كثيرا ما يجرنا الحديث عن المفكر العربي المعاصر, وطروحات الوعي الانساني على الساحة العربية, الى الحديث عن (ازمة الثقافة العربية) وتأثرها بما يحدث في العالم من تفاعلات فكرية وسياسية واجتماعية واقتصادية, مما قد يخلق لدى مثقفنا العربي شعورا قاتما عن وجود ازمة فكرية من الصعب الوصول بها الى بر الامان. فهل هناك حقا ازمة ثقافية او فكرية معاصرة..؟ واين تكمن هذه الازمة؟ هل في طروحاتها ام في المتلقي؟ وهل هي بعيدة عن تطورات الاحداث السياسية والفكرية التي تجتاح العالم؟ ام انها جزء من ذلك؟ حول هذه التساؤلات وغيرها كان لنا هذا الحوار مع المفكر العربي ـ العراقي محيي الدين اسماعيل, لعله يجيب على بعض ما يعتمل في ذهن الانسان العربي الواعي, من حيرة وتساؤل. يقول: لقد اعتدنا ان نتحدث عن ازمة في الثقافة العربية ويحاول عدد من مفكرينا ومثقفينا تشخيص سمات هذه الازمة وسبل الخروج منها, وانفراجها, والحقيقة الاعم والاشمل هي ان هناك (ازمة ثقافية) على المستوى العالمي.. هناك ازمة ثقافية على صعيد الفكر العالمي كله, ان نظرة واحدة الى المشهد الثقافي على المستوى الكوكبي ترينا معالم هذه الازمة الثقافية او بالاحرى الحضارية التي يمر بها العالم. ولقد شخص المؤرخ الانجليزي بلومب المتخصص في ازمة العلوم الحديثة ذلك من خلال اهتمام المثقفين في العالم الكلاسيكي (الاغريقي واللاتيني) بحثا عن جواب لازمة العصر الحديث.. وقد تلاحظ ان ملايين النسخ من الالياذة والاوديسة وتاريخ (هيرودوت) وتواريخ (تاسيتوس) وكتابات (شيشرون) وامثالها.. وقد ازداد الاقبال عليها على نحو لم يسبق له مثيل.. صحيح ان كتاب الرواية والقصة (المحدثين نسبيا) لم يقلل الاقبال على قراءة آثارهم ولكن هذا الاقبال يمثل جانبا من الازمة الثقافية الحضارية الراهنة فهو مجرد تزجية للوقت وقتل للفراغ وليس بحثا عن اجوبة, حيث تراجع الاهتمام بالفلسفة والفكر المجرد بشكل واضح.. واحتلت الألسنية ـ الى حد كبير ـ مكان الفلسفة وعلى الرغم من اهمية مباحث الالسنية الا انها تقدم لنا اجوبة عن الوجود والانسان ومستجدات الكون. * اذن.. انت ترى ان الازمة الثقافية ـ الفكرية في الوطن العربي وهي جزء من ازمة ثقافية ـ فكرية في العالم كله؟ ـ ازمتنا تختلف عن الازمة في العالم الغربي.. ان ازمة الثقافة العربية تختلف في خصائصها وطبيعتها عن الازمة الثقافية في الغرب.. ازمتنا هي جزء من ازمة البلدان النامية عموما.. انها ازمة نهوض.. بينما الازمة في الغرب انبثقت من مشكلات ثورة ما بعد التكنولوجيا, او ما اسماها المفكر المستقبلي (نوفلو) بـ (الموجة الثالثة).. والخطأ الذي نقع فيه هو اننا نعقد مقارنات بيننا وبين الدول الصناعية لنتبين الفوارق بيننا وبين تلك الدول. ان المنظور التاريخي يختلف عما هو عليه هناك, فنحن لنا تواتراتنا الاجتماعية او الحضارية بوجه عام, ولهم تواتراتهم وتناقضاتهم الخاصة بهم والتي تكمن في هذه التطورات الدراماتيكية التي يواجهونها. * ما معنى ذلك؟ ـ معناه.. اننا ما زلنا نعاني من وطأة مركب النقص ازاء الحضارة الغربية وعلينا ان نعرف تماما ان ازمتنا هي ازمة نهوض حضاري يختلف عن الازمة التي تعاني منها دول الغرب المتقدمة والتي دخلت ازمة ليست ابدا من النوع التي نعانيها اليوم. * انك تقصد اذن, ان الازمة تكمن في طروحات ثقافتنا لا في المتلقي.. اليس كذلك؟ ـ بلى.. بالضبط اننا كثيرا ما نتحدث بلغة الغرب ومصطلحاته عندما نحاول تحليل ازمتنا.. وعلينا ان ندخل مغامرة حضارية كبرى من نوع جديد, مع تحديد دقيق لوجهة نهوضنا الحضاري. اننا ما زلنا نتحدث بلغة الاستشراق والمستشرقين في شأننا الحضاري مع ان علينا ان ندرك ان معظم هؤلاء لا يعرفون شيئا عن خصائص ازمتنا.. في كثير من الحالات لا يعرفون الا اقل القليل من لغتنا. * هذا الحديث يجرنا للبحث في كيفية مواجهة مشروع العولمة كيف ترى الموقف منه؟ ـ العولمة هي من افرازات الرأسمالية في طورها التكنولوجي المتقدم وهي ليست كما يظن البعض قديمة قدم الامبراطوريات القديمة.. فلقد لاحظنا ان البعض من المثقفين العرب يقرنونها بظاهرة الامبراطورية الرومانية او الامبراطوريات في عصر الاستعمار الحديث.. وهذا خطأ يشير الى عدم استيعاب لموضوع العولمة (فالعولمة نتاج سباق تاريخي مرت به الرأسمالية, وهي ذات مدلول خاص في العلاقات الدولية يختلف عن اي مدلول مما افرزته الامبراطوريات القديمة او الحديثة, وهي لها تفاعلاتها الخاصة بها على المستوى الحضاري كله, وان هذه الظاهرة قد افرزت ثقافتها الخاصة بها ـ وان لم تستكمل بعد, وهي ظاهرة ثقافة السايبر, اذ انها من نتاج هذا التطور الذي شمل جميع اوجه الحياة. الخطاب النهضوي * ولكن؟ ما هي سبل مواجهة ذلك؟ ـ ان خطابنا الثقافي لا يزال نصا ناقصا.. المهم الان ان نستوفي حركة النهوض العربي, وعلى ارضية ثابتة رصينة, وعندئذ ستكون مواجهتنا تمتلك خطاب المواجهة تلقائيا. ومرة اخرى اقول اننا الان نواجه مشكلات النهوض العربي وممارسة رؤية حقيقية للواقع الفكري. * من هذا المنطلق نسأل: كيف ترى مستقبل الفكر العربي, في ضوء هذه التحولات التي نشهدها في العالم؟ ـ في عصر كهذا العصر لابد ان يجد الفكر ـ كما هي الحال دوما ـ تعبيرا عنه, الفكر في العالم الغربي عامة وفي الوطن العربي الى حد ما يبدو وكأنه (كورس) او جوقة ذات نبرة عالية تجأر بالشكوى المريرة من ازمات العالم.. حتى لكأن المفكر او الفنان انسان طرده العالم الى البرية الموحشة والارض اليباب. ان مستقبل الفكر العربي عموما يرتبط ارتباطا حتميا بحركة النهوض العربي, والثقافة العربية مقبلة على تحولات جذرية, وهذا امر على جانب كبير من الاهمية, وكل الذي نستطيع ان نقوله الان ـ وهذا لا يعني ارجاء الجواب او تأجيله ـ هو ان مستقبل ثقافتنا في جوهرها يتعلق بمشروعنا الحضاري القومي, ثم ان علينا ادراك اننا في مرحلة تحول سريع خاطف في سرعته. * تتشبث (العولمة) بمنهج تسلطي يسعى للسيطرة المطلقة على القرار السياسي الروحي بكل ابعاده, ما هي مرتكزات هذا المنهج في رأيكم, او ما هي فلسفة العقل الرأسمالي في ذلك؟ ـ ان المرحلة التاريخية التي بلغتها الرأسمالية وما رافق ذلك من وهم التفرد في قيادة العالم, وعولمة الكوكب الارضي كله من خلال اخضاع الشعوب للهيمنة الرأسمالية وتصفية جميع حركات التحرر الوطني والسيطرة المتفردة على السوق, هذه كلها وراء ما يعنيه المفكر الامريكي (ولتريمان) بأنها (طوفان البربرية).. ان وهم التفرد يشمل فيما يشمل التفرد باتخاذ القرار الدولي, وهو منهج يتلاءم مع هذه المرحلة التاريخية التي تمر بها الرأسمالية, وان وهم التفرد في ظل تحديات الواقع في العالم المعاصر يكشف عن عجز في القدرة على الاستيعاب. ان طلائع هذا الوهم المتجسد في الولايات المتحدة قد بدأ مع قيام البنك الدولي عام 1946 اذ كان رأس المال الامريكي هو الاساس في قيام هذه المؤسسة التي تقوم اليوم بدور كبير في مشروع العولمة, فهناك عجز امريكي مطلق عن استيعاب الواقع, مع لجوء متصاعد الى وسائل العنف من اجل الهيمنة على العالم كليا, ومن هنا فإن التفرد في الحقيقة سابق على النتائج التي تمخض عنها انهيار الاتحاد السوفييتي وتفكك الكتلة الاشتراكية في اوروبا الشرقية. هذا هو المنهج وتلك هي المرتكزات, وذلك ما اوقعها بالامس ويوقعها اليوم وسيوقعها في الغد في ازمات المواجهة مع ارادة الشعوب. * للقارئ العربي.. من انت؟ ـ لنفسي, قبل ان اكون للقارئ, انا لست سوى تلميذ صغير في المدرسة الكونية الكبرى, (ايكرمن) صديق (جوته) سأل يوما ذلك الشاعر العظيم عن رأيه في (شكسبير) فاجاب الشاعر الالماني الكبير: اني اتحطم الف مرة عندما اقرأ شكسبير, فمن اكون انا؟ وكم من مرة لا يحصيها العد, اتحطم حيال كل هذه القمم الشوامخ؟ * بقي لنا ان نقول, ان محيي الدين اسماعيل مفكر وكاتب ومترجم من مواليد البصرة ,1925 حاصل على دبلوم في اللغة الانجليزية من الجامعة الوطنية ببيروت, تقلد عدة مراكز في الدولة, عين ملحقا صحافيا ومديرا لمكتب وكالة الانباء العراقية, ومديرا عاما للاعلام, ورئيس تحرير مجلة (اليوم) الصادرة باللغة الانجليزية, ومترجما في مكتب العمال الدولي في اسطنبول, ويعمل حاليا مستشارا في وزارة الاعلام. بدأ يكتب في الصحف منذ اواخر الثلاثينيات واكتشف خلال رحلته الثقافية.. ان دور المرء اعمق من دور ووعي امته, وهو اعظم الادوار, وان قيمة الادب ان يكون مولدا للأفكار ومن مؤلفاته: رحلة لأقصى الفجر عام ,1962 من ملامح العصر عام ,1966 للعاصفة لا للريح عام ,1981 تويمبي.. فلسفة التاريخ عام ,1989 مفارقات ثقافية عام 1992.