خارج صالة الوصول وقف سائق التاكسي الذي جاء ليصحبني إلى تورينو, يرفع لافتة تحمل اسمي, واسم المعرض بالايطالية, كلمة لبرو تعني كتبا بالايطالية, كان السائق مهيب الهيئة, طويل القامة, أنيق الملبس, صافحته مرحبا, فوجئت به يميل على الحقيبة ويمشي بها, خجلت, وتذكرت نجيب الريحاني في أحد أفلامه, كان يجلس في فندق فخم, ربما ميناهاوس, وكان قد حل مكان شخصية هندية مهمة, مهراجا, وكلما جاء الجرسون الذي يرتدي الاسموكنج يقوم متهيبا ويؤدي التحية فيرغمه المساعدون على الجلوس, في أوروبا من عمل السائق أن يحمل الحقيبة, وأن يضعها في العربة. لم تكن عربة الاجرة عادية, إنما سيارة إيطالية حديثة جدا, جلست في المقعد الخلفي, ورحت اختلس النظر إلى شيئين, الى شاشة صغيرة توضح الطريق من خلال خريطة دقيقة جدا, وعداد السرعة, عندما دخلنا الطريق السريع تجاوز المؤشر المئة وثمانين كيلو مترا, الطريق خال, وأمامنا مسافة حوالي مئتي كيلومتر والعربة قوية (وربنا يستر) . صباح السبت - المتحف حتى الخامسة بعد الظهر يمكنني أن أفعل ما أريده, استيقظت مبكرا, خلال الاعوام الاخيرة, ألاحظ قلة ساعات نومي, مهما نمت متأخرا, ومهما كانت الفرصة متاحة للراحة, في المدن التي انزلها لأول مرة أفضل لقاء المباني والشوارع مع أول ضوء نهاري, المدن كالبشر في حاجة إلى اكتشاف دائم وتدريجي, أما أن نألف أو ننفر. هدفي الأول المتحف المصري, الفندق يقع في وسط المدينة, سألت موظف الاستقبال عن المتحف, تناول خريطة, حدد لي موقعه, ثم قال انه ثالث مبنى على الجانب المقابل من الشارع, مبنى أكاديمية العلوم. المبنى على مرمى البصر لحظة خروجي من الفندق, المتحف المصري فيه, مضيت متشدقا, خفيف الخطى, لرؤية الآثار المصرية في الغربة بعد آخر, لن أنسى أبدا زيارتي للمتحف البريطاني منذ اثنين وعشرين عاما, وقوفي حوالي ساعة أمام مومياء أحد الأجداد, مات قبل أن توجد دولة اسمها بريطانيا بآلاف السنين, وها هو في وقت الابدية معروض للناظرين (كان مدفونا على وضع الجنين في الرحم). كنت أول الداخلين إلى المتحف الذي يحتل ثلاثة طوابق في المبنى القديم, الذي يضم متاحف أخرى, لكن المتحف المصري منح اسمه للبناء كله, لا أحد يعرف مبنى الاكاديمية العلمية, لكن المتحف المصري معلم على خرائط المدينة وعند سائقي عربات الاجرة وسكان المدينة. بدأت بالقاعة الأولى, حيث النحت المصري القديم, ومع الخطوات الأولى أدركني ذهول مع توقعي لما سأرى, ورغم رؤيتي لآثار مصرية شتى في مدن عديدة بالغرب والشرق, أما أسباب الذهول فتحتاج إلى حديث مفصل. السبت - داخل المتحف كثيرا ما قرأت أن مجموعة متحف تورينو تعد الاضخم من ناحية الكم في العالم, وكنت أعجب دائما من ذلك, كيف وصلت هذه المجموعة؟ من استولى عليها, إلى أن قرأت كتابا شديد الاهمية ترجمه العام الماضي إلى اللغة العربية محمد مستجير مصطفى, من الفرنسية, عنوانه (اغتصاب مصر) , مؤلفه بيتر فرانس, ويحكي من خلال الوثائق والوقائع التفاصيل المذهلة لعملية النهب واسع النطاق التي تمت للآثار المصرية منذ بداية القرن التاسع عشر, لم يكن أحد في الادارة المصرية وقتئذ تحت حكم الباشا محمد علي يفهم القيمة الحقيقية لتلك الآثار, ولم تكن أسرار الحضارة المصرية القديمة قد عرفت بعد, كانت جهود العلماء لفهم اسرار اللغة القديمة متصلة, ولم يكن العالم العبقري شامبليون قد توصل إلى فك اسرار اللغة من خلال حجر رشيد الشهير, كان هناك جنون أوروبي بهذه الحضارة العتيقة, الغامضة, وتدفق المغامرون على مصر من جنسيات شتى, كان أشهرهم بلزوني الايطالي الذي زود المتحف البريطاني بأثمن ما فيه, ودروفيتي الفرنسي الذي باع مجموعته الثمينة الضخمة إلى إيطالي, وتلك أساس المجموعة التي توجد الآن في تورينو, أما الثالث فهو سالت الانجليزي, ولكل منهم قصة تستحق التوقف مطولا, لكنني أذكر ما يتعلق بدروفيتي هذا. جاء في كتاب اغتصاب مصر أن دروفيتي ولد في بيرومونتيز بفرنسا, كان خشنا واسع الحيلة, درس القانون قبل أن يلتحق بالجيش الفرنسي, وعمل كولونيلا مع بونابرت في مصر, وعند عودته إلى أوروبا في عام 1801 في سن الخامسة والعشرين عين قاضيا عسكريا في تورينو, وفي العام التالي جاء إلى مصر نائبا للقنصل في الإسكندرية, وحين اعترف الاتراك بنابليون امبراطورا لفرنسا رد البريطانيون بدعم المماليك في الاسكندرية, انحاز دروفيتي إلى محمد علي في صراعه ضد المماليك, وبعد مذبحة القلعة انفرد بحكم مصر, واصبح دروفيتي هذا من أقرب الشخصيات إليه, هكذا أصبح المتنفذ الاول في مجال الآثار القديمة, حتما أن محمد علي قرر ألا يقدم أي شخص على التنقيب في مجال الآثار إلا من خلال دروفيتي, وبذلك كان قادرا على عرقلة أي منافسين له, وبالتالي تمكن من اقتناء مجموعة ثمينة كان يتباهى بعرضها على زواره معلنا أنها ستزين متاحف باريس يوما ما, لكن قدر لهذه المجموعة أن تستقر في إيطاليا, كان رجال الدين في فرنسا يعارضون شراء آثار قديمة ربما تهدم مرجعية الكتاب المقدس, في النهاية باع أول مجموعة لملك سردينيا مقابل اربعمئة ألف ليرة إيطالية, تساوي بسعر ذلك الزمان ألف وثلاثمئة جنيه مصري, وبسعر عصرنا الحالي حوالي مائة وخمسين دولارا, أي والله تساوي مئة وخمسين دولارا بسعر الآن, تم توجيه المجموعة لتأسيس المتحف المصري في تورينو, أقام دروفيتي خلال سنواته الاخيرة في المدينة الايطالية, ثم بدأ يفقد عقله ودخل إلى مستشفى الامراض العقلية حيث قضي بها. في الطابق الاول, فوجئت بقاعتين فسيحتين خصصتا للتماثيل, أحد التماثيل لرم سيس الثاني مرتديا تاج الوجهين القبلي والبحري, عند قدمه حفر باسم دروفيتي, أصبح جزءا من تاريخ التمثال, أمام كل تمثال لافتة صغيرة توضح أنه جزء من مجموعة دروفيتي. لم تعد تدهشني ضخامة التماثيل وثقل أوزانها, ولم أعد أتساءل, كيف خرجت من مصر بعد أن قرأت كتاب (اغتصاب مصر) , لكن ما أذهلني في تماثيلنا أنه جرى انتقاء دقيق وصارم لأجمل قطع النحت التي عرفتها حضارتنا القديمة. توقفت طويلا أمام تمثال لم أر مثيلا له لرأس الملك تحتمس الثالث, المعروض هنا رأسه فقط, يرتدي التاج الابيض المستطيل, تاج الوجه القبلي, التمثال على هيئة الوزير, ورغم انني حرصت على اقتناء أكثر من صورة له, من خلال البطاقات والكتب التي تباع بالمكتبة الملحقة بالمتحف, إلا أنني لم أجد صورة واحدة يمكن أن تقترب من الأصل ولو بقدر, تمثال للرأس منتزع بوحشية من الجسد الأصلي, معروض في القاعة المكتظة من الحجر الجيري, لونه قريب جدا من لون البشرة الانسانية, في نظرته حيوية, ومن ملامحه تشع ابتسامة خافتة, غامضة, جعلتني أطوف بها, وأحدق طويلا, تنتابني مشاعر شتى, متخيلا وحدة هذه الابتسامة بعد انصراف الزائرين, واكتمال الفراغ, هلى تبقى هكذا؟ الطابق الثاني - العالم الآخر أتممت جولتي في الطابق الارضي بزيارة معبد صغير من معابد النوبة, تم فكه وتركيبه في تورينو بعد مشاركة ايطاليا في عملية انقاذ آثار النوبة التي سبقت بناء السد العالي, وخصص طابق تحت الأرض لآثار النوبة, احتوى على تماثيل خشبية نادرة, ومحتويات كاملة لمقابر تم اكتشافها قبل غرق النوبة. خصص الطابق الثاني للطقوس الجنائزية, امضيت به معظم الوقت وعدت إليه صباح اليوم التالي لثراء محتوياته, وجمالها وتنوعها, يكفى أن أذكر أمثلة مما يحوي, النص الكامل لكتاب الموتى, لفافات طويلة من البردي مفرودة بطول الجدران ومغطاة بزجاج سميك, يحوي الكتاب نصوصا مكتوبة ورسوما توضيحية غاية في الدقة والرصافة, وهنا أيضا بردية تورينو المشهورة, أحد أهم مصادرنا لمعرفة ترتيب ملوك مصر الاقدمين, ومثلها في الأهمية قائمة ابيدوس المحفورة على جدار المعبد الشهير الذي وصل كاملا. الآثار المعروضة هنا, مجموعات من الأواني الجنائزية, والتماثيل واللوحات الجدارية التي تمثل مشاهد مما يجري في العالم الآخر, المفاجأة كانت وجود مقبرة مصرية قديمة كاملة بكافة محتوياتها, انها مقبرة النبيل خا وزوجته, اكتشفت عام 1906 في دير المدينة بالاقصر, ويرجع تاريخها إلى الاسرة الثامنة عشرة, إلى ألف واربعمئة سنة قبل الميلاد, المحتويات كاملة, بدءا من المومياء, إلى الملابس المنسوجة من الكتان, إلى الاثاث, إلى الاوعية المستخدمة في الحياة, وتلك اللازمة للعالم الآخر, كذلك الطعام, رأيت أرغفة مخبوزة محفوظة بحالة جيدة, عمرها ثلاثة آلاف وأربعمئة سنة, وتمرا, وثمار دوم, لم أعرف محتويات كهذه إلا في مقبرة توت عنخ آمون التي تحتل محتوياتها طابقا كاملا في المتحف المصري بالقاهرة, غير أن الفارق شاسع, فمقبرة خا بمحتوياتها أقل تواضعا, لكنها مؤثرة بشكل عميق, لأنها تحوي اغراض اسرة عادية وتصور كافة جوانب الحياة اليومية, أما محتويات مقبرة توت عنخ آمون, فكانت لملك مات شابا, فيها المجوهرات والعربات الحربية, والزهور, والاقنعة الذهبية. فرق شاسع, لكن يتساوى كلاهما في أن المحتويات العادية, وتلك الأكثر ثراء وصلت إلينا وحيدة, وغريبة, اما اصحابها فرحلوا, ملوكا كانوا أو نبلاء أو بشرا عاديين.