الكرنفال النسوي الذي تقيمه جمعية (إيله اياي) هو منذ القديم رمز للجذور الافريقية لهذه المدينة التي كانت عاصمة البلاد في العهد الاستعماري, وهي اليوم مركز الثقافة السوداء في البرازيل بلا منازع. غير ان بعض السكان البيض لا يعجبهم ذلك كثيرا. (إيله اياي) هي عبارة بلغة اليوروبا تعني (بيت الحياة) ، وهي جمعية مقتصرة على الزنوج ولا يسمح للبيض بالانضمام الىها. وقال البعض ان ذلك عمل عنصري وتفرقة غير مقبولة في بلد يدعي التسامح. وهذا هراء في رأي مؤسس الجمعية ورئيسها انطونيو كارلوس دوس سانتوس الذي اسس (ايليه إياي) في العام 1974 لأن منظمات الكرنفالات النخبة في المدينة تقتصر على البيض ولا تقبل السود. وقد كانت تعمل بموجب تقليد دارج في المدينة, دون ان تذكر كثيرا. لقد كانت العنصرية هي ذاك السر القذر الصغير في سالفادور, المدينة التي يتحدر 80 في المئة من سكانها من العبيد الافريقيين. وقد قبل هؤلاء بهدوء طلب منظمات البلوكوس من الراغبين في الانضمام اليها ان يزودوها بصور مع الاستمارات لكي تتمكن من استبعاد الفقراء والزنوج والاشخاص القبيحين. غير ان القضية خرجت الى العلن قبل موسم الكرنفالات في السنة الماضية. فالفتاة فينوسمار اندرادي (25 سنة) لم ترضخ بسهولة وتغادر بهدوء عندما رفض طلبها بالاشتراك في استعراض فرقة (اباركا) بفظاظة. تقول اندرادي: (عندما سلمتهم طلبي ضحكوا وقالوا: هل انت مجنونة؟. الزنوج لا يشاركون في هذه العروض. هل تحاولين توسيخ هذا العرض؟ دعاوى قضائية وعلى الاثر قررت اقامة دعوى جنائية بناء على الدستور البرازيلي لسنة 1988 الذي يعتبر العنصرية جريمة يعاقب عليها بالسجن ثلاث سنوات (مع ان احدا لم يذهب الى السجن بسببها). هذا القرار شجع الكثيرين على اقامة دعاوي مماثلة مما اجبر مكتب الحقوق المدنية في النيابة العامة لولاية باهيا على اجراء تحقيق, واستجواب خاص من المجلس البلدي. كما اخرج القرار الى العلن التوتر الخفي المتأجج تحت سطح الوئام العنصري الظاهري في البرازيل. وكانت النتيجة ان اتفاقا تم بين الفرق الكبيرة على تغيير اساليبها قبل موعد الكرنفال المقبل. ففي حين لم تعترف المنظمات انها تمارس العنصرية, فقد وافقت على ابداء المبررات لرفض طلبات اي متقدمين للعضوية, والسماح لهم بالاستئناف. وجدير بالذكر ان الكرنفال الذي يقام في مدينة سالفادور يطغى بحجمه على الاحتفالات المماثلة التي تسبق صيام الفصح في ريو دي جانيرو وسان باولو ومدن برازيلية اخرى. ولا توجد مشكلة عنصرية في هذه المدن لأن الزنوج مسيطرون على الكرنفالات فيها اصلا. وقال يوكا فيريرا, عضو المجلس البلدي الذي يجري تحقيقا في مسألة العنصرية ان (الكرنفال هو مكان جيد للهجوم على العنصرية لأهميته البالغة كرمز للديمقراطية العنصرية في البرازيل. ان تلك الخرافة هي في الحقيقة وسيلة لاخفاء العلاقات العنصرية هنا. ويشار الى ان حوالي نصف سكان البرازيل البالغ عددهم 165 مليون نسمة هم من اصل افريقي وهم يشكلون اكبر مجموعة سكانية سوداء بعد نيجيريا. الا ان 6 في المئة فقط من السكان يصنفون انفسهم كزنوج. وفي احصاء اجري مؤخرا استخدم زنوج وبرازيليون من اعراق مختلطة اكثر من 100 عبارة لتصنيف لون بشرتهم. وقد استعمل كثيرون عبارات مبهمة مثل (ذي بشرة داكنة) الى اسمر. الاقرار بالجذور قبل سنتين اثار مارسيو ميريلييس, المدير الفني لمسرح فيلا فليا فضيحة عندما عرض خصما بنسبة 50 في المئة من ثمن بطاقة الدخول لكل شخص يعترف بأنه زنجي واتهم البيض ميريلييس بالعنصرية, الا انه رد ان هؤلاء لم يفهموا قصده, قائلا انه كان يقوم بمحاولة لحمل الاكثرية الزنجية على الاقرار بجذورها الافريقية. ويقول ليديفالدو رايموندو بريتو المدعي العام الاقليمي المختص بالشئون العنصرية ان البرازيليين يحبون ان يقولوا ان لهم بعض الاصول الافريقية, الا ان كل ما يفعله ذلك هو انه يمنعنا من تطوير سياسة عامة للتعامل مع مشاكل المجتمع الزنجي, ليس خلال الكرنفالات فحسب, او في المتاجر الفخمة بل على صعيد التعليم والعناية الصحية والعمل. ويقول جورج كونسيساو, الذي يعطي دروسا في احترام الذات للزنوج في مجلس انماء المجتمع الزنجي ان واجهة التسامح وخرافة (الديمقراطية العنصرية) التي طالما ترددها الالسن تجعل من الصعب على البرازيليين من اصل افريقي ان يحددوا العدد. ويضيف كونسيساو: (في الولايات المتحدة كانت هناك تفرقة عنصرية وكذلك كان الزنوج يعرفون مكانهم. غير ان الزيجات المختلطة امر طبيعي هنا واطفال مثل هذه العائلات ينزعون نحو الاقرار بالاصل الاوروبي لأن المجتمع يعلمهم ان كل شيء افريقي هو سيء) . وفي رأي كونسيساو ان التعرض للتمييز تجربة صحية للبرازيليين السود لأنه يرغم على ان يروا انفسهم كما يراهم الاخرون. ولعل هذه المقولة لها ما يؤكدها في ما واجهته ليا فيرجينا هيسوس سانتياجو البالغة من العمر 29 سنة وتعمل معلمة مدرسة ثانوية. وهي لم تعتبر نفسها زنجية بسبب بشرتها الفاتحة وشعرها المتموج وتقاسيمها الاوروبية. ولكن عندما رفضتها احدى الفرق النخبوية تعاظمت شكوكها. تقول ليا: (كنت احس انهم يمارسون التمييز. عندما تتفرج على الفرق الراقصة من مكان مرتفع في المدرجات تستطيع ان ترى ان ثمة الفرق بكاملها خالية من وجه زنجي واحد) . ولكي تختبر نظريتها قدمت سانتياجو طلبا الى فرقة مشهور اخر, فيما قدمت صديقة لها بيضاء طلبا مستقلا. فدخلت صديقتي ولم ادخل انا. هذا الحادث قد ايقظني. تفرقة عنصرية اضافة الى ابراز التمييز العنصري في عضوية الفرق اكتشف المجلس البلدي من خلال تحقيقه ايضا ان الفرق الزنجية تواجه تمييزا من قبل الشبكات التلفزيونية التي تغطي الكرنفالات التي تشكل قطاعا صناعيا حجمه مليار دولار سنويا في سالفادور وترعى الشركات المجموعات الرئيسية. وتبين للمجلس ان منظمي الكرنفالات يحرصون على ان تسير استعراضات الفرق البيضاء خلال ساعات النهار حيث تكون التغطية التلفزيونية في اوجها ويدفعون الفرق الزنجية الى الفترة المسائية, مما يجعلها غير جذابة للرعاية الاعلانية. هذا الترتيب سوف يتغير في الكرنفال هذه السنة بموجب اتفاق تم الوصول اليه بين المنظمين وبين مكتب مدعي عام الحقوق المدنية. وينص الاتفاق على ان تسير الفرق البرازيلية, الزنجية الخمس الكبرى خلال ساعات النهار. ولا تؤثر التسوية التي تمت على فتح باب العضوية على (ايله اياي) فالفرقة مصممة على ان تكون غير مذنبة بالعنصرية لأنها جمعية ثقافية وليست تجارية. ويقول مؤسس الجمعية دوس سانتوس ان (إيله إياي) رد على سيل الدعاية القائمة على مقولة ان كل شيء ابيض جميل. ويضيف دوس سلنتوس: (عدد الزنوج على شاشات التلفزيون الاوروبية يفوق عددهم عنا. وهذا واقع يعزز مقولة ان البيض جميلين والبيض اذكياء وانهم يمثلون كل شيء ايجابي في البرازيل. اننا نحاول ان نجعل الناس يعتزون بزنجيتهم. وبدلا ان نفعل ذلك بالخطب نعملها بالموسيقى. (خدمة أ.ب)