للفن ألقه بوحه الخاص ولغته الهادفة ودرايته المتميزة, هذه حقيقة الأزمنة الأزلية التي لا يمكن لنا حذفها أو الغاء وجودها بدعوة أن رسالة الفن .. رسالة ابداعية لذاتها ان الذات عالم سحري يختزن المعرفة والموهبة المتجذرة, حتى ينبتها المبتدع الأصيل الذي اختزن الكثير, حتى تجلت أمامه آفاق مفتوحة رأت أن تستقبل ثمار خريفه الكبير من المعارف والرؤى.وفي المعرض التشكيلي الذي أقامه الفنان سعدي الكعبي في قاعة الرواق ببغداد .. وجدنا أنفسنا نستقبل أعمال فنان ظل يختزن وعيه واكتشافه وتجاربه طويلاً .. حتى إذا وجدت الضرورة قائمة, والفهم أن يعم, والتصور لابد أن يكون له من يشاهده ويتأمل فيه, عندئذ عمد إلى افتتاح معرض مكون من سبع لوحات زيتية كبيرة وأربعة أعمال جرافيكية متوسطة الحجم. سعدي الكعبي لم يتخل عن سابق عهدنا بأعماله التي تتميز بعشقه للون الترابي ومشتقاته وصحراوتيه وضبابية أعماله .. وغموض الملامح التي يرسمها .. الا ان هذا التشخيص لمعطيات الكعبي لاتجعلنا ننظر الى منجزاته ونصفها بالتكرار .. بل نحس أن توقيعه هو .. هو وان اختلف الأداء .. هذه سمة المبدع الحقيقي, لغته التي يتعلق بها مع العالم, سبيله الذي يجعله في موقع يتميز يومئ اليه, ويبصر بوجوده .. شأنه شأن الكاتب المتميز بأسلوبه الذي يعرف به لا بسواه. سعدي الكعبي ... نعرفه كذلك, سواء وجدنا ألق اسمه على لوحة أم لم نجده فالمبدع فيه يتسامى, والمبتكر فيه يومئ, والأصيل فيه يتجذر. وإذا كان الكعبي يضيف لونا الى ترابه, لونا بعز الوردة تارة, وعز الزرقة تارة أخرى, وعز الحياة ثالثة .. فان معرضه الأخير قد تباهى بزرقة خفية, كأنها خجلة من وجودها على تراب يقدسه الكعبي ويرسمه ويتأمله ويألفه, يألف العشق فيه ومنه وعليه. انه الانتماء المعافى والمصفى والمنطقي الذي يريد أن يجد في لمسات الأرض والسماء, طرازاً جديداً من المكاشفة والتلوين البارع والشغوف بالحياة وارادة الوعي .. واكتشاف براعة أن تلون الأشياء, نرسمها بدراية تامة, وإذا كانت لوحات سعدي الكعبي السبع بهذا التجانس اللوني / التشكيلي, فانه في رباعية الجرافيك يلتم على اللون أكثر من سواه, أحادية اللون الترابي /القهوائي / بلون العتق المقدس .. فانه يبصر شكلاً أكثر منه فاعلية. فعل اللوحة هو الفعل التأثيري الأقوى والأشمل الذي يواجه المتلقي أو المرسل اليه على نحو فيه قدر كبير من الحميمية, من الانتماء الصادق والشمولي والبالغ في تماسه لقدسية الأرض. سعدي الكعبي, يستنبت الصحراء ألقاً وعطاء وبهجة, يقود الجفاف الينا ويأخذ منا ظمأ أن نعانق الوهج الصريح, ونتفاعل معه, نتماس به, نباركه كأنما كنا معه, كأنما هو منا وفينا ومعنا ... يسكن في ضمائرنا ويغوص في أعماقنا ويتشوق إلى رؤانا. ان شغفه هذا, هو الجهد الذي يحرص عليه, ويجعل من ذرات الرمل بصمات لا تمحى ولا يزول أثرها, انه يوشم اللوحة, فالمبدع في داخل سعدي الكعبي, مبدع يلتم على رؤى .. وينشد رؤى .. باتجاه تحقيق فاعلية يقظة ومستمرة لكثير من عافية الرؤى التي تنجز حلماً, سعدي الكعبي .. لا يعرف الظمأ .. في صحراء ظمأى الى الحياة.