عندما جاء الاسلام بنوره وعدله, أعلى من شأن المرأة مؤكدا حقوقها, واحاطتها الشريعة الاسلامية السمحاء بمبادئ العدل, وأقرت لها حق الحياة الكريمة بعد ان كانت موضع كراهية منذ ولادتها, ومنحتها نصيبها في الميراث وحق التصرف في مالها مهما عظم هذا المال, وذلك كي تبيع وتشتري, وتهب وتوصي, وتمتلك ما تمارس به حقها الكامل في العمل. وقد انصف الاسلام المرأة في حقوقها المدنية, فسمح لها بأن تزوج نفسها أو تطلق ـ تخلع ـ زوجها. ولا أريد أن أمضي في المزيد من التفاصيل, فالمؤكد ان المرأة في الاسلام حصلت على كل ما يبرز شخصيتها الاعتبارية الكاملة, ليس بوصفها تابعا ذليلا مكسور الجناح, وانما بوصفها كائنا انسانيا كرمه الله بالعقل. والتاريخ الاسلامي مليء بنماذج كثيرة لنساء نبغن في علوم الدين من فقه وحديث وتشريع, وفي علوم الادب التي تضم الشعر واللغة. ولا يستطيع قارئ للادب العربي ان يتجاهل عشرات الشاعرات على امتداد التاريخ العربي الطويل وقراء (الف ليلة) بوجه خاص كما سبق أن أشرت في استراحة سابقة, يذكرون حكمة شهرزاد التي قرأت علوم العرب وعلوم العجم, وكان لذكائها الفضل في انقاذ بنات جنسها من بطش الرجل, وافساح المجال أمامهن للتفوق في العلوم والمعارف. وحتى لو قيل ان (الف ليلة) تنتسب الى اصل غير عربي, هو كتاب (هزار أفسانة) الفارسي الاصل فيما قيل. فان الحكايات العربية التي أضيفت الى الاصل غير العربي كثيرة جدا الى الدرجة التي تؤكد عروبته, ومنها حكاية الجارية تودد التي تفوقت ـ في حكايات ألف ليلة العربية ـ على كل علماء زمنها في بغداد القديمة. ولم يقتصر أمر المرأة الاسلامية على التميز في الادب والمعرفة فحسب, بل جاوزت ذلك الى مجالات رسمية بالغة الأهمية, فبرزت في سوق العمل كمحتسبة في عهد الخليفة عمر بن الخطاب, ورئيسة محكمة مثل أم الخليفة المقتدر, ولم يكن هناك أي اعتراض من اي شكل على الوجود الفاعل للمرأة في المجتمع الاسلامي الصاعد ومشاركتها الرجل في هموم النهوض بالمجتمع. ولولا ذلك ما استطاعت المرأة في المجتمعات الاسلامية ان تصل الى كرسي الحكم, فتغدو ملكة مثل شجرة الدر, وتصل في عصرنا الحديث الى منصب رئيسة وزراء في بلدان اسلامية مثل الباكستان وتركيا, فضلا عن بقية المناصب المعاصرة, ابتداء من منصب الوزيرة او السفيرة او المديرة وليس انتهاء بمناصب الطبيبة والاستاذة والمهندسة والعالمة.. الخ ولا يعني ذلك ان تاريخ المرأة العربية كان دائما مفروشا بالورود, فما اكثر اهل التزمت والتعصب الذين حاولوا, طوال عصور التاريخ الاسلامي, منع المرأة من ممارسة حقوقها التي اقرها الاسلام, كما حاولوا التقليل من شأنها, والتشكيك في كل بنات جنسها, والهجوم المتواصل عليها. ولكن لحسن الحظ كانت التيارات العقلانية طوال التاريخ الاسلامي تقف في صف المرأة, وتفتح امامها الابواب التي كان يغلقها التقليديون من ذوي العقول الضيقة ولذلك واصلت المرأة طريقها الصاعد في الحضارة الاسلامية, معتمدة على التيارات العقلانية التي استندت اليها, ووجدت في وجودها ما يحمي انطلاقها للاسهام في كل الانشطة التي تغتني بها الحياة. وكان من نتيجة ذلك ان اصبح لدينا تراث غير مسبوق من انجاز المرأة في الحضارة الاسلامية. ويكفي ان نعود الى كتب (الطبقات) القديمة لنرى من (اخبار النساء) و(تراجم) النساء في كل المجالات ما يؤكد الثراء الاستثنائي لهذا التراث. وقد انقطع صعود المرأة في الحضارة الاسلامية مع فترات الاضطراب السياسي وعصور الهزيمة التي ادى اليها التعصب المقيت والانغلاق الجامد. ومع ذلك ظلت المرأة تتطلع الى المزيد من الادوار التي تستطيع اداءها رغم قيود المتزمتين, وظلت تحلم بحقها العادل في التعليم الذي منعها منه دعاة الجهل في عصور التخلف, واستمر الوضع على هذا الحال من الاظلام الى ان جاءت النهضة العربية الحديثة العقلانية الواعدة. ولذلك لم يكن من المصادفة ان تبدأ الاصوات الاولى في تعليم المرأة من داخل الازهر في مصر, وبواسطة شيخ استعاد عقلانية الحضارة الاسلامية في تكوينه الفكري, اعني الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي الذي كان أول من كتب في مصر عن سفور المرأة وأهمية تعليمها, وكان ذلك بعد ان عاد من دراسته في فرنسا, ورأى تقدم المرأة فيها, وحلم بأن تحتل المرأة في بلده المكانة نفسها من التقدم الذي تستحقه بحكم تاريخها المجيد وحضارتها الاسلامية العظيمة ولذلك تعهد رفاعة الطهطاوي لزوجته كتابة بأن لا يتزوج عليها, وان لها الحق في تطليقه اذا اخل بتعهده. وظل يواصل جهوده الى ان نجح ـ هو وتلميذه علي مبارك ـ في اقناع اسماعيل باشا حاكم مصر, في ذلك الوقت, بانشاء المدرسة الاولى لتعليم البنات. وبالفعل افتتحت هذه المدرسة سنة 1873, وكانت البداية الرسمية لانتشار تعليم البنات على امتداد مصر كلها, وقد ألف رفاعة الطهطاوي كتابه الرائد (المرشد الأمين في تعليم البنات والبنين) بمناسبة افتتاح هذه المدرسة, فكان بذلك رائدا في تعليم المرأة والاعداد التربوي لاجيالها الناشئة. واذا كان انشاء المدرسة الرسمية الاولى لتعليم البنات (المدرسة السنية) نتيجة مباشرة لجهود رفاعة الطهطاوي وتلميذه علي مبارك, كما كان نتيجة حلم الخديوي اسماعيل في ان يجعل مصر شبيهة بأوروبا في التقدم, فان انشاء المدرسة في الوقت نفسه كان نتيجة غير مباشرة لعمليات التحديث المستمرة في مصر منذ عهد محمد علي, وليس صدفة ان يكون محمد علي هو اول حاكم مصري يتقبل فكرة تعليم البنات في بعض المجالات التي يحتاج اليها المجتمع, فهو الذي انشأ مدرسة المولدات سنة 1832, وسمح لرفاعة الطهطاوي ان يكتب ما يريد عن المرأة, ويسمح للجاليات والارساليات الاجنبية بانشاء مدارس خاصة. ومن مدرسة المولدات التي انشأها محمد علي تخرجت امرأة رائدة لا يعرفها الكثيرون وهي جليلة تمرهان التي كتبت مقالات في مجلة (يعسوب الطب) (اليعسوب هو ذكر النحل والرئيس الكبير فيه) وكانت الكاتبة الصحفية الاولى على امتداد الوطن العربي. وقد كانت جليلة تمرهان نموذجا لطليعة زمنها من النساء اللائي لم يقبلن سجن الحريم, وخرجن الى الحياة العامة نتيجة ما اتيح لهن من امكانات في عصر محمد علي اولا, وعصر اسماعيل ثانيا, وكانت النتيجة ظهور دور المرأة الكاتبة في الصحافة المصرية والعربية, حتى من قبل ان يصدر قاسم امين كتابه عن (تحرير المرأة) سنة 1899. ويكفي ان نتذكر في هذا السياق هند نوفل التي انشأت في شهر نوفمبر 1892 اول صحيفة نسائىة بعنوان (الفتاة) . وهي صحيفة شهرية, استقطبت اقلام الاجيال من الكاتبات المصريات والعربيات وفتحت الطريق بعدها لانشاء العديد من المجلات والصحف النسائىة.