجتي, التي اوصتك على قرص مضغوط. زوجتي التي تعمل في.. التي.. التي فضحكت, وعندما بان سنها الذهب تذكرت ان زوجتي كانت قد وصفتها لي بصاحبة سن الذهب.. صرخت صرخة غير مسموعة: اوريكا اوريكا انها هي.. (يعني بلغة ارخميدس: وجدتها وجدتها) شاهد قوي اخر: حدث لي كثيرا: ان يقترب معاون السائق: يا ابو الشباب اين نازل؟ ـ في حلب. ـ انت الان في حمص.. تفضل. احاول ان اتهمه بالذنب: طيب انتم لماذا لم تطلبوا التذاكر في اول الطريق او في منتصفه, لو طلبتموها كنا نزلنا في حريتان او سراقب او.. جهنم الحمراء. واغرم غرمين, المسافة الجديدة والغرامة المالية؟ كالعادة. شاهد مضاد اعزي به نفسي: منذ سبع وعشرين سنة وانا ابحث عن معلمة درستني في الابتدائية, احببتها واكبرتها في قلبي, وقد استطعت الوصول الى عنوانها اخيرا, كانت مشكلتي اني لم اكن اعرف سوى اسمها الاول, البحث عنها كان اشبه بالبحث عن ماسة في المحيط (بدلا من ابرة في كومة قش التقليدية) عندما عرفت عنوانها.. نمت لي اجنحة فطرت اليها, اندفعت الى المدرسة مقتحما الباب.. كان في الغرفة ثلاث معلمات فزعن من الاقتحام من غير استئذان. قلت: السيدة سوزان؟ قامت واحدة منهن مفزوعة: نعم انا هي؟ اي خدمة؟ قلت وانا الهث: انا.. كنت تلميذا في صفك.. في الخامس.. الابتدائي في.. عامودة. وقد طارت سوزان من الفرح, كانت فرحتان, فرحة لزوال كابوس المفتش التربوي التي توقعتني في اهابه, وفرحة لأن واحد من تلامذتها لم ينسها ابدا, كنت اتوقع ان تخذلني.. وان تعاملني بجفاء او تجاملني بفنجان قهوة.. ومن غير مطرود.. وتذكرت لها مواقف وذكريات حارة كثيرة وغزيرة واثيرة, قالت لي: يا الهي ما اوفاك وما اقوى ذاكرتك وكانت تلك الشهادة الوحيدة لذاكرتي بالقوة, وللحديث هذا حكاية طويلة سأكتبها قصة جميلة من قصصي الفرائد الخرائد (المعلقات) من عرقوبها ذات يوم, بعون الله.. قد يكون عنوان القصة (تحت ظلال الزيزفون) سأسجلها الان حتى لا انسى. وفيما بعد نغير العنوان حتى لا يزعل المنفلوطي باشا. ولايزال في مخططاتي واحلامي البحث عن معلمتين واحدة اسمها الاول سامية, من الشام والاخرى مها من الدير, لا اعرف سوى الاسم الاول لهما ولكن آمل الظفر بهما ذات يوم ولكل مجتهد نصيب. وليس النسيان هذا طارئا فالمعروف ان الذاكرة تضعف بتقدم العمر, اذكر انني كنت انسى حتى وانا صغير, بدليل انني افقت في منتصف ليلة مرعوبا, افاق ابي على لهاثي: خير, اعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ـ قلت: كابوس.. جاءني منكر ونكير. ـ وهنا جلس ابي ونظر الي مستجوبا, او بالاحرى متابعا الاستجواب الذي وقع في الكابوس: وان شاء الله بيضت وجهي. كنت لا ازال مأخوذا ارتجف من الخوف. نكست رأسي لا.. سألوني, نسيت اهم شيء على الاطلاق, شهادة التوحيد؟ صرخ الاب المخذول: زنديق, اعوذ بالله من الشيطان الرجيم, اخرج من بيتي ولا تعد اليه حتى تحفظ كلمة الشهادة.. هل يوجد آدمي لا يعرف كيف يوحد ربه. تفو. شاهد اعتراضي لا علاقة قوية له بالموضوع: ومنذ ايام قرأت في مقدمة كتاب عن متصوف عطش فمر على بئر فأشار الى الماء فارتفع فشرب, فمر به متصوف من المتصوفين الزملاء, الاول حكى له ما فعله, فنقعه الثاني بهدلة من تحت الدست على القيام بهذه السخافة, وانا ابحث عن هذا الشاهد في الكتاب الذي قرأته فيه, وما ازال, للاستشهاد به في مقارنة بينها وبين حادثة مشابهة لبوذا لأريه قيمته لبوذا افندي. الاسباب كثيرة للنسيان: انا لي اسبابي الخاصة: السبب الرئيس (وهنا تسمعون دقات طبول ايذانا بالنمرة القادمة, وهي نمرة جديدة قوية مبتدعة اكثر فتنة وابهارا من مشي الفيل على حبل او بالاحرى على خيط.. رخو؟). السبب الرئيس يا وجوه الخير: اظن ان سببها الرئيس هو فارس اليمن سيف بن ذي يزن الذي همت حبا باسطورته صبيا, لقد حولني هذا البطل الاسطوري الى مدمن احلام, الى رجل مهنته الحلم, الحلم التعويضي, وبقدر ما تكون الاحلام بقدر ما تكون الهزائم الشخصية, اذا عددت احلامي الآن, لن انتهي حتى الصباح دون السكوت عن الكلام المباح وبالمناسبة صار الكلام المباح ايام الغندورة شهرزاد ممنوعا ايامنا والدليل رواية.. رواية.. رواية.. نسيت اسم الرواية انها رواية لحيدر حيدر, اقامت ضجة في مصر, واسقطت حزبا, رواية فيها اكل او طبخة او سندويشة او وليمة وعلى شاطئ البحر! شاهد قوي اخر: زوجتي تعمل لي فصلا مرتبا في يومين معينين كل سنة, اليومان, (مثل يومي النعمان بن ماء السماء) يوم ذكرى الزواج ويوم ذكرى ميلادها الميمون, انا انساهما دائما.. حاولت كثيرا ان اجد طريقة لتذكرهما في هذه السنة افلحت في تجاوز المحنة, انقذني الكمبيوتر, لا ليس الذاكرة كبيرة الاستطاعة التي زود بها, انما شاشة التوقف التي كثيرا ما تتوقف على العبارة المذكرة بيوم الميلاد وذكرى الزواج لاسترسالي في الاحلام. احتج: السلام لله يا ابا ايمار؟ صحوت من سكرة الاحلام المخدرة, واذا صحوت فما اقصر عن ندى, كنت ممتطيا صهوة حصان (الخواض ذو الرأسين) وهو غير ابيض كما اعتقد, وفي جيبي خرزة (كوش بن كنعان) وفي حضني الاميرة (منية النفوس) نفوسي انا, لأنها نفس تموت وتساقط انفسا مثل نفوس الملك الضليل او ذي القروح كما احب ان اسميه؟ ـ انا آسف, لم انتبه, ظننت لوهلة انني ابو صلاح ولست ابو ايمار. ملاحظة غير اخيرة: لن انسى القول انني كتبت هذا المقال القصصي بمساعدة شاشة التوقف. لا خذل الله لكم حلما من احلام النوم او.. اليقظة؟ آمين. أحمد عمر