يكتبها اليوم: سامي الريامي حتى أنت يا .. حصان البحر! (تشانج شنج) أو سور الصين العظيم هو أضخم بناء أقامه الإنسان في جميع عصور التاريخ, وهو إحدى عجائب الدنيا, ويعتبر أوضح بناء على سطح الكرة الأرضية رآه الرواد من الفضاء.. يمتد سور الصين من مصب نهر (يالو) في الشرق إلى جبل (جيليا نشان) في أقصى الغرب عبر قمم وأراضٍ جبلية وعشبية وصحارى مخترقا ست مقاطعات, ويتلوى هذا السور العظيم الممتد على القمم بطول 7300 كيلو متر وبه قلاع وأبراج مراقبة تنتشر عليه حيث يفصل بين كل منها بضع مئات من الأمتار. .. سور الصين واحد من أشهر الآثار العملاقة في العالم, ولكن هل هو الأعجوبة الوحيدة في بلاد العجائب التي تضم بين حدودها ربع سكان العالم؟! لا أعتقد ذلك, فمن تقع قدماه على أرض الصين يكتشف في اليوم الواحد أكثر من أعجوبة. .. ولعل أهم ما يلفت النظر في الصين هو العادات الغريبة في الأكل ونوعيات الأطعمة, فهذا الشعب كما قال أحد الصينيين: يأكلون كل شيء يطير ما عدا الطائرات.. وكل شيء يزحف ما عدا الدبابات!! .. ربما في البداية كنت أعتقد ان هذا الكلام مبالغ فيه, ولكن جولة واحدة في أحد أشهر الأسواق التقليدية لبيع اللحوم والأسماك والأعشاب, جعلتني أتأكد تماما ان كل شيء حي قابل للهضم في المعدة الصينية. .. أشياء لا يمكن تخيلها تباع وتشترى, لتشكل طبقا جديدا ينضم إلى مائدة الطعام الصينية.. ولا أدري لماذا سمي سوق السمك, فالسمك لا يشكل إلا نوعا واحدا من آلاف الأنواع الأخرى التي تباع في السوق. .. أحواض كثيرة وعلب كبيرة, وأحيانا أقفاص بأشكال وألوان منتشرة على طول السوق أمام البائعين, أما محتوياتها فحدث ولا حرج.. أفاع بأحجام وأشكال منوعة, زواحف برية وبحرية بكل الأشكال والأحجام, ضفادع صغيرة مثل التي نراها عندنا, وأخرى لم نرها طوال حياتنا حيث يصل حجم الضفدع إلى حجم الدجاجة.. عقارب وحشرات بكافة الأشكال.. أقفاص الدجاج وبالقرب منها أقفاص للقطط, وأخرى للكلاب, وكلها للأكل وليس التربية!! .. سوق غريب, وشعب غريب.. لكل حشرة وكل حيوان زاحف أو غير زاحف, اعتقادات بوجود فوائد صحية لا حصر لها.. تساءلت من كثرة الاستغراب: ربما هذه الزواحف ليست للأكل, ولكن لم تعطني تلك العجوز فرصة لمجرد التساؤل.. وقفت أمام البائع وأشارت بأصابعها نحو (حية) طويلة, وأخذت تجادل البائع.. بالطبع لم أفهم ما تقول ولكن عرفت انها تفاصله في السعر, وصلا إلى سعر الاتفاق, وما هي إلا دقائق حتى أسرع البائع ولبس (قفازا) غليظا, وأخرج (الحية) من الصندوق الذي يضم المئات غيرها.. وضعها في كيس ثم ألقى بها على الميزان.. ثم أخرجها من الكيس ليمسكها من رأسها وبمقص حاد أخذ يقطع رقبتها, ثم سلخها ورماها في ماء حار.. اتجهت نحو العجوز وأشرت لها بيدي متسائلا هل هي للأكل أم للشوربة.. فأجابت (مبتسمة) وهي تحرك يدها نحو فمها.. للأكل!! .. وربما يكون الموقف مع الأفعى أخف وطأة, من موقف آخر في سوق الأعشاب الذي يضم أنواعا وأشكالا لا حصر لها من الأعشاب والنبات والذي يعتقد الصينيون انه دواء لكافة أمراض العالم, واضافة إلى الأعشاب فهناك كافة الحشرات والزواحف (مملحة) بطريقة اللوز والبندق و(حب الفساد).. وبينما كنت أتمعن في (الخفاش) وقد تم تمليحه ونصبه على خشبة صغيرة على شكل الآيس كريم, سمعت صوت شخص ما وهو (يقرض) شيئا, خُيّل لي من الصوت انه فستق أو أي نوع من المكسرات, ولان الصوت كان قريبا للغاية مني, التفت إليه, وإذا بها امرأة تتسلى بعدد من العقارب المملحة تأكلها وترمي بالقشرة تماما كالفستق!! .. وعلى بعد خطوات بسيطة تذكرت قول أحد الأصدقاء قبيل السفر: (الشعب الصيني يأكل كل شيء يعطي ظهره للسماء, وبالتالي هناك شيئان فقط لا يمكن أكلهما في الصين.. الإنسان وحصان البحر, لانهما الوحيدان اللذان لا يعطيان ظهرهما للسماء..) . .. وبالفعل كانت هذه المعلومة تراودني طول فترة التجول في السوق, وكانت تتأكد لي عند كل قفص وحوض, ولكن وقبل الخروج من السوق, كانت المفاجأة. .. البائعون يقفون أمام أكياس كبيرة شبيهة بتلك الموجودة في سوق العطارين أو (سوق الظلام) في ديرة, وهي مملؤة بأعقاب غريبة وحشرات من نوع (أم النقيع) و(أم أربع وأربعين) و(صراصير ضخمة) وأخيرا... حصان البحر.. كلها مجففة ومملحة لتشكل نوعا من أنواع التسالي.. أخيرا انضم حصان البحر إلى لائحة الطعام.. حتى انت يا حصان البحر!! .. وعندما تساءلت عن هذه المقولة, اتضح انها لا تشمل كافة أفراد الشعب وإنما لطوائف محددة.. ولكني تأكدت تماما ان كل شيء ما عدا الإنسان يمكن هضمه بسهولة في المعدة الصينية!!