غداً ـ الثامن من يونيو ـ عيد من أعياد الجميلة, ففي مثله من عام 1919 أسس في دمشق المجمع العلمي العربي, فكان أول مجمع لغوي عربي استمرت مسيرته منذ تأسيسه حتى اليوم.كان انشاؤه في أعقاب انتهاء الحكم التركي, تلبية للحاجة الشديدة، إلى علاج الوضع اللغوي السقيم الذي خلفته قرون طوال من التخلف, طغت فيها اللغة التركية على اللغة العربية في كل شئون الحكم والادارة والتعليم والصحافة والصناعة والزراعة والتجارة والحياة العامة. وقد أسندت رئاسة المجمع إلى العالم والأديب الكبير محمد كرد علي, وكان أعضاؤه صفوة علماء وأدباء سوريا الغير على اللغة العربية المتحمسين لخدمتها, مثل الأمير مصطفى الشهابي, وخليل بك مردم, وسعيد الكرمي, وأمين سويد, وأنيس سلوم, وعبدالقادر المغربي, وعيسى اسكندر المعلوف, وطاهر الجزائري. ثم سرعان ما انضم أعضاء آخرون من العلماء والأدباء, مثل الشيخ عبدالقادر المبارك, والشيخ محمد الخضر حسين, ومحسن الأمين, والمطران ميخائيل بخاش, وفارس الخوري. وكان في مقدمة مهام المجمع, مهمة استبدال التركية بالعربية, والنهضة باللغة العربية إلى مكانتها الجليلة لغة حياة وحكم وعلوم وفنون وآداب وحضارة, ولقد قام المجمع بالمهمة خير قيام, حيث تولى بدأب ونجاح إنجاز تعريب لغة الدواوين, وإصلاح لغة التعليم والصحافة, كما بادر فعمل على جمع نفائس المخطوطات العربية المتفرقة في أنحاء البلاد, وأنشأ لها مكتبة خاصة, وحقق ونشر نخبة من نوادر كتب التراث العربي في اللغة والتاريخ. وعمل المجمع الشيء نفسه بالآثار الحضارية المبعثرة في البلاد, وأنشأ لها متحفاً خاصاً, أنشئت له فيما بعد مديرية الآثار العامة. ونشرا وتعميما للفائدة من نشاطه, أصدر المجمع مجلة كانت بحق منبرا للدراسات اللغوية والثقافية العربية, كما نظم سلسلة من المحاضرات العامة القيمة في اللغة والأدب والتاريخ, لاقت إقبالاً جماهيرياً عظيماً. إن التاريخ يشهد لمجمع دمشق بسخاء العطاء ونجاح الرسالة, ويكفيه فخراً ان كان من ثمار جهوده, تلك التجربة الرائدة الناجحة في تعريب دراسة الطب في الجامعات السورية.