تجارة الماس لها على الدوام جانبها المظلم الذي يختبئ فيه المهربون وتجار الأسلحة خلف الوهج والبريق, واليوم تشهد تجارة الماس العالمية تغييرات قسرية بعد كشف النقاب عن أن ايرادات بيع الماس تغذي بعض أسوأ الحروب الأهلية في افريقيا. ويواجه قطاع تجارة الماس في بلجيكا تهمة السماح لمتمردين من أنجولا وسيراليون ببيع ما قيمته مليارات الدولارات من الجواهر في السوق العالمية من أجل تمويل صفقات الأسلحة. وقد جاء في تقرير لاذع قدمه الدبلوماسي روبرت فاولر الى الأمم المتحدة في شهر مارس الماضي ان تدابير المراقبة والأنظمة المتساهلة جداً في سوق أنتويرب تسهل النشاط غير المشروع, بل ربما تشجعه. ويكاد يكون التقرير الذي يتناول كيفية تحدي الزعيم الانجولي جوناس سافيمبي للحظر الدولي من أجل توفير الأموال لثواره رواية من روايات الاثارة والمغامرات في مرحلة الحرب الباردة ـ ابطالها تجار أسلحة مشبوهون من جنوب افريقيا ومرتزقة من أوكرانيا ومهربي مجوهرات من الشرق الأوسط وزعماء أفريقيين يتلقون الرشاوى بشكل حفنات من الماس. وحسب التقرير فان هناك عدة خيوط في هذه الشبكة تؤدي إلى أنتويرب حيث تجري 85% من تجارة الماس الخام العالمية. وقد سجل حي الماس الذي يضم محطة قطارات أنتويرب مردودا بلغ حوالي 18 مليار دولار في الشهور التسعة الأولى من السنة الماضية, وهذه هي تجارة دولية يختلط فيها يهود الحسيديم بمعاطفهم السوداء الطويلة مع تجار ببذلات أنيقة يأتون من مدن تمتد من بومباي إلى بيروت, وثمة محلات صغيرة للمجوهرات على حافة الحي يملكها تجار جاءوا حديثاً من جمهورية جوجيا السوفييتية سابقا, وفي هذا المكان توجد محلات أطعمة الكوشر اليهودية والمقاهي اللبنانية وبوسترات أفلام سينمائية هندية. وقد استقبل المجلس الأعلى للماس في أنتويرب تقرير الأمم المتحدة بالاستياء ومزاعم ان المدينة هي كبش محرقة في تجارة غير مشروعة يستحيل ضبطها. ويترأس مارك فان بوكستيل رئيس قوة العمل الانجولية التي شكلها مجلس الماس بعد أن حرمت الأمم المتحدة بماس سافيمبي في العام ,1998 ويصر بوكستيل ان تدابير المراقبة في أنتويرب أكثر حزماً من التدابير المماثلة في المراكز المنافسة لها, مثل بومباي وتل أبيب. وتخضع كل إرسالية ماس تصل الى أنتويرب الى تدقيق شديد وفحص شهادات المنشأ, ويتعاون المختصون مع حكومة أنجولا للتأكد من أن كل الجواهر الآتية من هناك مصدرة بصورة غير مشروعة. إلاان فان بوكستيل يعترف بأن الماس هو المادة المفضلة لدى المهربين, فهي صغيرة الحجم وكبيرة القيمة ويصعب اكتشافها كثيراً, ويشير فان بوكستيل الى خرائط معلقة على جدار مكتبه تتوزع عليها دبابيس تشير الى طرق التهريب المشبوهة من أنجولا وعبر افريقيا ثم الشرق الأوسط وجمهوريات سوفييتية سابقة. ومع أنه يمكن التعرف على الأحجار الماسية الآتية من مناجم معينة, غير أن فان بوكستيل يقول انه من الصعب تمييز الأحجار ذات الجودة العالية المستخرجة من النهر في شمال شرق انجولا من مثيلاتها من الكونجو وهي شبيهة بالأحجار الكندية. ويصر فان بوكستيل على أن (ثمة أحجاراً) كثيرة غير قابلة لتحديد المصدر, ونحن نحاول تطوير تكنولوجية خاصة ولكن ذلك سيستغرق خمس سنوات أخرى على الأقل قبل أن نمتلك أداة يركن إليها. وفي هذه الأثناء يستطيع سافيمبي أن ينجو من الرقابة عن طريق تزوير الشهادات أو شحن الأحجار عبر بلدان يوجد فيها أصدقاء له أو مسئولون يمكن رشوتهم بسهولة, ويقول فان بوكستيل انه بعد قطع الماس وصقله يصبح تتبعه مستحيلاً) . وقد ردت شركة دي بيرز العملاقة لتجارة الماس على سافيمبي بمنع التعامل مع كل الأحجار القادمة من أنجولا, وقال فان بوكستيل ان ذلك هو بمثابة التعامل على قدم المساواة مع المعتدي والضحية, وهو يحاول الحصول على موافقة مركز تجارة الماس الأخرى على التعهد بشراء الماس الأنجولي عن طريق الأقنية الرسمية فقط. وقال البيان انه بوسع الحكومة الأنجولية ان تستعمل مردود صناعة الماس المزدهرة لاعادة بناء مدنها المدمرة والبنى التحتية, على غرار بوتسوانا ونامبيا حيث تدعم تجارة الماس المشروعة الاقتصاد المحلي. ومع أن الحرب المتواصلة منذ 40 سنة قد تركت مواطني أنجولا في حالة من الفقر المدقع, فان مبيعات الماس الرسمية في البلد وصلت الى 600 مليون دولار في السنة الماضية محتلة بذلك المرتبة الرابعة في الانتاج بعد بوتسوانا وروسيا وجنوب افريقيا. ولا أحد يستطيع تحديد كمية الماس المهربة من أنجولا, وتقدر منظمة (جلوبال وتنس) لحقوق الانسان ان مدخول سافيمبي من مبيعات الماس بلغت 3.72 مليارات دولار بين العامين 1992 و,1998 وانطلاقاً من ضخامة هذه التجارة يعترف المسئولون بصعوبة فرض المراقبة. ويقول أليكس فاينز من منظمة (مراقبة حقوق الانسان) في لندن ان التجارة غير المشروعة بالماس لن يتم قمعها ابدا ولكن من الممكن رفع تكاليف التهريب عن طريق تشديد الرقابة. ويقول فان بوكستيل ان القلق على الصعيد الدولي بدا يفتح الطريق أمام اجراء تغيير في قطاع لا يعير اهتماماً كبيرا للاعتبارات الأخلاقية. وعلى الرغم من الخوف من ضعضعة صناعة توفر كافة صادراتها بدأت الحكومة البلجيكية بفرض قيود أكثر تشدداً, وحيث يحث مجلس الماس في أنتويرب التجار على (عدم قبول أموال ملطخة بالدم) تتحقق من المتاجرة بالماس مع المتمردين. ويقول فان بوكستيل: (اننا نشهد نهاية تجارة الماس كما عرفناها وبداية تجارة جديدة أكثر أخلاقية) .