تحتاج الفلسفة في العراق المعاصر الى ايضاح معالمها, ومطابقتها مع اصول الفلسفة القديمة, كما حدث في اقطار عربية اخرى, لغرض ان يكون المشهد الفلسفي في العراق متناسقا مع عموم المكانة المرموقة التي تحتلها الدراسات الفلسفية في الوطن العربي, مع خصوصية ما ينضح من العقل العراقي, في منطق العلاقة بين الفلسفة والمجتمع, والفلسفة والادب والشعر والعلم والثقافة والدين. ومن هذه الامور المحددة, عقدت مفاصل ندوة فكرية موسعة في بيت الحكمة, اقامها قسم الدراسات الفلسفية, وشارك فيها عدد من الباحثين والدارسين والمهتمين في الشئون الفلسفية. واوضح الدكتور حسام الدين الالوسي دوره العلمي في هذا الموضوع, واسهاماته الفكرية الخاصة, مشيرا الى انه في سنة 1949 تم افتتاح قسم فلسفي اوحد برئاسة المصري البير نصري نادر, وبكادر تدريس عربي وغربي من انجلترا وكندا ـ وواحد من تونس ـ, بمساعدة اساتذة مواد غير فلسفية كعلم النفس, وعلم النفس الاجتماعي, وعلم الاجتماع, وكانوا من العراق, من بينهم علي الوردي وعبدالعزيز البسام وابراهيم عبدالله محيي الدين, وغيرهم. وبعد سنة 1970 اصبح معظم التدريسيين عراقيين, وحصل بعضهم على الاستاذية من جامعات كمبردج واوكسفورد, واجتمع في جامعة بغداد مالم يجتمع في جامعة عربية اخرى, واثروا البحث في مختلف مجالات الفلسفة, ولكن ما حصل بعد سنة 1990 جعل معظمهم يغادر العراق, مما جعل اقسام الفلسفة تعاني من الخواء في مجال الخبرات. ويجمل الالوسي تجربته الفلسفية قائلا: ان المواصفات التي تنتهي فلسفيا هي التسامح, وقبول الرأي الاخر, وتعليم عدم الشرنقة والمذهبية, وحب النقاش, مهما تكن النتائج, واستخدام العقل كأول طريق للتفلسف, ولا فلسفة مع معاداته وغيابه, والبدء حيث انتهى الاخرون, وعدم التمييز في الدرس او الكتابة عن موضوع, وعدم استعمال القوة السلطوية, والتواضع العلمي. ونرى ان تلك الشروط موضوعية وعقلانية, نتمنى ان نراها ليس في عقل المشتغل بالفلسفة فقط, بل في كل العقول الواعية المبدعة التي تعطي حصتها في انارة وسلوك العقل العربي المثقف. وفي قراءة تاريخية للفلسفة في العراق, بحث الدكتور عبدالستار الراوي, استاذ الفلسفة والفنان التشكيلي المعروف, مستعرضا دور المدرسة المستنصرية في نشر الفلسفة, ثم مرحلة الحكم العثماني الاخيرة 1872 ـ 1917, حيث لم تتعد اهتمامات المشتغلين بالفلسفة في هذه المرحلة, اطار النظريات العقائدية الدينية, فانصرفت كتاباتهم الى الدراسات التقليدية عن الاصول (الالهيات, الصفات, الفرق المذهبية).. وراحوا يبحثون في نظريات ما وراء الحس والعالم, فاعيدت الكلاميات الدقيقة, ورؤى القرن السابع الهجري, في (عقائد المبدأ) و (المعاد) و (تقريب الحرام في تهذيب الكلام) و (العلم الموروث في اثبات الحدوث). اما مرحلة الاحتلال البريطاني (1917 ـ 1921), فقد حظي رجال الدين فيها بمقام رفيع في الوجدان العراقي, لمواقفهم ضد الاحتلال, لذا ظهر الاتجاه الديني, متمثلا في (علم الكلام ـ النجف 1919) و (الزيدية ـ بغداد 1919) و (خصائص الشيعة ـ بغداد 1921). وفي مرحلة الحكم الوطني (1921 ـ 1929) ظهرت الاتجاهات التالية (علم الكلام, المنطق, الاخلاق, التصوف, الديانات والمذاهب), وقد بلغت الكتابات الفلسفية 15% من الدراسات التقليدية. واستعرض الدكتور الراوي مرحلة الاربعينيات والخمسينيات, وتطور الفلسفة فيهما, حتى قيام ثورة 14 يوليو ,1958 اذ كانت (الحرية) اولى الكلمات في البيان رقم (1), واعتبرت حرية الرأي والكلمة من المبادئ الاساسية للثورة, وكثر عدد الاصدارات الفلسفية مع تعدد الحكومات (1963 ـ 1968), ثم جمهورية (68 ـ 78), حيث يلاحظ الميل الى احياء التراث الفكري في المباحث التقليدية (الفلسفة الاسلامية ـ التصوف ـ الاخلاق). واوجز الراوي نتائج بحثه في انه لم تظهر الخزانة الفلسفية العراقية على مدى مئة سنة فيلسوفا في العراق يمكن الاشارة اليه, ولكن.. هناك مفكرون في ميدان الكلاميات الاسلامية, وذلك من خلال استعراض المؤلفات الفلسفية, خلال السنوات التي قسمها الباحث الى مراحل واضحة. ولا نغفل اهمية المشهد الصوفي الفلسفي في البحث الاكاديمي في العراق المعاصر, لذا بحثت الدكتورة نظلة الجبوري استاذة الفلسفة في الجامعة المستنصرية هذا الجانب, وهي تستعرض اهم الشخصيات الصوفية التي كانت لها رؤى فلسفية.. ومن خلال الرسائل الجامعية التي بحثت في هذا الجانب. فيما تناول الدكتور تامر مهدي دراسة الفنون الجميلة في العراق من وجهة نظر (فلسفة الفن), مشيرا الى ان فنون التشكيل والموسيقى والغناء, لها جذور تمتد عميقا في تراثنا الحضاري, في حين تدين فنون اخرى كالمسرح لظهورها, الى المؤثرات الغربية التي صافحت الفكر العربي في نهاية القرن التاسع عشر, ثم بانت تباشيرها في العراق في مطلع القرن العشرين, لذا نجد ان مسألة التراث والمعاصرة لا تطرح في هذه الفنون بالحدة نفسها التي طرحت بالنسبة للفلسفة الصرفة. واتخذ الباحث من الفنان جواد سليم نموذجا للحديث عن اسهامات الفنان التشكيلي الفلسفية في اعماله, وابعاد رؤياه, واستنباطه لواقعه من خلال معاناة تاريخية وتراثية ومعاصرة. وتضمنت الندوة ايضا بحثا عن الدراسات الفلسفية العليا في العراق, بين الواقع والمستقبل, قدمته الدكتورة فضيلة عباس مطلك, استاذة الفلسفة, حيث قدمت جداول برسائل الماجستير والدكتوراه وخطوطهما البيانية التصاعدية, في المراحل الزمنية تباعا. بغداد ـ عالية طالب