البرتغال؟ ما الذي يدفع البعثة الدائمة للبرتغال في أن توجه دعوة الينا لحضور حفل استقبال في الأمم المتحدة؟ كان ذلك في أوائل مايو الماضي.. وكان مثار دهشة وتساؤل من جانبنا. صحيح أن الدعوة موجهة الى أهل الصحافة والثقافة ومن لفَّ لفّهم.. وربما اعتبرونا من فئة من لف لفهّم, وصحيح أيضا أن الحفل يقتصر على خطب وكلمات وربما عمد القوم الى ترطيبها بتقديم مشروب ثقيل لا نتعاطاه أو مشروب خفيف نحن في غنى عنه في كل حال. ثم إن بيننا وبين البرتغال بالذات حب تاريخي مفقود. ففي التاريخ الحديث أقدمت الدولة الايبيرية الصغيرة على ارسال مواطنها المدعو فاسكو دي جاما الى بعثة استكشاف بحرية فكان أن اكتشف رأس الرجاء الصالح وأدى ذلك الى قطع أرزاق مواطنينا في مصر المحروسة منذ عهد المماليك حيث لم تعد التجارة تعبر البر المصري من ثغور السويس والقلزم وعلى بحرنا الأحمر ثم يعاد شحنها من جديد من مرافئ البحر المتوسط الى أوروبا وما أدراك ما كانت تدفعه لقاء هذا كله من ضرائب ومكوس.. بل قد تمادى البرتغالي دي جاما في غلوائه فلم يكد يأتي على ذكر اخينا في العروبة (ابن ماجد) الملاح العماني الخبير بأنواء الرياح ومسالك البحر المحيط, إلا وأشاد بأيادي ابن ماجد البيضاء على أسطول البرتغال الذي استطاع النوخده العربي - ابن ماجد أن يقوده ويوجه مسيرته بين المحيطين الأطلسي والهندي. ولأننا ننتمي الى جيل عبدالناصر فقد نشأنا على كراهية الاستعمار وبُغض الاستغلال أمبرياليا كان أو بين صفوف الشعوب, والبرتغال كانت احدى قوى الاستعمار العتيق وكان لها مستعمراتها المنبثة ما بين افريقيا وآسيا الى أقاصي الصين وقد فتحت الباب لتدخل منه قوى الاستعمار العتيد - انجلترا وفرنسا - ثم قوى الاستعمار الجديد التي مازلنا نعاني هيمنتها في هذه الأيام, والتعبيرات بالمناسبة من ابداع العلامة الراحل جمال حمدان. وعندما قيض الله لنا أن نزور شبه جزيرة إيبيريا, اقتصرنا على أسبانيا وتجولنا فيها بحكم الوراثة التاريخية من طليطلة الى غرناطة ومن مدريد الى مرابيا.. ولم نلق أي اكتراث لزيارة البرتغال التي تشفينا فيها وهي قابعة على هامش الجزيرة الواسعة وزاد التشفي طبعا بعد ما عرفناه من مكابدتها خلال حكم الطغيان المتخلف السخيف الذي فرضه الديكتاتور سالازار. وزاد الطين بلة عندما تسببت البرتغال في تنكيد عيشتنا وبعد أن أتم الله على عبده نعمة تعلم اللسان الاسباني على (حساب الخواجة) وهو في هذا السياق الأمم المتحدة, وبعدها تطلع العبد المذكور الى تطبيق العلم على العمل أو بمعنى آخر الى استخدام اللسان الجديد الذي تلقن أسراره في ميدان الاستخدام العملي. وهكذا ظللنا نتحين الفرصة تلو الفرصة من أجل الابتعاث في أي مناسبة دولية سانحة الى بلد يتكلم الاسبانية وخاصة في قارة أمريكا اللاتينية. وفعلا أتتنا الفرصة منقادة الينا تجرجر أذيالها كما قال الشاعر القديم.. ولكنها كانت فرحة ما تمت.. لقد أوفدونا الى مؤتمر البيئة والتنمية وهو الحدث الدولي الأول من نوعه الذي يجسد اهتمام العالم بقضية البيئة وانبعاثها وأكاسيدها وهمومها وملوثاتها. ويومها نثرت الأمم المتحدة كنانتها بين يديها - حسب تعبير الحجاج بن يوسف اياه - وظلت تجيل الطرف في كل أنحاء القارة الامريكية الجنوبية وهي قارة شاسعة ناطقة بالاسبانية إلا (قليلا) . لكن اختيار المنظمة الدولية لم يقع للأسف إلا على حكاية (قليلا) هذه, فكان أن اختارت لمؤتمرها العتيد أن يعقد في ريودي جانيرو في البرازيل وهي البلد الكبير والوحيد أيضا الذي لايتكلم الاسبانية ومن بقية خلق الله بل يتكلم البرتغالية وطبعا ذهبنا الى ريو وحضرنا المؤتمر وأكلنا أكبر كمية لحوم شهية في حياتنا حسب عادات القوم هناك. هكذا ظلت البرتغال لنا بالمرصاد عبر مراحل تاريخية كما أسلفنا القول.. ورغم ذلك فها نحن نتلقى دعوة في مايو الماضي من بعثتها الدائمة في نيويورك لحضور الاحتفال بالذكرى الخمسين لاعلان مشروع (شومان) المنسوب الى السياسي الفرنسي الكبير الذي يعد من الآباء المؤسسين لصرح الوحدة الأوروبية.. ولم نحضر الاحتفال لا لأنه جاء مقتصرا على خطب وأناشيد بغير وعد من أطباق أو ثريد.. ولكن لأن المناسبة ارتبطت, كما لايخفى على فطنتك بنجاح مسيرة الوحدة الأوروبية منذ صدور اعلان شومان في 9 مايو عام 1950 وحتى التاسع من مايو بالأمس القريب عام 2000 الحالي هناك جاءت الدعوة البرتغالية كي تقلب علينا مواجع الوحدة العربية التي طالما رفعنا لها الشعارات ونظمنا لها الأهازيج وهتفنا من أجلها في كل فضاء عربي الى أن انشقت الحناجر من الزعيق.. ولم يتحقق منها كثير أو قليل.. وكل ما تحقق في زمان مضى أسأنا ادارته واستكثرناه على هذه الأمة الطيبة ثم وأدناه غضبا في عمر الزهور وأهلنا عليه التراب وبعدها ظللنا نردد مراثي عن الأخطاء والسلبيات الى غير ما حدود.. أما أوروبا الشاطرة.. البرغماتية المتودكة كما يقول المصريون فقد بدأت في تواضع.. واستخدمت أسلوب الحوار.. أدارت أمور الاختلاف وتدرجت في المسيرة بغير هتاف وانتقلت بالانضاج والتعهد ورعاية التجربة والروح العملية ووعي دروسها المستفادة من مرحلة الى مرحلة أعلى وأكثر نضجا فكان لها أن تعتز بانجاز وحدتها عبر خمسين عاما من الكفاح السياسي البرغماتي.. العملي الرشيد والوئيد. وهكذا جاءتنا دعوة البرتغال كي نشارك احتفالهم بانجاز مسيرتهم الوحدوية عبر نصف قرن ولم نذهب.. لا لأن بيننا وبين أهل لشبونة ثأرا قديما كما أسلفنا في مستهل الحديث, ولكن لأننا شعرنا بنار الحسد الوحدوي تكوي الكيان ومرارة العجز اليعربي تفيض غصة في الحلوق.. يزيدها تأججا وعلقما قولة العبقري المتنبي وكأنه يخاطب قومنا من خلف حجب الزمان: ولم أَرَ في عُيوب الناس عيبا كنقص القادرين على التمام