شكلت مسيرة الدراما السورية منذ نشأتها انعطافا مهما في مسيرة الدراما العربية فقد قدم الرواد الأوائل الدراما السورية بأسلوب فيه الكثير من عناصر الجذب والتشويق التي شدت الجمهور العربي بمختلف فئاته.وفي العقد الأخير انتشرت الدراما العربية انتشارا واسعا عبر المحطات الفضائية، وأصبحت تشكل تيارا دراميا قائما بحد ذاته فيه الكثير من الأنواع الدرامية ابتداء من الكوميديا وانتهاء بالتراجيديا وأعمال الفانتازيا والأعمال التاريخية والاجتماعية. وفي زمن أصبح فيه اضحاك الناس امرا صعبا تصدت الدراما السورية للأعمال الكوميدية وقدمت العديد من المسلسلات والأعمال الناجحة في محاولة للهروب من هموم الحياة ومشاكلها بأسلوب جميل ومقنع لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذه الفترة هل استطاعت الكوميديا السورية تقديم سمات خاصة بها أم أنها كانت عبارة عن لون درامي بعيد عن كل مظاهر الخصوصية والتميز؟ هذا السؤال والعديد من الأسئلة المتعلقة بمسيرة الكوميديا في الدراما السورية توجهنا به الى عدد من أصحاب الخبرة والاختصاص ممن قدموا هذا الفن الجميل وكانت لهم هذه الآراء التي سنعرضها بالتفصيل. يقول الفنان دريد لحام: اعتقد أن ما يميز الكوميديا السورية أنها ليست كوميديا مجانية فهي تبحث عن الهدف وعن الابتسامة في وقت واحد وعادة ما نلاحظ ان أغلب الذين يحاولون تقديم أعمال كوميدية يبثون عبر الضحكة او الابتسامة هدفا اجتماعيا او وطنيا فمنذ بدايات الكوميديا الشعبية كان حكمت محسن يقدم القالب الكوميدي الذي تجد فيه العبرة والموعظة كذلك اغلب الذين عملوا في مجال المنولوجات كالمرحوم سلامة الأغواني الذي كان يقدم منولوجات كوميدية هادفة لدرجة انه تعرض لمضايقات الفرنسيين آنذاك بسبب تصدي منولوجاته للاستعمار بشكل او بآخر عن طريق الكلمة.. وتنسحب هذه السمة على الكوميديا التي أتت بعد ذلك فمن يراقب حاليا الاعمال المسرحية حتى ولو كانت قليلة او الاعمال التلفزيونية التي تتعامل مع الكوميديا يرى فيها هذا الجانب واستثني هنا بعض الاعمال التي تقدم لمجرد الاضحاك وهذا ليس عيبا لأنها تدخل السعادة الى قلب انسان مهموم لان الاضحاك هدف انساني نبيل وتحقيقه ليس أمرا سهلا فدائما في الكوميديا لا توجد حلول وسطى فإما ان يكون العمل جيدا او رديئا على عكس التراجيديا التي تحتمل الحلول الوسط في هذا المجال. ويمكنني القول ان الكوميديا ربطت نفسها بالنقد سواء كان هذا النقد اجتماعيا ام سياسيا ام وطنيا ويمكن ان نطلق على الكوميديا السورية اسم الكوميديا الهادفة او الناقدة لأنها حملت هذا العبء ولان صانعيها يشعرون ان من واجبهم توظيف الضحكة لتحريض الفكر نحو الأفضل وبالتالي فان غالبية الأعمال الكوميدية منذ مرحلة حكمت محسن وحتى الان حملت سمة قول شيء ما من خلال الابتسامة. لا لون لها الفنان ياسر العظمة يقول: لا يمكننا اعتبار رحلة الكوميديا السورية طويلة اذا ما قيست بعدد السنوات لذلك نجد أنها لا تمتلك سمات خاصة او مميزات تدل عليها بعكس الكوميديا المصرية التي نجد أن لها نكهة خاصة وأسلوباً يعتمده معظم فنانيها كبيرهم وصغيرهم لذلك نجد أن نجاح أحدهم دون الاخر نجاح نسبي فالجميع في الكوميديا المصرية ينهل من المصدر نفسه من حيث الحركات والمبالغات واللغة والإيماءات ولا أقول هذا الكلام من باب ذم فناني الكوميديا في مصر فهناك الكثير ممن أحبهم وأعجب بهم ولكن الصبغة التي صبغوا فيها ادائهم أصبحت صفة مميزة لأعمالهم. أما الكوميديا السورية فعلى الرغم من حداثتها النسبية نجد ان لا لون لها على الاطلاق كل فنان سواء كان ممثلا او مخرجا او كاتبا يكتب على مزاجه فاذا ما نجح مسلسل ما عمد الآخرون الى تقليده وسرعان ما نجد على غرار هذا المسلسل الناجح عشرات المسلسلات المشابهة والمطابقة والمشوهة كنسخة باهتة لصورة فوتوغرافية قديمة. لذلك ارى أنه لا توجد للكوميديا السورية شخصية محددة وأغلب ما يقدم مجرد محاولات فاشلة فنيا ولكنها ناجحة جماهيريا ولعل ذلك يعود لقلة الأعمال الكوميدية وندرتها. تجارب واجتهادات الفنان أيمن زيدان يقول: أرى أن عمر الكوميديا في سوريا ممتد الى فترة طويلة منذ تجارب أبي خليل القباني لذلك اعتقد ان هذه الكوميديا قدمت عبر تطورها محطات مهمة لها هويتها فتجارب المرحوم عبد اللطيف فتحي هي نوع كوميدي اعتمد الفارس, كجنس فني صارخ في أغلب الفصول المرتجلة التي قدمها وحتى في مجال المسرح الاجتماعي المونودرامي كانت هناك اعمال (صابر افندي) كذلك المرحوم حكمت محسن الذي قدم اقتراحا ارى أنه هام على المستوى الشعبي ولم يتم تجاوزه حتى هذا التاريخ حيث استطاع نقل نبض الشارع الدمشقي وقدم من خلال الكركترات والنماذج الشعبية التي لاتزال تعيش حتى الان كشخصية ام كامل وابو فهمي.. وأعتقد ان هذه الشخصيات اكسبت الكوميديا السورية هويتها في مرحلة من المراحل بعدها جاءت تجربة الثنائي دريد لحام ونهاد قلعي اللذان استطاعا تقديم نموذجين بقيا في الذاكرة حتى اليوم ولاحقا اصبح هناك نماذج أخرى مثل ابو رياح ـ فطوم وبالتالي نجد دائما ان الكوميديا السورية كانت تستطيع في وقت من الأوقات ان تضع نماذج شعبية, ثم حدث انحسار واضح وصريح انتقلت الكوميديا من خلاله الى تجربة ياسر العظمة في (مرايا) والتي تناول فيها الهم اليومي من خلال مجموعة من النماذج بعد ذلك بدأت تجاربنا نحن الشباب كما في يوميات مدير عام وعيلة خمس نجوم وغيرها من الأعمال التي حاولنا فيها تقديم اقتراحات كوميدية على غاية من الأهمية على ما اعتقد لذلك أجد انه يوجد في التجربة الفنية السورية محطات قدمت فيها الكوميديا المتميزة بهويتها وخصوصيتها لكنه يجب الاعتراف دائما بان الكوميديا فن صعب وقد لا تتوفر فيه بشكل دائم الشروط والمناخ لخلق هوية خاصة وعلى الرغم من ان هذه المسألة في غاية التعقيد الا ان التجربة السورية تتميز بطعمها الخاص فهي غنية بالنماذج والاجتهادات الفنية الخاصة. تقول الفنانة نادين: من الطبيعي ان تكون هناك سمات تتميز بها الكوميديا السورية بدءا من أعمال الفنان دريد لحام الذي قدم لغة فنية مختلفة استطاع فرضها على الجمهور العربي والفنان ياسر العظمة الذي قدم لغة متميزة يتابعها الناس باستمرار وبكل شغف لأنها تمس همومهم ومشاكلهم اليومية بالإضافة الى بصمات المخرج هشام شربتجي وأسلوبية اخراجه للعمل الكوميدي اذ استطاع فهم لعبة الكوميديا وبالتالي التعامل معها بشكل صحيح عبر العديد من الأعمال. وما يميز الكوميديا السورية ان فيها لغة جديدة غير مستهلكة تحترم عقل المشاهد ولا تقدم الأحداث بشكل تهريجي سافر دون معنى وهذه السمة مهمة للغاية في مسيرة اي دراما تبحث عن الحضور والتميز. الفنانة منى واصف ترى انه: يجب الاعتراف اولا بعدم وجود نص كوميدي متكامل وعلى هذا الاساس نجد ندرة في وجود كتاب متخصصين في مجال الكوميديا وأغلب ما يقدم لا يعدو مجرد اجتهادات فردية لمن احب تقديم رؤية فنية مختلفة نوعا ما.. لذلك أعتبر تجارب الراحل حكمت محسن والفنان الكبير دريد لحام ونهاد قلعي اللبنة الاولى في مجال الكوميديا السورية بعدها جاءت مجموعة من الفنانين الذين قدموا هذا الفن الراقي والجميل مع عدم نسيان ان الكوميديا شأنها شأن بقية أنواع الكوميديا الأخرى مرت بمراحل مختلفة من الركود والكمون حتى وصلت الى مرحلة الانتشار عبر المحطات الفضائية هذه الأيام وذلك بفضل جيل الشباب من المبدعين في هذا المجال. كوميديا الفرد يقول المخرج هشام شربتجي: لو تم اجراء دراسة متأنية للمراحل التي مرت بها الكوميديا السورية منذ عبد اللطيف فتحي فمحمود جبر ودريد لحام وياسر العظمة يمكن استخلاص نتيجة فورية من تلك الأسماء وهي كوميديا الفرد الذي تحيط به مجموعة من الممثلين من الدرجة الثانية ليمهدوا له وللنكتة التي سيقولها سواء كانت هذه الكوميديا لفظية او حركية او مقالب كما لدى دريد لحام او الكوميديا التي تستنكر عطف المشاهد فتكون فشة خلق مثل (مرايا) ياسر العظمة.. لكن سمة الكوميديا الجديدة انها تعتمد على مجموعة من الأشخاص وتآلفهم كما في مسلسل (عيلة خمس نجوم) أو (يوميات مدير عام) الذي كان بطله أيمن زيدان لكن كل من حوله كان بطلا أيضا. لذلك ارى ان الكوميديا يجب ان تؤثر وتتأثر في كل ما يحيط بها وما كان يضحكني في الستينيات لم يعد يضحكني الان فالأزمات الاقتصادية والأفكار وطرق طرح النكتة كلها أمور أصبحت مختلفة وكلما كانت الكوميديا متطورة مع العصر وتأخذ من أدواته فسيكتب لها ان تعيش فترة أطول وهذا ما أعتقد أن الكوميديا السورية تسعى لتحقيقه في هذه الفترة مع احترامي لكل التجارب السابقة في هذا المجال والتي أغنت مسيرة الكوميديا بلا ادنى شك. فقدان الكوميدي المختص المخرج نبيل المالح يرى أن: للكوميديا السورية التلفزيونية مدارسها واتجاهاتها وهناك ايضا اعمال مفردة لكنها تحمل قيمة كوميدية متميزة مثل مسلسل (صوت الفضاء الرنان) وأعمال الكوميديا الحوارية التي تعتمد على الحوار والنموذج مثل (عيلة خمس نجوم) لكن اجترار النموذج افقد الفكرة والاسلوب جمالها وهناك أعمال كوميدية أخرى لا تبقى في الذاكرة لكنها تقع في منطقة لا تكون فيها كوميديا حوارية او بصرية او كوميديا الموقف بشكل مطلق بينما هناك أشكال كوميدية اصبح لها منهجية واضحة مثل اعمال ياسر العظمة ودريد لحام. وفيما يتعلق بتجربتي في الكوميديا فهناك مسلسل (حالات) وهو عمل صامت اعتمد على الفكرة التي قد لا تكون كوميدية دائما بل سيريالية او رمزية في بعض الأحيان اما مسلسل (سري للغاية) فقد اعتمد على الكوميديا البصرية اعتقد أنه ينبغي ان يفتح المجال لمطالعات مختلفة لأننا لا نملك من الناحية الواقعية الممثل المختص كوميديا إلا عدا نموذجين او ثلاثة لأن الممثل لدينا ينتقل من صيغة لأخرى فلا يستطيع تطوير أدواته الفنية.