يقول العلماء البيئيون في فنلندا ان تلوث الهواء يدمر الأشجار بطريقة ثانية غير ظاهرة وذلك بكونه يؤثر إلى حد كبير على المفترسات التي تتغذى على الحشرات المقتاتة بأوراق الأشجار, وعلى الرغم من أن العلماء تشككوا في هذا الأمر منذ زمن طويل, إلا أنهم لم يحصلوا على دليل قوي يثبته. وقد لاحظ العلماء أن أوبئة حشرية تدمر النباتات في المناطق التي تعاني من تلوث الهواء, وعزا علماء البيئة هذه الظاهرة إما لكون تلوث الهواء يجعل الطفيليات التي تعيش على هذه الحشرات أقل فاعلية أو لأنه يقتل المخلوقات التي تفترس هذه الحشرات, دون أن يتمكنوا حتى الآن من تحديد أية معطيات عملية تشير إلى أن التلوث يعيق أعداء الحشرات. لكن الدراسات السابقة على هذه الظاهرة قد ركزت فقط على مجموعات فرعية صغيرة من أعداء الحشرات لكن إلينا زفيريفا وميخائيل كوزولوف من جامعة توركو الفنلندية قررا اختبار هذه النظرية من جديد بدراسة كل الأعداء الحيوية لخنفساء النباتات المعروفة علمياً باسم ميلاسوما لابونكا. وقد أدى تزايد أعداد هذه الخنفساء بين الحين والآخر لتدمير كامل المجموع الخضري لأوراق الصفصاف بالكامل تقريباً في الغابات القريبة من فرن صهر للنحاس والنيكل في شبه جزيرة كولا شمال غرب روسيا. وهذه المنطقة هي من أسوأ المناطق من ناحية تلوث الهواء حيث حولها ثاني أكسيد الكبريت والتلوث بالمعادن الثقيلة إلى مناطق تغطيها بقع سوداء من الغازات. وقامت زفيريفا وكوزولوف بقياس مستويات التلوث في 10 مواقع مختلفة ضمن دائرة نصف قطرها 36 كيلو متراً حول المصهر بين عامي 1993 و1998. كما درسا أيضاً كثافة الخنافس البالغة في هذه المواقع وجمعا معلومات كاملة عن الطفيليات والمفترسات ذات العلاقة بهذه الخنافس البالغة أو ببيوضها أو بشرانقها, أي على مدى دورة حياتها الكاملة. وأظهرت نتائج الدراسة أن الطفيليات تقتل أعداداً أكبر من خنافس لابونكا في المناطق ملوثة الهواء من المناطق ذات الهواء الأنظف نسبياً. لكن في المقابل ونتيجة لتناقص أعداد الأعداء الحيوية من المفترسات لهذه الخنافس فإن هذا كان يعني تزايد أعدادها بنسبة لا تقل عن 20% في المناطق الأكثر تلوثاً. تقول زفيريفا: (من الواضح أن تراجع نسبة افتراس هذه الخنافس هو من أهم الأسباب التي تؤدي لزيادة الحشرات الآكلة لأوراق الأشجار في المناطق الملوثة) . وقد أثبتت زفيريفا أن أعداد نمل الخشب على سبيل المثال وهو من أشرس مفترسي الخنافس يتراجع كثيراً في المناطق ملوثة الهواء. وتقول زفيريفا أن عملها يثبت أهمية الدراسات طويلة الأمد لمجمل أنواع الأعداء الطبيعيين للأحياء لمعرفة التأثير الحقيقي للتلوث على النباتات. وتضيف: (معظم الباحثين ركزوا على فصيلة واحدة فقط أو مجموعة واحدة من المفترسين, وهذا قد يؤدي ببساطة إلى نتائج مضللة) .