هل تشكل الشهرة خطرا على المبدع وعلى ابداعه؟ قد نواجه مثل هذا السؤال او ما يماثله ونحن ننتهي من قراءة احدث رواية ترجمت الى العربية لماركيز بعنوان: (خبر اختطاف) . فالجميع ـ قراء ونقادا ـ يتفقون على مكانته الابداية المرموقة التي استحق عنها وبجدارة جائزة نوبل. الا ان ماركيز يبدو في هذا العمل الروائي, في حالة اختلاف تام عن كل ما قرأناه واعجبنا به من قبل.. الامر الذي يجعلنا نعتقد ان الشهرة التي امتلكها قد جعلته يكتب بعجالة لم نعهدها فيه, ولم نألفها في اعماله الابداعية السابقة. فهو في (خبر اختطاف) يقدم صورة مكبرة لعملية اختطاف سيدتين من قبل عصابة تعمل في المخدرات وما يصاحب تلك العملية من اشكالات وخفايا لكلا الجانبين ـ الخاطف والمخطوف ـ وندرك ان ماركيز يحاول ان يدين العمليات الارهابية باسلوب سردي روائي, غير اننا ونحن نخلص من هذا العمل الروائي الكبير حجما, لنخلص منه الى نتيجة احادية لا تخرج عن اطار التحقيقات الصحفية المطولة المكتوبة باسلوب ادبي. صحيح ان ماركيز قد خرج عن عالمه المسحور وكونية الانسان الذي يعالج مشكلاته بحميمية هي جزء اساسي من ادبه الفذ, ومع ان حريته في الخروج عن مألوف رواياته, مسألة مشروعة امام الابداع, الا ان هذا الخروج, لابد ان يكون نابعا من حاجة, من ضرورة, يتطلبها المعمار الروائي, والمضمون الخاص, والعالم المكتشف. انتقال ماركيز نحو ما يسمى: الرواية الصحفية. انتقال غير مبرر واقل بكثير من الطموح والمكانة التي كنا قد وضعنا فيها ماركيز, وما قدمه في (خبر اختطاف) يمكن الاقدام على تنفيذه من قبل اي صحفي موهوب, وماركيز اكبر بكثير من كونه صحفيا موهوبا. اننا وعلى مدى (333) صفحة وبحروف صغيرة جدا, لم نحفل بماركيز الذي كان ينقلنا الى ذاكرة يقظة وحس انساني عميق. ان ما فعله لا يخرج عن اطار الوصف العابر, والمتابعة الراصدة التي لا تحلل طبيعة الشخصيات ولا ابعاد رؤاها. فمثل ماركيز لا يمكن ان ينظر الى المخطوفتين ويصف حالهما هكذا: (كانت قد مضت عشرة ايام على الاختطاف, وقد بدأت هي (ماروخا) وبياتريث على السواء تعتادان على روتين بدا لهما في الليلة الاولى غير معقول) ان الايام العشرة ليس اياما عادية, وانما هي اوقات عصيبة, كل لحظة فيها تهدد المرء بالنهايات الفاجعة.. كما ان النظر الى الشخصيتين نظرة واحدة, وانهما في حالة سوية, يتلقيان حالة الاختطاف بمشاعر واحدة, مسألة غير مقنعة, وتكاد ان تكون مستحيلة.. وما جرى في الليلة الاولى لعملية الاختطاف وما رافقها من رعب وقلق, لا يمكن ان ينسى بعجالة.. وليس من شيء يبعث على النسيان ابدا. لكن ماركيز نقل صورة, نقلها من خارج.. خارج لا تماس له به, لا تفاعل معه.. لا انتباهة للغليان الذي يصاحب المرء وهو يتعرض للاختطاف. وفي موقع اخر من الرواية نقرأ: (ان اغتيال مارينا, وخصوصا الطريقة الوحشية في الكشف عن الاغتيال واعلانه, كان سببا في تأمل لا يمكن تجنبه حول ما الذي يجب عمله في ما هو آت, فقد استنفدت كل امكانية للوساطة على طريقة الاعيان, ومع ذلك فإنه لم يكن هناك كما يبدو اي وسيط فعال, وكانت الارادة الطيبة, والاساليب غير المباشرة تخلو من اي مغزى) . فأي احساس هذا, للقائم بعملية الاغتيال ولضحيته, وما هي صورة الوحشية الغائبة عنا تماما, ولماذا فضل ماركيز ان يغيب صورتها عنا؟ ان الآتي مثير وباعث ترقب للجميع, وحتى (الوساطة) التي لها دوافعها واسبابها ودرجات العمل والتعلق بها. ماركيز يبدو, وكأنه في حالة قطيعة كلية, بعد ناء عن كل ما جرى ويجري. انه في موقع الاعصاب الباردة. او في حالة السكون المختار والمهيمن على شخصية لا تريد ان تفكر او تتأمل او تنفعل, او ان تجعل من عينيها شاهد فجيعة وشاهد حقيقة دامية. في (خبر اختطاف) كان ماركيز على فراق تام, على قطيعة, على حدود فاصلة مع قرائه الذين افتقدوا فيه العالم السحري لـ (مئة عام من العزلة) والعالم المدمر لـ (خريف البطريرك) والق الحياة في (الحب في زمن الكوليرا) , وسواها.. حتى (الجوافة) القصيرة والحميمة والذات في صيرورة وجودها, كانت الاكثر القا من هذا الخبر المطول والممل والعابر, والذي لا يمكن ان يشكل اضافة الى تراث ماركيز الابداعي, لقد كانت رواية (خبر اختطاف) عملا صحفيا, زحفت عليه العبارة الواضحة حد التسطيح, وغابت عنه ابعاد الفعل البشري وهو في كلية الانسحاق والتدمير والقلق والعزلة والترقب. ماركيز. اخذته الشهرة لكتابة (خبر) و (اختطفته) الشهرة كذلك ليكتب مادة صحفية لها بعدها الاحادي!! بغداد ـ حسب الله يحيى