يكثر اللصوص الحديث عن الأمانة, والكذابون يفتتحون أحاديثهم باليمين المعظم, والسجناء المنحرفون الذين تلتقيهم كاميرا التلفزيون يتحدثون عن الاستقامة التي سيتخذون منها منهاجاً حياتياً, مع أنهم أصحاب سوابق, وكلما غادروا السجن عادوا إليه كاسبين غانمين, وأما النقاد (أشباه النقاد) الذين يتصدرون صفحات الصحف والمجلات من مبدأ المثل القائل (من قلة الزفر نقول للمعلاق: ياخالي) فهؤلاء ينطلقون من أمزجة شخصية, أو ثأر (يا لثأر كليب من جساس!) فيرفعون الغث ويسخطون على السمين .. وليس هذا ما يغيظ ويفلق, بل قولهم عندما يكيلون السباب للآخرين: بموضوعية وصدق ونزاهة .. كذا كذا .. هل أضرب لكم مثلاً يقنعكم؟ حسناً. كان في زمانه شاب معقد نفسياً, وسبب عقدته انه أحب فتاة ـ من طرف واحد ـ وصار يربط عليها الطرق, ويسد عليها المنافذ, وهي تهرب منه, لسبب بسيط, هو أنها لاتحبه, ولكنه حاول أن يتصيدها بالشعر, فكتب لها ديوانا كاملاً يحمل اسمها, ولكن (فالج لا تعالج) .. ومضت الأيام, وتزوجت من غيره وتزوج من غيرها, ولكن نار الحقد لم تهدأ في قلبه .. وبمجرد ما أصبحت هي كاتبة تحول إلى ناقد, وشرع يسفه أعمالها (ويتمسخر) عليها, حتى تركت (الصنعة) وتحولت إلى كاتبة سيناريو, فتحول هو إلى النقد الفني, وكل عمل تلفزيوني يعرض لهذه الدرويشة يلاقيه بالتجريح, تحت اسم النقد, وهو المسكين لا يفهم بالنقد ولا ما يحزنون, وكل قاموسه يتألف من ثلاث أو أربع كلمات (مسطح, سخيف, مضطرب, ضعيف, تقليدي) وبالطبع فهو يقولها بـ (موضوعية) , مثله مثل الولد الذي يكتب القصة القصيرة وهو في الصف السابع, وحكايتنا معه, محمد أبو معتوق وتاج الدين موسى وأنا, عندما كنا في لجنة التحكيم على طلاب المرحلة الاعدادية. لقد تسلمنا النصوص المشاركة, وكنا على يقين من أن مواهب الطلبة في هذه السن تتراوح بين الضحلة والممتازة, ولكنهم يشتركون بخاصية واحدة هي ضعف الخبرة وقلة الحرفة .. ولكننا فوجئنا بنص رفيع المستوى, خال من الأخطاء وكأنه مكتوب بقلم زكريا تامر أو يوسف ادريس أو محمد الماغوط ..الأمر الذي استدعى منا أن نطلب صاحب النص للقاء مع لجنة التحكيم ... وعندما حضر ازدادت دهشتنا بأنه أقصر من معدل أطوال الطلاب في هذه المرحلة بحوالي ثلاثين سنتيمترا, وعندما شرعنا بتوجيه الاسئلة اليه بقصد سبر ثقافته وجدنا انه لا يفقه شيئا ولكنه (معلقة معه) كلمة (موضوعي) فكان يجيب على النحو الآتي: ـ ماذا تقرأ خارج منهاجك المدرسي؟ ـ أقرأ كل ما هو (موضوعي) . ـ وكيف تعرف أن ما تقرأه موضوعي أو خلاف ذلك؟ ـ أعرفه بقليل من الموضوعية. ـ طيب حدثنا عن الكتاب الذين تقرأ لهم بموضوعية. ـ أنا لا أقرأ أدباً .. أقرأ علم نفس وفلسفة فقط. ـ حسنا لمن تقرأ من الفلاسفة؟ ـ ذكر اسم شاعر وروائي وممثل تلفزيوني. ـ وماذا يعجبك في فلسفة هؤلاء؟ ـ الموضوعية. وبينما نحن نخوض معه في هذا الجدل العقيم إذ دخل علينا أحد زملائه وقدم لنا نسخة من مجلة (العربي) التي نقل صاحبنا قصته منها, نقلها بأمانة وموضوعية طبعاً. يومها علق محمد أبو معتوق على الموقف بأسلوبه الساخر الجميل, فقال: ـ تصوروا, رغم غياب (الموضوعية) عن الساحة الابداعية تجدها عند هذا الولد بكثافة وموضوعية! خطيب بدلة