ألسنة اللهب تقفز من الحريق إلى الهواء الجبلي البارد, وثمة أناس بأردية حريرية براقة يقرعون الطبول, ويدقون أجراساً فضية يمسكونها براحتهم, ومع استعار الحريق يرش البعض الماء على ألسنة اللهب لإطفائها وتحويل الحريق إلى موقد ضخم يحتوي على جمرات متوهجة برتقالية اللون, يجمعها هؤلاء الحفاة ويرصفونها بشكل ممر متوهج, وبعد ذلك, والنيران لا تزال مشتعلة من حولهم, يسير هؤلاء على النار على الممر الناري ذاك, دون أن يصابوا بأذى. هذا ليس مستحيلاً, هكذا يقول العارفون فبفضل التحايل على خاصية التوصيل ـ توصيل الحرارة ـ يستطيع أي إنسان أن يمارس المشي على النار, كما يمكنك التأكد بالتتبع لخطوات السائرين على الجمر المتقد. وقد شهدت عمليات المشي على النار إقبالاً واهتماماً في الولايات المتحدة وأوروبا خلال السنوات العشر الماضية, حيث يعتقد أن مئات بل آلاف الأشخاص جربوه في الولايات المتحدة وحدها. والحقيقة ان المشي على النار تقليد قديم جداً, وأقدم ذكر له يعود إلى 3000 سنة, منذ كان بعض الهنود يمارسونه من أجل تعريض أنفسهم للامتحان, وتطهير النفس. وللمشي على الجمر تاريخ طويل في اليابان أيضاً, واليوم يحتشد عشرات الآلاف من الناس ويمشون على النار في عدة مناطق من البلاد سنوياً, وخاصة خلال الأسابيع القليلة التي تسبق وصول فصل الربيع. ومهرجان المشي على النار الذي يقام في المنطقة الجبلية لضاحية طوكيو الغربية هو أحد أشهر المهرجانات المماثلة, ويقول العارفون ان أول مهرجان من هذا النوع قبل 1300 سنة أقامه متصوفو (يامابوشي) . ولقد أزيح كثير من الجمر إلى جانب المسار في المهرجان الذي أقيم بغربي طوكيو من أجل مساعدة المبتدئين بجعل مشيتهم أقل خطورة وتمكين الخائفين من تجنب المنطقة الأقل سخونة, واستطاع كل الذين حاولوا أن يجتازوا مسافة الثلاثة أمتار ـ مع ان شدة الحرارة كانت كافية لإصابة البعض بالحروق الطفيفة منذ أول خطوة أو خطوتين. وقال هيديو ويهارا, الذي جاء إلى المهرجان من طوكيو: (الأمر ليس صعباً, ولكن ذلك لا يهم, فلقد جئت إلى هنا من أجل الناحية الروحية) . ويطلق سهم احتفالي إلى المحرقة قبل إشعال النار, وتكتب تعابير تقليدية بالهواء, بأصابع متحركة بسرعة عندما يبدأ السائرون بالدخول في حالة تشبه الغيبوبة. وقال هيساوي كاتو, وهو من (اليامابوشي) تقدم السائرين على النار: (ان التدريب الذي نقوم به يهيئ أجسامنا للصمود من دون الاحساس بالحرارة) . مدربو المشي على النار لهم موقف مشابه بصورة عامة, يقول مايكل ماكدرموت في موقع على شبكة الانترنت أقامه للدعاية لدورة للتدريب على المشي على النار تستمر أسبوعاً يقيمها في ردمونت بولاية واشنطن وتكلف ألف دولار: (إن المشي على النار تجربة مفيدة وقوية جداً, انه يغير الحياة) . إلا ان ازدهار شعبية المشي على النار استدعى أيضاً (تدقيقاً) متزايداً من الأوساط العلمية حيث يعتبره بعض العلماء دليلاً لتغلب العقل على المادة. ويقول ديفيد ويللي أستاذ الفيزياء في جامعة بيتسبرج: (معلمو المشي على النار يريدون منك أن تصدق ان ثمة شيئاً) خاصاً يجب أن تتعلمه, بينما الحقيقة هي أن أي فرد يستطيع أن يسير على النار بعد توجيه لا يستغرق أكثر من دقائق قليلة, ولكن إذ قالوا لك ذلك فلن يكسبوا مالاً) . فهم ويللي للمشي على النار الفهم الأكاديمي الصرف, فهو مشي على النار أكثر من عشر مرات بنفسه, وهو وماكديرموت يحملان الرقم القياسي العالمي, إذ أنهم سارا على الجمر لمسافة 165 قدماً (55 متراً). ويقول ويللي انه على مسار أقصر من رقمه القياسي مشى على جمر زادت حرارته على ألف درجة, ويبدو ذلك عملاً (خارقاً) بالنظر إلى ان جلد الانسان يتفحم بنصف تلك الحرارة. ولكن ويللي يقول ان خاصية التوصيل ـ وليس درجة الحرارة ـ هي العامل الأهم, فبما أن الحديد مادة موصلة جيدة للحرارة, فيما الهواء ليس كذلك, تستطيع أن تدخل يديك في فرن ساخن لفترة وجيزة من دون أن تصاب بحروق, ولكن إذا لامست المعدن فإنك تصاب بالحروق فوراً) . والشيء نفسه ينطبق على الرمل ـ فلأن الرمل موصل جيد للحرارة فان السير على شاطئ رملي في يوم مشمس قد يكون مؤلماً جداً. إلا أن الخشب لا يوصل الحرارة بصورة فعالة, وبما أن المدة الحقيقية لملامسة القدم للفحم لا تزيد كثيراً على الثانية الواحدة, فان كمية الحرارة المتنقلة إلى القدم ليست كبيرة, وتشكل طبقة الرماد التي تغلف الجمر والرطوبة الطبيعية في أخمص قدمي السائر على النار طبقتين واقيتين إضافيتين. ويقول ويللي: (إذا ظل لحمك متلامساً مع الفحم الحار مدة طويلة فانك ستصاب بحروق) .