شكل الغوص على لؤلؤ البحار عماد الاقتصاد في منطقة الخليج, سكن رجال الخليج البحر لاشهر طويلة بحثا عن درة ثمينة هي رزقهم, كافحوا في سبيلها وتشكلت حياتهم لاجلها, البحرين كانت أهم نقطة لتلك السفن نظراً لما يحيط بجزرها من مواقع يكثر فيها بحار اللؤلؤ, كما انها على الجانب الاخر اصبحت مركزاً لتجمع السفن وتجار بيع اللؤلؤ.. تقول الاسطورة.. امرأة دلمون العجوز لا تشكو من الشيخوخة ورجل دلمون الشيخ لا يضيق بكبر السن وهذا ما اعطى لهذا الموقع اهمية بالغة, ولان البحرين اشتهرت بعيون الماء المتفجرة في قاع البحر, فان سفن الغوص قصدتها للتزود بالماء العذب, كما تحكي اقاصيص البحارة عن اولئك الذين غاصوا في عمق بحرها وشربوا الماء العذب من تلك الينابيع التي تخرج من قاعه.. وقالوا انه حينما تبدأ ظاهرة الجزر في سحب مياه البحر بعيداً تظهر عيون الماء العذب فيأخذ البحارة منه ما ارادوا.. وفي مياه الخليج اصبحت البحرين بموقعها بعيداً عن الشاطىء مؤهلة اكثر من اي مكان في العالم لان تجني محاصيل وفيرة كل عام من اللؤلؤ الذي امتلأت به بطون المحار على مر السنين في المغاصات القريبة من البحرين والتي كانت تحيط بها. وكما انتهى عهد الغوص على اللؤلؤ في معظم مناطق الخليج العربي في العام 1929 حينما بدأت اليابان بانتاج اللؤلؤ الصناعي وبيعه باسعار (تقل بكثير عن اسعار اللؤلؤ الطبيعي وهكذا تدهورت صناعة استخراج اللؤلؤ بعدما غزا المنتج الياباني الاسواق الأوروبية) . صاحب تدهور هذه المهنة اكتشاف النفط في عدد من المناطق باتجاه مواقع العمل الجديدة على اليابسة فقل بذلك عدد السفن الذاهبة إلى الغوص تدريجياً وقل معه دخل هذه السفن.. وقد قدر ايراد البحرين من اللؤلؤ في العام 1833 بحوالي 240.000 جنيها انجليزيا اي ما يعادل 3.240.000 روبية هندية وهي العملة السائدة آنذاك في منطقة الخليج.. وهكذا بدأت صناعة استخراج اللؤلؤ تعلن نهايتها الكبرى.. وكنموذج البحرين فان عدد السفن المبحرة للغوص في تلك السنة كان حوالي 1500 سفينة, وفي العام 1835 قدر المحصول بحوالي 400.000 جنيه.. وفي العام 1948 بلغ عدد السفن المبحرة 83 سفينة فقط عمل على ظهرها الف بحار وبلغت ايراداتها 855.000 روبية.. اسدل الستار عن البحث عن الدرر النفيسة في بحر الخليج بعدما هجر البحارة سفنهم إلى مناطق العمل على اليابسة.. وفي احصائية رقمية يتبين لنا هذا الوضع الذي آلت اليه تجارة اللؤلؤ في البحرين كنموذج لما حدث في بقية بلدان الخليج العربي.. ففي العام 1930 بلغ عدد السفن المبحرة 509 عمل عليها من البحارة 19300 بحار وبلغت دخولها بالروبية الهندية 2125000, وفي العام 1932 تناقص عدد السفن العاملة إلى 456 وتناقص عدد البحارة العاملين إلي 16605 وتبلغ محصلة دخولها بالروبية 1214000, وفي العام 1934 يهوي عدد السفن إلى 340 سفينة فيما يبلغ عدد البحارة 12700 يحصدون دخولاً بقيمة 1000000 روبية هندية وتتهاوى الارقام في العام 1935 حينما يبلغ عدد السفن 316 سفينة وعدد العاملين 11550 وتبلغ قيمة ما تحصلوا عليه من الدخل العام 833000.. وتشكل نهاية الغوص على اللؤلؤ نهاية لموروث كبير مما يمكننا ان نسميه ثقافة المهنة, فالخليجيون البحارة حولوا مهنتهم إلى حياة مفعمة بالتفاصيل التي سيطرت على سلوكياتهم وابداعاتهم, فنظموا الشعر فيها وتغنوا بها وعلى هامشها نمت مجموعة من الفنون الشعبية والفلكلورية التي بحر من خلالها اولئك البحارة عن تفاصيل رحلاتهم الطويلة بحثاً عن تلك الدرر التي تسكن الاعماق.. ان نهاية البحث عن تلك الدرر كانت نهاية لحلقة كبيرة من التعايش مع البحر.. ومازالت تلك النهاية مؤثرة في جيل البحارة الذين مازالوا يعيشون بيننا بذكرياتهم ومغامراتهم..