هل تعبت؟ هذا السؤال يظل يكرره الدليل السياحي وهو يبتسم ابتسامة عريضة فيذكرك بشكل مزعج بأنك فعلا تشعر بالتعب, والاكثر ازعاجا كان عبارة (آسف سيدي) التي يكررها المرشد كلما تعثر احد بحجر. ومع ذلك فإن تسلق جونونج رينجاني, او جبل رينجاني البالغ ارتفاعه 3726 مترا يظل مزيجا من الارهاق والاستمتاع. وبما ان مرشدين وحمالين كانوا يحملون الخيام واكياس الطعام والامتعة فإن شعورا بالذنب يساورك اذا كنت تطل من نافذة طائرة محلقة في يوم مشمس, فإن من السهل ان ترى المنحدرات الوعرة للبراكين المتناثرة في ارجاء الارخبيل الاندونيسي. وتبقى اقماع البراكين محاطة بالخرافات والرمزية والمهابة عند الناس الذين يعيشون في ظلها. ان اندونيسيا تملك اكبر عدد من البراكين في العالم, حيث يبلغ عدد براكينها 130 بركانا. ويعتبر بركان جبل رينجاني الذي ينفث الدخان بشكل مستمر ويضم ينابيع حارة وبحيرة بشكل هلال في فوهته, احد اعظم براكين البلد. فهو ثاني اعلى جبل اندونيسي ويقع في مقاطعة اريان جايا الجبلية النائية, وهو يوفر للسياح الذين سئموا من الشواطئ والحمام الشمسي فرارا ممتعا من الزحمة السياحية في جزيرة بالي القريبة. ولا يزال بركان رينجاني نشطا, وقد انفجر اخر مرة سنة 1994 فغطى جزيرة لومبوك الاستوائية التي يطل عليها بالرماد. ومعروف ان اندونيسيا معرضة لفورات زلزلية لوقوعها على (حلقة النار) في المحيط الهادئ والمكونة من سلسلة من البراكين لوقوعها على الصدوع الممتدة من الامريكتين حتى جنوب الباسيفيك مرورا باليابان وجنوب شرق آسيا. الا ان المطر وليس الحمم البركانية والغازات الكبريتية هو الخطر الحقيقي على جبل رينجاني. فالممرات الضيقة تتحول الى وحول خلال مرحلة الامطار بين شهري اكتوبر و ابريل وقد خسر العديد من متسلقي الجبال حياتهم بسبب انزلاقهم على المنحدرات البركانية الوعرة. (كيف حالك اليوم؟) يقولها المرشد الثرثار روسمان بصوت عال في الساعة السابعة صباحا بعد ليلة باردة على حافة البركان التي تنتشر عليها اشجار الصنوبر. ويستغرق الوصول الى تلك الحافة يوما كاملا بعد مسيرة طويلة عبر السهول المعشبة قبل التسلق عبر ممرات دغلية تنتشر فيها جذور الاشجار. في هذا المكان يشعر الزائر بثقل الضباب والصمت. اما في جوف فوهة البركان فبوسع السياح ان يستحموا في مياه الينابيع الحارة جدا والتي يقال انها تشفي من الامراض الجلدية وامراض اخرى. والصيادون هناك يربطون صيدهم من الاسماك بحبال موصولة بمداميك داخل البحيرة, مثل ربط الحيوانات المنزلية. ويشكل البالينيون الهندوس والساساك المسلمون قبائل مسيطرة على جزيرة لومبوك وهم يعتبرون بركان رينجاني مكانا مقدسا يتوجهون اليه في المناسبات لرشه بالارز والمجوهرات والنذور الاخرى. واكتمال البدر يعتبر من المناسبات الشعبية لزيارة البركان. والبراكين الاندونيسية تجتذب الفلاحين لأن تربتها تتميز بالخصوبة وصالحة لزراعة المحاصيل. كما ان الطاقات الهائلة للبراكين تثير الخوف في نفوسهم, مع العلم ان انفجار بركان كاراكتاو اسفر عن مصرع 36 ألف نسمة سنة 1883. وبالنسبة للزائرين سيرا وتسلقا فإن التخييم ثلاثة ايام وليلتين على جبل رينجاني كاف. الا ان الزائر يحتاج الى يوم اضافي لاستكشاف قمة الجبل الذي تعصف به الرياح. الا ان مسيرة الخروج من حوض البركان محفوفة بما يكفي من المخاطر والعزلة التي يشعر بها المرء على قمة الجبل قد لا تدوم طويلا. وسرعان ما تلاحظ ان ثمة عددا كبيرا من القرود يحيط بك. وفي غضون ساعات تتوالى فرق سياحية اخرى,وقد حولت البقعة الى مكان مكتظ يلفه دخان المواقد وضجيج ادوات وأواني الطبخ واطباق الارز بالدجاج. وفي المساء يمتلئ الجو بالتضاحكات والثرثرة باللغة المحلية وعدد من اللغات الاوروبية, ثم شخير النائمين. وفي اليوم الاخير للزيارة, وفيما تواصل الانطلاق بالسيارة عبر اشجار النخيل نحو الفندق على شاطئ البحر لا يتردد المرشد المرافق لك في القول: (لقد مرضت بسبب حزني لمغادرتكم) .