الشعر ديوان العرب, مقولة درج عليها الأدب العربي, حيث ظل الشعر لفترة ليست بالقليلة مناط الارتكاز, والمؤرخ الفعلي لأحوال العرب خاصة أهل الجزيرة منهم, فإن كان للشعر طواعية جلية ولغة حافلة محتفية بما تجيش به قريحة الشاعر, فماذا يحدث إذا كتبت الشعر امرأة, حيث يظل للمرأة بصمتها الوجودية واحساسها المتفرد في أنواع الكتابة شتى, فهي ـ الشاعرة ـ صاحبة الهاجس الدائم والسيرورة الفعلية المعبرة عن قضاياها الآنية المعيشية وهذا الهاجس الحامل لقضايا جدية باتت تعانيها الأنثى أو يعانيها مجتمعها هو ما أنتج ديوان الشاعرة الاماراتية صالح غابش (المرايا ليست هي 1997, اليت حاولت ان تجعله سجلها التدويني الخاص المبلور لقضايا لا تخصها وحدها,بل هي قضايا الأنثى والمجتمع والحياة. يطالعنا الاهداء في بداية الديوان باعتراف من الشاعرة أنها لا تجرؤ عليه ويحاول المتلقي الاجتهاد في تفسيره, بعد التوقف مليا أمامه كاشفا عن سر التوجس الخفي الذي يفرضه هذا الاهداء, فما المخزون الذي تتهيب الشاعرة البوح به, وهو ما يحيلنا إلى اللغة الشعرية المهيمنة على الديوان, فعندما تضع الشاعرة عنوانا واحدا لقصيدتين طويلتين في الديوان يفرق بينهما الرقم ولم تكن الأولى ـ أبدا ـ بمثابة اكمالا للثانية, بل كلتاهما من دفاتر ضائعة. مشاهد متباينة ضمنتها الشاعرة في قصيدة من دفاتر ضائعة (1) عبر عناوين متفرقة يحمل كل عنوان منها فكرة مختلفة في القصيدة, فتحت عنوان داخلي هو ثمرة نجد اللغة الشعرية تتجلى فيها صورة المخاطب فتقول: ثمرة هكذا أنت تفاحة آيلة لسقوط على كف ريح تمزق كل السلال المعدة منذ مواسم مختبئات وراء التلال ليوم الحصاد ان الشاعرة ترسم صورة شعرية بواسطة قنوات الاتصال بين المخاطب (الشاعرة) والمخاطب الموجهة له الشاعرة الخطاب بـ (أنت) واصفة اياها بأنها تفاحة محترزة لهذا الوصل ـ على الرغم مما توحيه أيقونة التفاحة من جمال فائض بالمعاني الجميلة بأنها آيلة للسقوط, مطعمة الوصف بصورة تشبيهية للريح وكأنها انسان له كف قد ضمت التفاحة, التي من القوة بمكان لدرجة انها تخرق الحجب, لا سلة واحدة عند الدفعة القوية لسقوطها, بل لسلال متواريات. فكيف للحصاد ان يتحقق مادامت تبرز تلك الصورة الشعرية التشاؤمية التي تؤول كل أطرفاها إلى بعضها, فالتفاحة (المرأة المخاطبة الموصوفة) آيلة للسقوط, وتسقط, وتمزق السلال, فكيف يتم الحصاد؟ وأيضا وسط الصورة المفعمة بها تلك القصيدة, نجد الشاعرة تقدم صورة أخرى من صور الخطاب لكنه ـ هنا ـ خطاب السرائر, خطاب غير كاشف عن نفسه, إلا مع نهاية المقطع فتقول الشاعرة: شوق يغيب المساء وراء سديم انتظاري ويتركني في بقايه أشعل صمت افتقادي إليك فقد أرادت الشاعرة ان تعبر عن مشاعر الافتقاد مصورة نفسها في آن انتهاء اليوم, فالزمن الذي تصفه فيه الشاعرة حالة افتقادها يقع آناء الليل ـ على الرغم من عدم التصريح المباشر بالوقت ـ لكن تكفي الجملة المضارعة (يغيب المساء), فضلا عن تكريم حالة الفقد التي تعانيها الشاعرة والمتسترة وراء سديم انتظارها, والذي تعود ناسبة إليه جزءا من باقي زمن الليل الذي تقدم له الشاعرة صورة صمت الافتقاد بأنه شيء قابل للاشتعال, ثم في آخر المقطع ذلك الشوق الفائض إلى المخاطب.. وحالة الافتقاد هذه هي التي تسيطر على تلك القصيدة الطويلة المفعمة بالتساؤلات إلى جانب الافتقاد. تغاير الحالة الشعرية المهيمنة على (الدفاتر الضائعة 2) تلك الحالة التشاؤمية التي تسيطر على القصيدة السابقة (من دفتر ضائعة 1), ومن حرف يفيد الجزء, اي أن المذكور في القصيدتين بعض من كل, جزء من الدفاتر فقط هو المباح المعلن عنه, لكن الدفاتر جميعها اختزلت منها الشاعرة هذين الجزئين ليكشفا عن حالتين متباينتين للشاعرة, فالنزعة التشاؤمية الكاشفة عن حيرة جلية لها في القصيدة الأولى تضادها تماما الحالة الشعرية في الدفاتر الضائعة الثانية والتي منها تقول الشاعرة: فرح للمطر الذي أطل برأسه من شباكي أتزين أمام المرآة وأختار لقميصي عطرا ان الصورة الشعرية الفرحة التي تختطها الشاعرة وتصور وضع نفسها فيها تظهر ملمحا آخر من ملامح لغة الشعر البازغة منبئة عن موهبة الشاعرة في القبض على زمام اغراضها الشعرية. واستمرارا لحالة التفاؤل الكاسية لهذه القصيدة, نجد الشاعرة تصف حالتين ايجابيتين يتعرض لهما المطر ـ الدال على النماء ـ بين مناجاة الشاعرة وندائها له, وهو يتمتع بحالة الصلح ليس في أي مكان, بل على مائدة الحب وهو ما تبحث الشاعرة عن وصفه بلغة معجزة تحاول البحث عنها مستفسرة بأنها أية لغة تليق بوضع المطر هذا. السؤال الذي يطرح نفسه الآن, كيف تجمع الحالة الشعرية بين مرارة اليوم, والمسبب برؤية المخاطب, وفي الآن ذاته يكون هذا اليوم بمثابة احتفاء ليس بالشاعرة فحسب, بل بالمشاركين لها. يجسد مفتتح الأفعال الماضية صورة حقيقية جلية في الديوان, وتمثل ظاهرة تمثيلية مصورة مشاهد, ففي قصيدة (وجهك) نجد الشاعرة تجسد صورة كاشفة عن حساسية ابداعية حقيقية ومهارة تؤكد فكرة المفتتح التمثيلي المُصوَّر, فتقول: انهزمت على شفاه نجمة بسمتها لما رأتك تقطنين موطنا يحتضن احتراق قلبك الحزين في يد وفي اليد الأخرى ممالك الجليد ان الصورة الشعرية التي ترسمها الشاعرة ببلاغة تشبيهية حيث النجمة ليست لها شفاه, بل هي كاشفة عن هزيمة الانسان أمام أقداره تؤكدها التضادات التي بين اليدين فالأولى تحمل حرقة القلب الحزين على موطن ماض تعس واليد الأخرى تغايرها في الحمل وتضادها, حيث لا تحمل مملكة واحدة للجليد, بل ممالك كثيرة. بللت جفني رؤاي الضائعة في مساء هجرته رفة الورد اذا النسمة غنت ومسارى غزلته السنوات فيه ضيعت مراياي لم أعد أعرف ما يحكيه للحزن محياي وحدها الصحراء مرآتي ومنديلي كفاي تصف الشاعرة هذا المساء الجاف الذي بلل جفنيها الضائعتين, والذي خلى مما يربطه ويحقق نداوته ومسار السنون الضائعة وقد أسبغت الشاعرة صفة الانسانية على مسار حياتها بعد مرافقته للحزن, فالسنون الضائعة هباء في المجهول يلائمها مرافقة الحزن. لقد حققت الشاعرة الاماراتية صالحة غباش في ديوانها (المرايا ليست هي 1997) الكثير من تقنيات الكتابة الحداثية التي تجسد بعض ظواهر قصيدة النثر التي حاولت من خلالها ان ترصد لنفسها تقنيات كتابة تسمها بميسم متعدد الاتجاهات من حيث القضايا التي أثارها الديوان ومن ثم يشعر بها انسان العصر الحديث والذي انتهى بالاستفهام الحالي أو الاستفسار عن حالة من المخاطب قائلة: أتراك تضحك وأنا أسأل لماذا سقط قلبي على موائد عالم يقتاتنا الوجع عليها.. أتراك تضحك؟ أتراك... فالشاعرة تتحدث إلى المخاطب مرة أخرى لتنتهي إلى عود على بدء وهو توجيه الخطاب إلى مخاطب مجهول باثة إياه أسئلة استنكارية عن فعل الضحك الذي يمارسه المخاطب وسط الصورة التعبيرية الكاشفة عن عالم مخيف ضارٍ يقتات الوجع, فأطراف الرسالة المخاطبة والمخاطب والخطاب المتمثل في فرح العالم لأوجاع الشاعرة وسط ضحك الآخر المجهول. القاهرة ـ عفاف عبدالمعطي