يشتغل المفكر التونسي أبو يعرب المرزوقي منذ منتصف سبعينيات القرن العشرين في مجال الفكر الفلسفي الاسلامي, وقد تكلل اهتمامه بكتابه (آفاق النهضة العربية) حيث يكرس الجهد الفكري فيه ليجيب عن سؤالين مصيريين عن ماهية علة توقف الابداع، عندنا في مجالات القيم الخمس الجمالية والأخلاقية والمعرفية والتوجيهية والشهودية, وكيف يمكن تغيير القبلة الانسانية من جديد بفتح الآفاق التي حددتها ثورتنا الاولى وغفلنا عنها فلم نفهم سرها الى حد الآن بحكم الاستسلام لتلك الفلسفة وسيطاً وحديثاً. البحث عن الإجابة هو مدار فصول الكتاب الأربعة التي اتخذت بابين بأربع مقالات, في الأول يتناول الوجه التصوري من الأزمة وحلولها, وفي الثاني يدرس ما هو سائد في البائد المتعلق بتحقيب العقل الانساني, أما الباب فيتناول الوجه الفعلي (العملي والواقعي) من الأزمة ويدرس فيه ظاهرة العولمة ثم مأزق الحضارة الانسانية والكونية البديلة. في الأولى يخلص (المرزوقي) الى نتيجتين, هما تصفية الحساب مع الماضي الأهلي والتعامل معه بصفته ماضيا لم يبق منه حياً إلا الفعل المؤسس لحضارتنا .. ثم تصفية الحساب مع ما حصل من الحضارة الانسانية من دوننا. فيما يتعلق بالمقالة الثانية نلاحظ أن المؤلف يشتق مجموعة من المفاهيم الفكرية من التراث الديني والفلسفي الاسلامي, ومن ذلك ما يسميه بـ (السؤال الابراهيمي) و(السؤال السقراطي) ليشير إلى مصدري الفكر الانساني, الديني ولفكري الوضعي, أي الإرث الرباني والإرث البشري, ويرى هنا أن أهمية السؤالين فقدا في فكرنا ووجودنا فانعدمت الحياة المبدعة بفقدانهما. في إطار هذا الشرخ الكبير يتوجه المرزوقي الى دراسة العولمة, وفي ضوء معالجته لهذه الظاهرة يطرح المرزوقي مفهومان أساسيان, حول قضية العولمة وعلاقتنا بها تصورا وفعلاً, لكننا سنقابل بين العولمة الحلولية التي تستبد بالكون والكونية الاستخلافية التي تسعى إلى تحريره من آثار تأليه الانسان وإفساد الوجود ومن عللهما, فالبحث في إشكالية العولمة لا يمكن أن يفلح من دون الانطلاق من مجموعة مفارقات يتناساها أكثر المتكلمين فيها تهرباً من وضع المشكل الرئيسي في الأزمة الحالية. من هذه المفارقات ما يتمثل في كون إثارة هذه الإشكالية تبدو في الظاهر دفاعاً عن الذات والهوية الحضارية لكنها في الحقيقة مستندة إلى اليأس منها. المفارقة الثانية ترى في القبول بما أصبح يعد الآن شرور العولمة كان المطلب الرئيسي, وهذا يجعل المفارقة الثالثة تتمثل في كون المبالغين في إثارة إشكالية العولمة يحصرونها في اعراض سطحية تتعلق بما يتهدد استفرادهم بمزايا العولمة في مجتمعاتهم. أما المفارقة الرابعة فتجعل من لا يقبل بهذه الوساطة الوصية لا يستحي من القول: لم يعد لنا ما نخشى عليه من العولمة. المفارقة الخامسة, هي ان العولمة الحقيقة مسألة ميتافيزيائية, ذلك ان العلة العميقة لغرق واضعي إشكالية العولمة عدم السعي الى فهم الظاهرة ذاتها. على ضوء هذه المفارقات الخمس يفصل (المرزوقي) الكلام في ظاهرة العولمة في الباب الثاني من كتابه من حيث ظواهرها وحقيقتها وضروب أشكالها وطبيعتها ومستوياتها وعلاقتها بأزمة حضارتنا العربية, ثم يعرج على طرح البديل الفكري والعملي لهذه الظاهرة ويلخصه بمفهوم (الدولة الاستخلافية) ويعدد أركانها لكنه ينبه إلى ان هذه المحاولة البنائية ليست تاريخاً, كما انها لا تستهدف رد التاريخ الى بعد واحد هو البعد الديني كما قد يتبادر إلى الوهم بحكم اتخاذنا إياه في حيز معاني التاريخ أو في الوعي الشهودي زاوية نظر لإشكالات الوجود الانساني في تاريخنا. في خاتمة الكتاب يقودنا المرزوقي الى جملة من الاسئلة المعلقة بالفكر العربي الحديث والمعاصر في كل اشكاله, ويعرض الى الاسئلة التي يثيرها أصحاب المشروعات الفلسفية والفكرية بل والدينية ويرى: أنه لا يزال تصور الأزمة عندنا مقصوراً على السؤال الفاسد المتمثل في العبارة: لماذا تقدموا وتأخرنا؟ كما انه يرى في الفكر الفلسفي العربي انه لم يتجاوز مرحلة الفكر الكلامي بعد, ويؤكد ما ذكره في مقدمة الكتاب من ان: فكر النهضة العربية لم يزل الى الآن دون فكرهما تشخيصاً للداء وتقديماً للدواء.