لا شيء يخلصني من الشعور بالقرف والجفاف, وأني مثل عود يابس, سقط من شجرة, وأنزوى عن الأقدام, بين الصخور. كنت أقول هذا ولم يفدن أيما فائدة أمر مراجعة نفسي, وحذري من احتمال السقوط في الهاوية التي أحسها مظلمة لا قرار لها كالبئر المهجور. أدرك كما لو ان يدا تسعفني, وتسير بي على أرض مليئة بالأشواك إلى أن تقودني كالأعمى نحو البئر. تتفتح عيني, ولكن نحو شاشة من الظلام. فأرتد هاربا أو أنكفئ دون إرادة مني. لا شك ان ما يضغط عليّ, هو هذه الحالة من مطاردة الزمن, ومحاولة خلق نوع من التوازن, وارضاء من يحيطون بي, خاصة زوجي. انني طالما أحسست بنظراتها المنكسرة, وهي تصوبها نحوي لتقتصر مسافة من السنين مليئة بالجفاف, والعوز والأمنيات المحيطة. أنا لم أر امرأة في حياتي عانت من الاحباط كما أراها بأم عيني, وأحسها بدواخلي. لِمَ كان نصيب هذه المرأة اللقاء بي أنا الرجل النحس, الذي ابتدأ منذ الطفولة لاهثا, سواء في الطرقات أو على مشارف الأنهار, أو منزويا في قعر الدار. فيتلقى برأسه الضربات القاسية؟ كنت أتصور نفسي, انطلقت من رحم أمي راكضا, فهذا الجسد مليء بالأوجاع, أنظر إلى وجهها لأزيد من قلقي وحسرتي على شبابها الذي ضاع وسط هذه الحياة معي. أزيد من تحديقي, كأنما تحقر نظراتي كل قطعة من جسدها النابض, وتحدق هي بعينين منطفئتين, لكنهما تخفيان الأسئلة... ماذا بعد يا رجل؟ لا أدري. هل تبقى هكذا؟! وما الذي بيدي ولم أفعله؟ كل شيء, أنظر إلى الآخرين. انهم ابتدأوا هكذا. هذا لا يبرر الموقف, ثقي انهم ارتكزوا على شيء ورثوه, واستندوا إليه, ثم ابتدأوا المسيرة, وبعد..؟ أما أنا فلم ابتدئ إلا مع آخر الشهر الذي نسيت أوله من آخره.. وتحدق بي, مخففا نظراتي عن وجهها تدريجيا, نحو منطقة الصدر والخصر, فأحس بغليان دواخلها وفوران جسدها, لحظتها أخفض إلى الأسفل, حتى القدمين, فأجدهما غير مستقرتين على نقطة. أغادر البيت نحو الشارع أو المقهى, الذي شهد كل احباطاتي. أسير مفكرا, وأدور كل الأشياء في رأسي, لكن ما يبدو لي فهو دوران لمقعد مغلق في دولاب كبير, يدور بسرعة الزمن, ولا أستطيع ايقافه. وها أنا كالعادة أبحث عن الرجل الذي ضيعته, ولا أدري كيف عرفته أثناء تلك الصدفة؟ وكيف تعلقت به واعتبرته من أخص أصدقائي. كنت لحظتها منقادا في حلم ضبابي, مجلل بشعور سحري, تقودني أيد خفية لم أستطع الا الجلوس في المقهى كالعادة. كان الدوران في المدينة قد أتعبني, وشل طاقتي, وحتى شعرت كأن ساقي مهمشتان. فما أن أدوس بقدمي الأرض, حتى أحس بأن عظام الساق تصطدم بشيء صلب, يحاول تهميشها. وتحاملت على قدمي إلى أن وصلت المقهى. أي وجع هذا الذي أعانيه؟ كان المقهى ضاجا بالآخرين, ومرحهم يستفزني, وبعد دقائق من جلوسي واحتسائي الشاي. كان ثمة رجل لم أدرك لحظة مجيئه وجلوسه إلى جانبي, ولكن كل الذي أتذكره, انه لم يكن هناك أحد, حيث جلس على المصطبة. كان الرجل يتململ, وهو يحدق بي بنظرات متسائلة, أحرجني أول الأمر, غير اني تماسكت, وقلت في نفسي: ربما أكون واهما, وهو لم يقصد ذلك مطلقا. طأطأت رأسي, وأدرت نظراتي عنه, لكني لم أستطع الصبر, بل اختلست نظرة خاطفة نحوه بطرف عيني, فلاحظته يسمر نظراته باتجاهي بوجه باسم. تململت بجلستي, واعتدلت. لحظتها ابتدأ قائلا: ـ ها.. كيف الحال؟ استغربت, لابد انه يعرفني, وإلا ما سبب سؤاله عن حالتي. حاولت ألا أظهر له بصورة الرجل المحرج, بل أجبت بابتسامة: - الحمد لله, وأنت؟ ـ هل تعرفني؟ اضطربت.. - لا ولكن هذا ما يتطلبه أمر المجاملة. ـ ولكني أعرفك. ـ تعرفني؟ كيف وأنا لا أعرفك أبدا. - هذا لا يهم, المهم اني أعرفك وأعرف الآخرين من أمثالك. ـ من أمثالي؟! وهل لي صفة ما واضحة تضعني في خانة الآخرين؟ - نعم, ولكن هذا لا يهم سيحسم الأمر كما ستلاحظ. ـ يحسم, وما وجه الحسم هذا؟ - سوف ترى. ـ أرى؟ أرى ماذا؟ انك تزيد من حرجي ليس إلا. - لِمَ هذا الحرج يا رجل؟ ـ الحرج واضح, انك لا تعرفني, وتريد أن تحسم شيئا ما في حياتي! - قلت لك أعرفك. - كيف تعرفني وأنا لا أعرفك؟! ـ هل يهمك الأمر؟ - طبعا يهمني. ـ الكل يدور في المدينة وأنت تدور, لا وجه واضح لك, تدور ولم تعرف بعد وجهتك كما الآخرين. ـ هذا صحيح, لكني لم أشك لأحد من صداع هذا الدوران؟ - بل شكيت لنفسك. ـ وكيف عرفت أنت؟ - قلت لك أترك هذا الكيف وانتبه, انك تشكو دائما, وتتألم وتتحسر, أليس كذلك؟ لذا فاني سأعرض عليك أمرا مهما. ـ وما هو ؟ ـ العمل . ـ العمل؟ أين؟ ـ هذا لا يهمك. ـ كيف لا يهمني, وهو أمر يخصني أنا. ـ لم أقصد هذا المعنى, بل كل الذي أعنيه أنك يجب ان تعمل لتفك عقدتك. ـ كيف؟ ـ ستذهب معي كل يوم وستعمل في مكان ما, ثم أعود بك بعد انتهائك, ستزيد من مدخولك الشهري بدخل جليل في عملك هذا؟ ـ والعمل , ربما لا يناسبني. ـ لا أعتقد, أنا قد اخترت لك عملا يناسب عملك في الدائرة؟ ـ وكيف عرفت عملي في الدائرة؟ ـ هذا لا يهم ألم تكن تعمل في استنساخ الملفات والأوراق وحفظها؟ ـ نعم, كنت ومازلت. ـ إذا ستعمل عندي لساعات محدودة في استنساخ الملفات التي أضعها بين يديك. ـ لا مانع لدي, ولو اني قرفت من عملي هذا. ـ هل تريد ان استبدله لك؟ ـ لا ابقه كما هو, ثم هل يوجد أحد غيري؟ ـ هذا لا يهمك أنت. كان وجهه قد انفتح عن ابتسامة, اتسعت تدريجيا, وطغت على وجهه الذي بدا مثل سطح بحيرة يترقرق بلمعان أخاذ, وخرجنا من المقهى إلى السيارة التي كانت بانتظارنا, وحيث أغلق الباب قال: سآخذك إلى المكان, وسأعرفك بالعمل وتترك أمر المباشرة به إلى يوم آخر, ابتسم ثم أردف: أنت ضيفي يا رجل هذا اليوم, وولج بسيارته إلى منطقة مظلمة جدا, بعد ان ترك المدينة وأزقتها وشوارعها الرئيسية, كانت السيارة تسير في طريق مظلمة, وغير واضحة, لكن يدرك تفاصيلها, بحيث يسير بشكل اعتيادي ومتزن, ورائق المزاج, لا أدري ربما خيل لي ذلك, كل الذي أحسست به اني كنت كالمعصوب العينين بقطعة قماش سوداء احكم شدها, كنت أتثبت بالمقعد, وهو يدرك بعجلات سيارته الطرقات والارتفاعات والمنحدرات المفاجئة, لا شيء يمكن ادراكه في كل ما حولي, كل شيء غامض إلى ان توقفت السيارة قرب قصر شامخ, لم تكن عيناي معصوبتين, بل خيل لي ذلك, انفتح الضوء, وتهنا في وسط الصحراء الشاسعة, يحتلها هذا القصر الذي أحيط بحديقة غناء تنتصب أشجارها, كأنها غرست منذ سنين موغلة, واخضرت الأرض, كما لو ان يدا اعتنت بها فجعلتها بهذه الصورة من التنسيق والانسجام, نظرت من حولي وإلى القصر. كيف استطاع بناءه في هذا المكان الخالي والمقفر؟ يحدق بي متداركا ضيقي وحيرتي. قال: لا تستغرب, المرء يستطيع عمل كل شيء, كيف عرفت ما أفكر به, كلهم كانوا يفكرون هكذا, مثلك, من هم؟ هذا ليس من شأنك المهم انك ستعمل وان لم توافق فستكون في المكان الذي جئنا منه, وهذا لا يحرجني. لا أبدا اني موافق. لقد فشل كل من جاء قبل. وأنا سأكون آخرهم. سنرى. وبدأت أشك فيه, فقد أثار في رأسي الوساوس والأسئلة, لكني كبت ذلك, مأخوذا بقوة الاكتشاف هذه المرة, لقد غدا فضوليا, مثلما الماء لحظة انتشاره على أرض جافة عطشى, راح يتسرب إلى مساماتها ويغمرها, وأنا افتح كل حواسي, لكي أرتوي بما انا مقدم عليه مع هذا الرجل, لا يهم كل ما قد يترتب على حياتي, فليذهب كل شيء إلى جهنم هذه المرة, أنها فرصتي لأبعد شبح الجفاف عن حياتنا.. واذ فتح باب القصر, ثم دخلنا ولشدة ما أثارتني الانارة التي غرف بفيضها جوف القصر, بهو واسع فيه أنواع من مصادر الضوء, التي رصفت على هيئات, واشكال هندسية, بينما كانت الجدران مرصوفة بالسيراميك الملون والمنمنم, وهو يراقب انبهاري قال: ـ استرح هنا, سأكون معك بعد قليل. وتوارى عني, ثم سرحت في هذا العالم كما لو اني في حلم, أيمكن ان يكون مثل هذا المكان في عالمنا انه يشبه الأماكن في القصص الخيالية, لحظات ثم عاد يحمل فنجانين من القهوة, كان قد وضعهما في صينية صغيرة, تناولت القهوة بارتباك, تسربت إلى جوفي كالمخدر اللذيذ وفعلت فعلا عجيبا, وأنا بين مصدق ذلك أو مكذب لا أتكلم, ولا أبدي حركة ما, بل تكبلني الدهشة, قال. لا شك انك شعرت بارتياح هنا؟. طبعا. قلت بارتباك. ثم قال: ولكن على أية حال ستعتاد بمرور الأيام, وسوف تصبح جزءا منه, خصوصا انه خال من أي أحد. قلت ان شاء الله. قال: المهم ان تعرف طبيعة عملك وسأريك المكتب الذي سوف تعمل فيه. وقف ثم تبعته.. كان قد دخل رواقا طويلا محفوفا بأبواب متعددة على اليمين وعلى اليسار, وحين أدرك الغرفة الأخيرة فتحها ثم دخل وتبعته. طالعني منظرها وضآلة الضوء فيها. عالج بسرعة زر المصباح, فانتشر فيها النور مشوشا, كان المصباح مكللا بالغبار, بحيث فرش ضوءه باهتا على الرفوف والكراسي والسلم الخشبي ومنضدة الكتابة, قال: ـ ستجد كل ما تحتاج هنا. وأشار إلى المحبرات, حيث أخرج منها الأقلام والورق ثم استدرك. أما بخصوص ما سوف تنسخه فستعرف ذلك في حينه. وخرجنا باتجاه الممر, وهو يتقدمني وسط الرواق الذي بدا عالي السقف, مفروشة أرضه بالسجاد الفاخر, كان يشير إلى الغرف ويقول: انظر تلك الغرف كلها تحت تصرفك فيها ما تحتاج, واسمح لك بدخولها, باستثناء هذه الغرفة. ثم أشار إليها.. واتجهنا إلى الصالة, فاستأذنني قائلا: خذ راحتك واعمل ما شئت فسأذهب لعمل طارئ ثم أعود لأقلك إلى المدينة, أجبت. كلا فقط سأقوم بتنظيف المكتب. قال. كما تشاء. فغادرني.. وأنا قصدت غرفة المكتب.. وقمت بتنظيف المنضدة بقطعة قماش عثرت عليها, ومن ثم, فتحت الشباك لاستبدال هواء الغرفة الوخم.. كان بلا قواطع على الطراز الحديث.. ولا أدري كم استغرق ذلك مني, غير اني هيئت المكتب بشكل جيد للعمل, ثم خرجت, ولحظة أدركت الغرفة ازدادت وساوسي وشكوكي, وتمنيت لو لم يخبرني بذلك, فأنا مالي ومال الغرف قلت أو كثرت.. فغادرتها, لكني عدت إليها على عجالة قلت في نفسي: لأدخلها فهو غير موجود, ومن المحال يعرف ما قمت به.. فاندفعت نحو الغرفة, ثم عالجت القفل, في حين امتدت يده فجأة على ياقة قميصي, ويده الأخرى تقبض على كفي ارتجفت بين يديه كطائر صغير, وهو ينظر إلي بعينين ناريتين.. قال: ألم أحذرك من ذلك؟. قلت بارتباك. لا أقصد كن على ثقة. ثم دفعني إلى الصالة, بعدها أطلقني إلى الخارج, وتبعتني حيث تتوقف السيارة, وسارع بي إلى المدينة وسط الظلام, وتركني في حيرة, ألعن فضولي وتطفلي, فأنا منذ ذلك اليوم لم أره.. رغم اني ألازم المقهى يوميا, مقررا التعلق بسيارته, قاصدا القصر, لا لشيء هذه المرة فقط لمعرفة سر الحكاية, سر الغرفة التي منعني وحذرني من الدخول إليها, وها ان المغيب قد حان وهو لم يأت كعادته ربما عثر على غيري ليعمل في المكتب, وسوف لا يحضر من أجل ذلك إلى المقهى, أرحت جسدي يائسا, فهو يوم آخر كسائر الأيام مليء بالوساوس والقلق, كنت أأنب نفسي على ما ارتكبته من خطأ دون التحلي بالصبر في مثل تلك المواقف, فجأة لاحظته يتطلع إلى جوف المقهى ثم يغادرها فتبعته مسرعا, لاقيته يدخل السيارة, فما كان مني إلا الاسراع والتعلق بمؤخرتها بينما انطلقت السيارة بسرعة نحو المجهول, مخترقا الطريق الذي لفحني هواؤه وخدر جسدي, كانت رحلة مليئة بالخطر لكني تمسكت جيدا, وحين وصل القصر, انتحيت خلف شجرة دون ان يراني, مراقبا إياه وهو يدخل القصر وأنا أرتجف خارجا من الخوف والانتظار الذي طال كثيرا, فقد بدا لي رجلا يحب السهر, وأنا انتظر منه اطفاء الأنوار, وخلوده إلى النوم, لكي أدخل إلى المكتب من الشباك الذي تركته مفتوحا, ثم إلى الممر والغرفة, ولم يراودني اليأس من تأخره هذا, فهو في النتيجة يخلد إلى النوم, وحين حدث هذا سارعت, وعلى عجالة كنت أمام باب الغرفة, عالجت القفل ببطء وحذر فطاع اصابعي, دفعت الباب وكان النور داخلها بسيطا, دفعت الباب خلفي, فذهلت ازاء ما رأيت, كانت فتاة في غاية الجمال والحسن تجلس على طرف السرير في كامل زينتها, وهي تحدق بي كأنها بانتظاري, فقد كانت تراقبني وأنا أدخل وأعالج الباب.. وقفت أمامها مشدوهاً, لا أنبت ببنت شفة, بينما هي تمعن النظر نحوي بارتياح وألفة. ابتسمت ثم قالت: ـ ما الذي جاء بك إلى هنا؟ ـ لوحدي. ـ كيف؟ ـ أول الأمر جاء بي صاحب القصر, أما الآن فقد جئت لوحدي. ـ ما الذي جاء بك مرة أخرى, ألم يحذرك؟ ـ ليته لم يحذرني. ـ وهذا ما دفعك إلى المغامرة بحياتك وحياتي مرة أخرى. ـ لا يمكن ذلك, هذا مستحيل. ـ تأكد انه سيقتلك إن عثر عليك. ـ هذا لا يهم, انه لا يعرف بوجودي والآن أخبريني ما قصتك؟ ـ هل تهمك قصتي؟ ـ الآن طبعا, ما الذي وضعك في هذه الغرفة, ولماذا؟ ـ لا تسأل كثيرا بل دعني وشأني واخرج بجلدك. ـ لا يمكن, سأخلصك من هذا السجن. ـ من قال لك اني في سجن؟ ـ انك في سجن ليس إلا. ـ وأنت ألم تكن في سجن أكبر. ـ كيف؟ ـ حاول ان تفهم الأمور, اني أعرف سجنك, لذا فاني اقتنع في سجني هذا. ـ أنا حر في حياتي وطليق كالطير. ـ لا تقل هذا, أنت مقيد وإلا ما جئت معه. ـ جئت للعمل. ـ بل المغامرة التي تحولت إلى فضول. ـ المهم ان أخلصك من السجن. ـ وهذا مستحيل لأنه يعرف كل شيء, هذا الرجل لا تضيع عنه شاردة أو واردة, فقط ان استطعت انقذ نفسك ودعني على حالي. ـ قلت لك لن أتركك.. سأنقذك. واقتربت منها حتى شارفت سريرها, رحت أتوسل إليها وأمد يدي لأنهضها من جلستها, لكنها رفضت متوسلة, متشبثا بكفها, بينما تشبثت يده على كتفي بقوه وهو يسحبني بقسوة, واجهته, كانت له عينان كسهمين ناريين, قال: ألم أحذرك؟. فلم أصدر أية حركة أو كلام, بل تضاءلت بين يديه. قال: ـ عرفت انك لا تختلف عن الآخرين, ولكنك واصلت الخطأ بتسللك إلى القصر دون علمي, لن أتركك هذه المرة. وأنا كالأخرس, قادني في ممر إلى آخر, أخذ القصر يتسع, وتتمدد جوانبه, كأني أدخل بناية واسعة, حتى أدرك غرفة, عالج قفل بابها ثم رماني داخلها, وتداخلت مع المكان المظلم, اجهل أبعاده, لكني زحفت يسارا ويمينا وقياما, فعرفت ان المكان ذو اتساع لا يتجاوز الأمتار القليلة, وطيئ السقف, لقد ضعت, وسوف يكون مقبرتي هذا المكان بعيدا عن أهلي ومدينتي, دفعني فضولي ومغامرتي إلى مثل هذه النتيجة المهلكة, لم اتخذ من كلامه عبرة ولا من المرأة ذلك, أبقاني دون طعام, شعرت باضمحلال جسدي, وعندما فتح كوة صغيرة أسفل الباب, دخل منها نور قليل وشيء من الطعام, هكذا لبثت, وتوالت الأيام بحيث ضاعت مني ولم استطع حسابها, كنت أتلمس شعر لحيتي الطويل, وأتابع نموه, غارقا في ذهول استحكم بي, وأخذني في ذهول سيطر علي, كنت أحاول حساب الزمن, لكن بدا مثل الزئبق, يضيع مني ما ان احاول حسابه, فليس ثمة نور استطيع ان استدل به, مستخدما الجدار لكي أحدث فيه خطوطا وعلامات تعنني على حساب الزمن, لكن دون جدوى, فالضوء الذي يوفره زمن انفتاح الكوة كل يوم لا يكفي, لقد ضيعت كل شيء, كل تاريخي راح هباء بين رجل لا يرحم وطموح غير مشروع, ولكي أسيطر على الزمن مزقت قطعة من قميصي كنت أقطع منه في كل يوم تفتح به الكوة, واضعا اياها في جيب بنطلوني, تاركا الزمن الذي مر بي سابقا, وهكذا عملت للسيطرة على زمني, لكني فوجئت بأن قميصي بدأ بالتلاشي وما عاد يسترني غير اني واصلت الحساب مرتجفا فترة, وشاعرا بالحر أخرى, وفي يوم داهمتني الحرارة, وازدادت مداهمة الحمى لجسدي, فاقدا الوعي, أهذي وأرتجف, وحين تحسنت حالتي لم أعثر على كل القطع التي كنت أختزنها داخل جيبي, وبهذا ضيعت زمني مرة أخرى, وواصلت العيش داخل سجني بلا زمن تائها مضمحلا متلاشيا, وفي يوم عالج الباب وسمعته يناديني بقسوة: انهض. لكني بصعوبة نهضت وأخذني من يدي عبر رواق, فاجئني الضوء فيه فأغمضت عيني, كنت أسير ببطء وينتابني الخوف, كان يسير بي من ممر إلى أخرى, حتى شارف بابا آخر, فتحه, فبان جوف الصحراء واسعا, دفعني باتجاهها قائلا: ها أنا اطلقك للصحراء فلا تفكر بالعودة واتجه من هنا فإن عودتك تعني موتك ولا تنس ذلك. حدقت به, وأنا فرح لذلك, فما دفعني بقوة شديدة أبعدتني عن القصر الذي تلاشى منظره وأنا أمام جدار من الظلام, كأن الدنيا قدّت من الفحم, لا ضوء لا حركة, ولا أثر استدل به, أنا الذي غمرت نفسي في هذا الجحيم, كيف يمكن التخلص من كل هذا؟ رحت أجري من فرط الخوف والغموض الذي واجهني في حين ابتدأت أصوات الذئاب تزاحمني, وتبث الرعب فيَّ انها ستدركني لا محالة, وستنهش جسدي تقطيعا, وهو انما فعل هذا ليتركني للذئاب المسعورة, بعد ان فقدت قدرتي. انها فكرة جبارة, هذا الحكم الذي أصدره ضدي, جسد بين مخالب الصحراء وقسوتها, آه لو قتلني منذ الوهلة الأولى, وخلصني, ولكن أي نفع أحصد من وراء هذه التصورات رحت أجري وأجري والأصوات تتكاثف, وتحاصرني من كل الجهات, أي اتجاه أسلك, ينبعث منه انينها وسعيرها وجوعها, كنت أتصور ان كل الجهات محفوفة بالموت, فاستمرأت الجري دون هوادة, كانت الأرض ترتفع ثم تنخفض, والرمال تتبعثر تحت قدمي, والحصى ينغرز فيهما, ويترك ندبا وجروحا, أرض مترامية, محفوفة بالغموض والموت والأنين, وأنا أجري, وأجري, فجأة انبثق ضوء باهت, في حواف تلال محيطة بواد عميق وبعيد على ما بدا لي, كان الوهج يتعثر بخفوت على جوانب التلال, وواصلت الجري باتجاهه بقوة واندفاع, يدفعني التوق إلى الحياة, والوادي يقترب أكثر وأنا أندفع بقوة, والوادي يقترب, والتعب يأخذ مني, ويترك في صدري لهاثا شديدا, وأنا أجري قبل ان تدركني الذئاب, خلتها تطاردني, وتحاول الانقضاض على جسدي, قبل وصولي إلى ضوء النجاة هذا, مما حفزني على مضاعفة الركض باتجاه الوادي الذي اقتربت منه, لا شيء يحملني سوى ساقين متعبتين ضعيفتين, انفتح الوادي بضيائه وبان سطوع الضوء على سطوح التلال التي تحيطه, وبصعوبة ارتقيت من أحد الجوانب, ارتقيت التل حتى شارفت على بطن الوادي, تطلعت لاهثا, كانت كومة من سواد أمام موقد نار شديد السعير في قصر الوادي, انحدرت على سفح التل نحو الكومة التي اخذت تتضح لي أكثر وتظهر معالمها, كانت امرأة ترتدي السواد, وتشعل النار أمامها, وهي تعالج شيئا بين يديها بالقرب من الموقد, حيث تنتقل كفاها من مكان إلى آخر, وأنا أقترب منها فرحا منتشيا في سري, مؤكدا اني لا أغامر بعد ذلك بحياتي هكذا, ولا أدخل بمثل هذه المغامرة الصعبة والمهلكة, فقد شارفت محطة الانقاذ ويبدو ان المرأة أحست بقدومي, إذ أخذت تتململ في مكانها, وأنا أقترب حتى أدركتها بحيث بدأت أسمع حسيس نار الموقد, وانفاسها وتمتماتها, لكني فوجئت بحركة يدها وهي ترتفع إلى الأعلى, وكأنها تحاول اسكاتي في اللحظة, غير انها استدارت بجسدها نحوي فبان وجهها قبيحا لا يمت إلى الإنسان بصلة, في فمها أسنان كالأنياب, سددت كفها ولطمتني, وحولت كل شيء إلى بريق ثم ظلام, كأني حُملت بقوة سحرية اثر الضربة, واسقطت في المدينة, وبين بيوتها لا شيء تبدل فيها, ترى أين المرأة والرجل والقصر والموقد, والصحراء؟ لا أدري كل شيء, وها أنني أحس بلهاثي وخوفي وتعرقي, ما زلت أشعر بالخطر, سرت مسرعا إلى زقاقنا, وأنا ألوذ من موت محقق, كيف حالهم الآن, كيف هي حال الفتاة داخل القصر, رحت أسرع الخطى, كانت قدماي تؤلماني بشدة وبصعوبة أطأ الأرض, وصلت دارنا ثم ضربته عدة ضربات بارتباك, سمعت حركة سير سريع باتجاه الباب من الداخل وصوت يقول: ـ من؟ قلت مختنقا مستنجدا: أنا! * أنت ومن تكون؟ ـ أنا سلمان! ـ ولم تطرق هكذا, كأن أحدا ما يلاحقك؟ ـ افتحي افتحي بسرعة فتحت الباب وقفت مشدوهة وأنا أحاول الدخول, لكنها صدمتني ومنعتني من ذلك, بأن دفعت الباب بوجهي وأنا أصرخ. ـ مابك يا امرأة, افتحي الباب!! ـ ومن تكون حتى افتح لك الباب ـ سلمان زوجك؟ ـ سلمان؟؟ هل جننت؟ ـ بالله عليك, أنا سلمان! استرقت النظر متفحصة, قالت: ـ سلمان؟ ابتعد يا رجل, أي سلمان أنت؟ ـ زوجك! ـ أغرب وإلا جمعت عليك الجيران؟ حاولت لكن دون جدوى ثم أسرعت, رحت أجوب شوارع المدينة من زقاق إلى آخر, ومن شارع إلى غيره, حتى تعبت, وكلت ساقاي, وحين شارفت, دكان الحلاق الذي اعتدت الحلاقة عنده, دخلت دون سلام عليه, اندفعت إلى الداخل حتى قاربت المرآة, لم أرى وجهي قط, تحركت , تحركت الصورة معي يمينا ويسارا, والرجل يحدق بي باستغراب, انه ليس وجهي, هذا الذي في المرآة ليس أنا, كان لي وجه كالح أسود كفوهة كهف مظلم, حدقت بالرجل وأنا أهم بالخروج مرددا: ـ تصور اني لست بسلمان, لست سلمانا, فمن أكون يا ترى؟ وهمت علي وجهي في المدينة حيث لا مستقر لي. ـ قاص عراقي مقيم في الأردن