يبدو أننا سنعيش زمنا معقدا أمام هذا الانفتاح العلمي, وفي ظل طروحات وتوقعات بعض العلماء المثيرة للجدل, فقد فتحت قضايا الاستنساخ الباب مجددا حول طروحات قديمة كان العلماء قد تركوها جانبا خوفا من ردود أفعالها خاصة وأنها تتعلق بمسلمات ايمانية لا يمكن بأي حال من الأحوال تجاوزها, إلا ان التوسع في مجال الفتوحات العلمية, بشكل متواصل ومثير, جعل العلماء يفكرون من جديد في امكانية استثمار آفاق هذا العلم, في تحقيق أمور كان من الصعب تناولها إلى وقت قريب. وحتى نقترب من الحدث اكثر نرصد معركة قضائية يخوضها فرنسيان للاحتفاظ بجثة والدتهما في الثلاجة بالبيت الذي يقيمان فيه, ورغم ان محاكم البراءة والاستئناف الفرنسية قضت برفض الطلب, إلا ان ميشيل الذي يبلغ من العمر الثانية والخمسين وشقيقته جويل التي تصغره بسنتين ينويان تصعيد المسألة ورفعها إلى مجلس الدولة, أعلى سلطة قضائية في فرنسا مستندين إلى سابقة قضائية في هذا الخصوص رافضين قرار القضاء الذي أشار إلى ان الاحتفاظ بجثة انسان ميت بتجميدها في الثلج لا ينسجم مع مفهوم الدفن الوارد في النصوص القانونية. ورجع ميشيل وشقيقته جويل إلى العام 1984 عندما سمح القاضي للطبيب ريمون مارتينو المولع بالتقدم العلمي بالاحتفاظ بجثة شريكته التي قضت في حادث سيارة في صندوق خاص بسرداب قصره مبرد إلى 62 درجة مئوية تحت الصفر, صممه في السبعينيات على أمل ان يدفن فيه عند وفاته, وكان يتوقع ان العلماء سيتوصلون في حدود العام 2030 إلى تقنية إعادة الحياة إلى الجثة انطلاقا من خلية مجمدة منها. ولا نقف هنا بل نتجاوز تلك المعركة القضائية إلى الولايات المتحدة حيث تزداد ظاهرة تجميد الجثث وتكاد تكون صرعة, ولأن رزق الهبل على المجانين كما يحلو للبعض قوله, فقد افتتحت منذ العام 1992 أربعة مراكز تجميد تتخذ من كوكب أورانوس السيار شعارا لها ويوجد اثنان منها في كاليفورنيا والآخران أحدهما في ميتشجان والآخر في فلوريدا. ورغم تعارض تلك الأفكار الغريبة والمثيرة للجدل والاحتجاج مع المعتقدات الدينية والرسالات السماوية والشواهد والحضارات البائدة إلا ان ذلك لم يؤثر في الأمر شيئا خاصة وان طالبي التجميد يدفعون مبالغ باهظة على افتراض خاسر وهو عودتهم للحياة مستقبلا, ففي احدى ضواحي أوكلاند الفقيرة يقع مركز ترانس تايم الذي يديره الدكتور آرت كايف اخصائي الرياضيات والطبيعة والعاكف منذ أكثر من ثلاثين عاما على محاولات متواصلة في سبيل اقناع الناس بتلك الفكرة المجنونة! ويتواصل مع الدكتور آرت فريق عمل أغلبهم من المختصين في الكيمياء والطبيعة والكمبيوتر جميعهم لا يحبذون فكرة تدخل واختراق المتطفلين من الصحفيين لجدران المركز, ويعود ذلك لأمر بسيط وواضح, إذ مازال في أذهان الجميع ظلال فضيحة كبرى أثيرت في السبعينيات حينما اكتشف رجال الشرطة بعد مداهمتهم لأحد مراكز التجميد جثثا مجمدة تعرضت للتحلل والعفن, والأمر أدى إلى التشكيك في مصداقية مؤيدي فكرة الخلود بالتجميد.. ورغم مرور سنوات طويلة على هذه الفضيحة مازالت ظلال الشك والريبة تتواصل لدى الدوائر الأمنية والدينية والجمعيات العاملة في حقوق الانسان, ومازالت الشرطة حتى يومنا هذا تفرض رقابة على المراكز الأربعة المرخصة والموزعة فيها حاليا أكثر من مئة من الأجساد والرؤوس المجمدة التي تعود بداية أول عملية تجميد لها لعام 1967, والذين هم بانتظار الافتراض غير المنطقي الذي سيضمن لهم العودة لحياة أخرى بعد مرور قرن من الزمن! المثير ان المركز الذي يديره الدكتور آرت يحتفظ بمخ مجمد لفتاة في الخامسة عشرة من عمرها تدعى باتريشيا تعرضت لحادث اغتصاب وقتل هي ابنة كاتب قصص الخيال العلمي روبرت ويلسون الذي أراد ان يحتفظ بمخها أملا في ان يتمكن العلم في المستقبل من اعادة تركيب جسد شبيه بها بحيث يتم نقل الذكريات الموجودة في المخ الأصلي إلى المخ الجديد. ومثلما قلنا في بداية هذه المحطة ان رزق الهبل على المجانين فإن تكلفة العملية تبلغ 125 ألف دولار للجسد الكامل, و 50 ألفا فقط للرأس المجمد, وقد ارتفعت هذه الأسعار نتيجة الفتوحات العلمية والطبية الجديدة, والاعلان عن نجاح عمليات الاستنساخ إذ يؤكد أغلب المترددين على المركز لمعرفة مراحل العمل في تجميد الأجساد والأعضاء ان هذا المبلغ مكلف جدا لكنه لا يقارن بما تسفر عنه رحلة الخلود التي لا تقدر بثمن معربين في الوقت نفسه عن قناعتهم بأنه خلال قرن ونصف القرن من الزمن سيتم اكتشاف علاج شاف لجميع الأمراض وسيتمكن الناس من الاحتفاظ بشبابهم للأبد, وسيسترجع الشيوخ صباهم. وعلى الجانب الآخر يشكك الكثير من العلماء بهذه الطروحات ويصفونها بالخزعبلات والأكاذيب التي يجب التصدي لها على كافة الأصعدة والمستويات, وينتقد أحد المعارضين تلك الفكرة ساخرا.. ان تصديق فكرة اعادة جسد مثلج للحياة هو كالتصديق بامكانية تحويل لحم الهامبورجر إلى بقرة مرة أخرى! ورغم المعارضة الشديدة لهذا الأمر إلا ان الدكتور آفي ابراهام رئيس جمعية التجميد والباحث الطبي يشير إلى ان الموت هو حالة متعددة المراحل, فعند وفاة الانسان تتوقف ضربات القلب, لكن الخلايا والأنسجة تستمر في الحياة والدليل على ذلك هو التجارب التي نفذها الفريق على كلب وفأري تجارب بعد غمرها بالثلج واستبدال دمائها بمحلول وتجميدها لمدة ساعتين ثم اعادة حقنها بدمائها الطبيعية وعودة الحياة لها بشكل طبيعي بعد الاذابة التدريجية للجليد عنها. لكن المشكلة التي لن يجد لها الانسان ـ مهما حاول ـ حلا تكمن على حد قول سكرتير عام جمعية التجميد في ان التجميد يضمن لطالبي السفر في رحلة الخلود تذكرة ذهاب فقط, فالعلماء في المركز مازالوا غير متيقنين تماما من امكانية عودة نزلاء المركز المجمدين إلى الحياة مرة أخرى, ولا نقول سوى سبحان الله في تفكير هذا العالم المتحضر.