شهدت حقبة العشرينيات من القرن العشرين نقاشات متنوعة حول (الرواية) . هذا الفن الوليد الذي اقتحم الحياة والمجتمع العربيين بقوة ورسوخ منذ بداياته. ولعل اهم سؤال ظل معلقا حتى اليوم في تاريخ العلاقة بين الرواية والمجتمع انما هو السؤال التالي: هل يجوز مساءلة الروائي عن اراء شخصياته؟ ويتفرع عنه الاسئلة التالية: هل يدان الروائي بسبب مروق احدى شخصياته؟ هل يحاكم لأن شخصية في رواية له كفرت او تزندقت؟ هل يتهم بالفسق في عام (1928) كتب (احمد خيري سعيد) وهو ناقد مصري لم نعد نسمع عنه شيئا مقالا في مجلة (الجديد) بعنوان (نزعة غريبة) حاول ان يجيب فيه عن سؤال العلاقة الادبي والفني والاخلاقي هذا. فالرواية فن موضوعي في رأيه, وهي الفن الاكثر قدرة على الاجابة عن هموم الحاضر. اما الروائي فهو فنان يطل في اعماق نفسه على عالم مكتظ بالاخيلة والعواطف والانفعالات ويصح ان نصفه بأنه يعالج تأثير الحياة في نفسه وانفعاله لأحداثها ووقائعها وحالاتها المرهونة بتقلب ما يحيط بها ويؤثر فيها. ويبدأ (احمد خيري سعيد) المقال بجواب, كأنما كان يقف امام سؤال مضمر او معلن في الحياة الثقافية فيقول: (الكاتب الروائي غير مسئول عن عقيدة اشخاص قصصه, هو مسئول عن دقة تصوير هذه العقيدة) والاجابة كما نرى هنا تشير الى الاخلاقي في الاتهام الموجه الى الروائيين بتحميلهم مسئولية كلام ومنطق شخصياتهم وتشير الى الفني في حقيقة النظرة الى الرواية. فلا يجوز ان يصبح الكاتب متهما بأقوال احدى شخصياته, ولكنه مطالب امام الفن والحياة بتقديم شخصيات مقنعة بتصرفاتها واخلاقها داخل النص الروائي. (ثم هو غير مسئول عن وقائع القصة وحوادثها) لماذا؟! لأنه انما (يراقب الحياة ويسجل تطوراتها ويرصد اتجاهاتها عما يقع فيها (هي) من شرور وآثام ومن اطراب ومناعم) فالروائى مطالب هنا, بالصدق الفني وصدقه وحده, مع الحياة, ومع الفن هو الذي يشفع له عندنا كي نقول انه انتج عملا جديرا بالقراءة, فاذا كانت الرواية صادقة فنيا فإن الحياة (نفسها) هي المسئولة عن بنيها (اي اولئك الذين يصيرون ابطالا وشخصيات للقصص والروايات) سواء من جهة انهم افراد مستقلون ام من جهة علاقاتهم بالمجموع. والحياة ذاتها (مسئولة عن الجماعات باعتبارها وحدات قائمة بذاتها, أو على اعتبار انها تتفاعل مع الوسط الطبيعي, او مع بعضها بعضا). ويقدم (احمد خيري سعيد) مثالين تطبيقيين عن فكرة ان الروائي ليس مسئولا عن عقيدة وافكار شخصياته. ففي رواية الملك لير (كانت الثقافة العربية لاتزال تطلق على المسرحية: رواية) فتى ولد سفاحا يدعى (ادمند) يناجي ادمند نفسه بصوت مسموع مدافعا عن الابناء غير الشرعيين, ويعلن عزمه على اغتصاب منزلة اخيه وحقوقه الشرعية, يسأل الكاتب: هل يقال ان (شكسبير) مسئول عنه وعن ارائه؟ والجواب بالطبع لا. لأن المسرحية تمتلئ بالشخصيات وكل منها له منطقه وافكاره وسلوكه ورؤاه وقناعاته. وفي رواية (الاخوة كرامازوف) يقف المسيح ليفسد على رجال الاكليروس هيمنتهم, ويلغي نفوذهم في محاكم التفتيش. فما كان من زعيمهم الا ان امره بالسكوت قبل ان يلقى المصير الذي يلقاه اولئك الذين يدافع عنهم. ويسأل الكاتب ايضا: هل يمكن تحميل (دستويفسكي) مسئولية هذا التأنيب؟ والجواب هو لا ـ لماذا؟ لأن الروائي مسرحيا كان ام قصصيا يقف بعيدا عن الحياة ويراقبها, ويسلط بصيرته على اشخاصها وحوادثها متغلغلا الى لب اللب.. متعمقا الى البواعث والمحركات المستورة واغلا الى الكنه, والحقيقة, كاشفا ما يسمونه (السر الخفي الجلي) . وربما كان (احمد خيري سعيد) اول من اشار علانية الى ما اصبح يعرف اليوم في النقد العربي الذي يتناول الرواية والمجتمع (بكشف المستور) او (قول المسكوت عنه) , ولعل اصطلاح (السر الخفي الجلي) اكثر ابهارا ودقة من اصطلاح (المسكوت عنه) فهو يحمل دلالات فكرية دفينة عميقة اذ يعبر عن كل ما هو داخلي وكامن وحقيقي وسط المجتمع الذي يظن انه استطاع ان يخفيه ويستره فاذا هو في الحقيقة اكثر جلاء وبيانا وانكشافا.