ما رأيكم لو تحدثنا اليوم عن الظلم؟! رُبَّ قارئ يستعيذ بالله ويقول: وهل نستطيع أن نحيط بهذه الدائرة الواسعة دون أن نظلم أحدا ظالما كان أو مظلوما؟ فأقول لمن يطرح هذا السؤال البسيط في ظاهره العميق في باطنه إننا لن نتحدث عن ظلمنا للناس أو ظلم الناس لنا. ولكننا سنتحدث عن ظلمنا لأنفسنا وهو أشدّ أنواع الظلم قسوة وأكثرها غرابة وأدعاها لأن نقف عنده طويلا متأملين متفكرين في حال أنفسنا. نحن نظلم أنفسنا أولا عندما نعتقد انها فوق كل شبهة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.. ثم نمضي واثقين مما تصدره من أحكام لا يداخلنا شك في عدالة أحكامها. وفي غمرة انبهارنا بأنفسنا ننسى ان النفس أمارة بالسوء فلا نتذكر تلك المقولة الرائعة لامرأة العزيز بعد أن حصحص الحق وسطعت شمس الحقيقة: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمَّارة بالسوء إلاَّ ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم) . هكذا تبدأ رحلة ظلمنا لأنفسنا بتحميلها ما لم تُهيَّأ لاحتماله حتى إذا ما ركبنا الغرور وأخذتنا العزة بالإثم تصورنا اننا الحق الوحيد على هذه الأرض, وان كل ما عدانا باطل, فلم نتوان عن توزيع صكوك الاتهام والادانة على البعض كي تنصب لهم المشانق, ومنح البعض الآخر أحكاما وصكوك براءة دون أن نسأل أنفسنا عمّن نصّبنا قضاة نتقمص أدوار ملائكة الرحمة حينا ونرتدي أثواب زبانية العذاب أحيانا. ونحن نظلم أنفسنا عندما نتصور اننا محور الكون, وأن كل ما في هذه الحياة قد خلق ليدور في فلكنا فلا نعود نرى الأشياء إلاَّ من خلال هذه الزاوية الضيقة الخادعة, ونبدأ في توزيع المهام على كل ما حولنا, ونتحول إلى أجسام جاذبة لكل ما فيه مصلحتنا طاردة لكل ما عدا ذلك, ونصنع من حولنا معسكرين متضادين: معسكر نجمع فيه قوافل الأصدقاء, ومعسكر نطرد إليه فلول الأعداء. وبذلك نحوّل كل علاقاتنا إلى سالب وموجب تبعا لقوة الجذب والطرد التي تتمتع بها هذه الأشياء أو وفقا لما نتصور انه يأتي على هوانا وذلك الذي لا يأتي على هذا الهوى. وواقع الأمر اننا لو تجردنا من هذه النظرة ونزعنا عن أعيننا تلك الغشاوة التي تغطيها لأدركنا اننا لسنا سوى أجرام صغيرة في هذا الكون الشاسع يتنازعنا همّان: هم داخلي نحاول السيطرة عليه كي نخلق التوازن داخل أنفسنا, وهمٌّ خارجي نحاول أن ندفعه في الاتجاه الصحيح كي نخلق التواؤم مع بقية الأجرام الأخرى التي تجمعنا بها الأشكال الظاهرية وتفرقنا عنها شبكة معقدة من النوازع الداخلية تلهبها رياح ساخنة أحيانا, وتصل بها إلى حالة من التجمد جبال من الجليد أحيانا أخرى, وتعلو بها موجة عاتية, فإذا ما استوى سطح الماء وصلت في هدوء وسكينة إلى شاطئ الأمان. ونحن نظلم أنفسنا حين نحرمها من نعمة الاحساس باللذة والألم, فنتصور أن اللذة ذنب يجب ألا نقارفه, وأن الألم عقاب يجب ألا نتعرض له, جاهلين أو متجاهلين اننا لا يمكن أن ندرك قيمة اللذة ما لم نذق طعم الألم, واننا لا يمكن أن نشعر بقسوة الألم ما لم نذق طعم اللذة. هكذا هي الحياة بوجهيها الحلو والمر.. وهكذا يجب أن نكون لنشعر ونعيش بشرا لا نصنف أنفسنا ملائكة ولا نهوي بها إلى درك الشياطين. ونحن نظلم أنفسنا حين يتملكنا الفرح لنجاح نحققه فلا نعود نتصور أن نتعرض لكبوة أو نصادف فشلا في طريقنا, كما نظلم أنفسنا بنفس القدر حين يتملكنا الحزن والاحباط لتجربة فاشلة لم نعرف أو لم نستطع أن نوفر لها أسباب النجاح المطلوبة فيلف الظلام حياتنا وتنسدّ كل الطرق في وجوهنا. ونحن نظلم أنفسنا حين يسيطر الطمع على نفوسنا ويصبح كل همنا هو جمع حطام الدنيا فلا نعود نقيم لما عدا ذلك وزنا, ونتناسى في غمرة سعينا لذلك ولهاثنا خلف المادة قيما كثيرة وأشياء لا يمكن أن يعوضها المال مهما كنزنا منه, فكم من كانزٍ لمال حريص عليه أصبح بين ليلة وضحاها تحت الثرى, لم تغن عنه تلك الأموال الطائلة التي جاهد من أجلها وضحّى براحة النفس والبدن, وفقد في سبيل جمعها محبة الأهل والخلان. ولو أدرك الناس حقيقة انهم جميعا من الأرحام إلى الأجداث لأعادوا النظر في كثير من أمورهم, ولاكتست بالحكمة خطواتهم في هذه الحياة, ولما عاد للنزق والطمع مكان بين ظهرانيهم. ونحن نظلم أنفسنا حين نحرمها من نعمة التأمل في كل ما حولها.. تكر الأيام وتتعاقب الليالي علينا ونحن منساقون لأحكامها منشغلون بمشاغلها حتى تتسرب منا أيام العمر وأعوامه لندرك بعد فوات الأوان اننا قد ضيعنا على أنفسنا فرصا كان يمكن أن نغتنمها, ولا يعود أمامنا سوى أن نجتر أحزاننا أو نتغلب عليها. ولعمري انهما خياران تصنف بهما النفوس تصنيفا يحمل من العدل مقدار ما يحمل من القسوة, إذ تنجو من الغرق نفوس تملك من القوة ورباطة الجأش حظا وافرا, وتغوص في أعماق لجة لا قرار لها نفوس حكمت على نفسها بأن تكون أوهى من بيوت العنكبوت. ونحن نظلم أنفسنا أيضا حين نسلم بمنتهى البساطة لمن نعتقد انه أكثر منا قوة وأشد بأسا, فنرفع راياتنا البيضاء قبل أن تبدأ المعركة مسلمين بالهزيمة دون أن نمنح أنفسنا فرصة خوض الجولة الأولى حتى وان خسرناها, مع ان قوانين الحرب تقول ان خسارة جولة لا تعني خسارة معركة, إذ كثيرا ما توهمنا في خصومنا القوة والبأس فإذا بنا نكتشف انهم ليسوا أكثر من نمور من ورق تتقصف مخالبهم عند أول ضربة, وتنهار مقاومتهم في لحظة, أما ذلك الضجيج الذي يحدثونه فلا يعدو أن يكون غبارا يثيرونه حول أنفسهم ليتسلل إلى العيون فيفقدها القدرة على النظر إليهم ومعرفة حقيقتهم.. تلك الحقيقة التي لو اطلعنا عليها لتبدلت أمور كثيرة, ولوجدنا في أنفسنا تلك القوة التي نفتقد كي تتعزز لدينا الثقة التي نحتاج لمثل هذه المواقف. وبعد هذا كله.. لعل قائلا يقول: هل تراكم أبقيتم في الجعبة شيئا كي يظلم الناس بعضهم بعضا؟ فنقول: ومتى عدم الناس وسيلة لطريق من طرق الشر منذ بدء الخليقة طالما أعمى الشيطان بصيرتهم وغطى على أبصارهم؟ أوليست أول جريمة تقع على الأرض من ظلم الإنسان لنفسه ولأخيه الإنسان؟ أوليس كل ما نرى على كوكبنا من حروب ودمار هو نتاج هذا الظلم عندما تطغى القوة على الحق وتختل موازين العدالة؟ أوليست مناظر تلك النسوة يحملن أطفالهن وقد برزت منهم العـظام وانتفخت البطون من أثر الجوع والجفاف في الصحارى الافريقية بينما يتلف الفائض من المنتوجات الزراعية وتسكب الألبان في الشمال الأوروبي سوى مثل صارخ من أمثلة الظلم التي لم نتحدث عنها عندما قصرنا الحديث على ظلمنا لأنفسنا؟ نعود فنقول: إننا نظلم أنفسنا حين نتصور اننا المظلومون الوحيدون على الأرض. ونظلمها أكثر حين نخرج من معركة الظلم مهزومين منكسرين. ونظلمها أخيرا حين لا نجعلها تستذكر دائما قول شاعرنا العربي الحكيم: والظـُّلْمُ من شِيَمِ النِّفُوسِ فإنْ تجدْ ذا عِفَّةٍ فلعلةٍ لا يَظْلِمُ