الجيران ينظر القضاء الألماني في نصف مليون قضية رفعها الجيران ضد جيرانهم, لانهم تضرروا نفسيا من صوت آلة جز العشب أو ضجيج الأولاد أو من رائحة الشواء وغيرها من الأمور التي نعتبرها تافهة وليست ذات أهمية فيما يعتبرها الألمان أو الغرب عموما مسائل تستحق أن يدفع من أجلها أتعاب محاماة أو مصاريف دعاوى أو ما شابه. وكثيرا ما يتحول الجيران إلى أصدقاء بعد فترة, فيصبح جاري أبو فلان صديقي, وجارتنا صديقة زوجتي, وأولادهم أصدقاء لأولادي, وكلبهم المدلل شريكا لنا في نزهات الأعياد والعطل التي نخطط لها مسبقا. لذلك استغربت أن تهدر ألمانيا وقتا ومالا على حل خلافات الجيران, وعللت المسألة انهم لا يملكون مودة ومشاعر اجتماعية تجاه بعضهم البعض وهذه قيمة سلبية في مجتمع صناعي متفوق, والحديث عن ألمانيا يقود إلى مجمل الغرب الذي يموت فيه الجار الوحيد العجوز وبعد أسبوع تفوح رائحة الجثة فيدرك الجيران ان جارهم العجوز قد مات, فيطلبون الشرطة! وهذا يعني انهم لا يعرفون أصلا ماذا يفعل ومن هو, على عكس جيراني مثلا حيث أشم رائحة الكاري الفائحة من مطبخهم فأدرك انهم يعدون الطعام وأسمع صوت مطربهم المفضل فأعرف انهم يرقصون, وأصطدم بدمى أطفالهم المرمية أمام منزلي فأتأكد انهم ما زالوا هنا, وبمعنى أدق أعرف ان جيراني على قيد الحياة, مع فروقات بسيطة في مواقيت أنشطتهم, فهم يطبخون طعامهم المفضل في ساعات الصباح الأولى من يوم العطلة مما يعكر صفو شهيتي طيلة اليوم, ويرقصون في ساعة متأخرة من الليل مما يحرمني النوم لساعات, ويفضل أطفالهم أن ينسوا دماهم عندما أعود للمنزل مساء حتى (أتكعبل) بها! فهل يستحق الأمر أن أشكوهم للشرطة؟! قطعا لا.. لان جارة أخرى تفضل أن يتواجد كلبها الأبيض العملاق معنا في المصعد حين تصطحبه للنزهة, فأشعر انه سينقض علي وينهش ساقي في اللحظة, لكنها سرعان ما تلصقه بجدار المصعد وتقترب منه في حركة أمومية واضحة, ثم ترسل إلي ابتسامة رخوة تتبعها بعبارة (لا تخف انه لطيف مع الغرباء) . هل أشكوها للشرطة؟! طبعا لا.. لان هذا الحيوان الأليف مفيد اجتماعيا وحسبما ذكرت إحدى السيدات الانجليزيات انها كانت تعاني من وحدة وضجر شديدين, ولكنها عندما اقتنت كلبا أصبح لها عشرات الأصدقاء ومعظمهم جاء عبر مدخل كلبي على شاكلة (أوه ما ألطفه من كلب) أو (هل لهذا الكلب الحلو نمرة تلفون؟) أو (متى تسمحين لي يا سيدتي باصطحاب كلبك في نزهة على الشاطئ) . ومن المؤكد ان كل هؤلاء تحولوا إلى أصدقاء لتلك السيدة مستقبلا. إذن مسألة الجيران تستحق أن يكون الإنسان صبورا معهم, خاصة عندما يطرقون بابك يطلبون ملحا أو فص ثوم أو بصلة. طبعا هم لم يطلبوها من السوبر ماركت لانه مغلق. علما انه يغلق أبوابه في الثانية عشرة منتصف الليل! فهل يستحق الأمر أن أشكوهم للشرطة؟! قطعا لن أفعل وغيري لن يفعل, ولكن الألمان فعلوا ربما لانهم لا يحبون جيرانهم أصلا ويفضلون الحياة معزولين على أن تضايقهم روائح الشواء والكاري وصوت أميتاب باتشان وكلب عملاق يلحس أقدامهم لذلك سيموتون وحيدين وتفوح رائحتهم بعد أيام وعندها سيشكوهم جيرانهم للشرطة! حسين درويش