هل كانت نشأة الفنون وعلى وجه التحديد (الرسم) للضرورة ام الترف؟ يعتقد الكثيرون انها لم تكن الا للضرورة وبخاصة في بداياتها وهو ما تشير اليه التجارب الفنية الموغلة في القدم التي وجدت لدى الشعوب الاكثر بدائية والاكثر تمسكا بتقاليدها العفوية، كالرسم على الجسد او ما يعرف بالوشم والحناء والرسم على الجدران والاقنعة والتطريز ونظم الخرز. وفي الوقت الذي تجسد فيه الفنون الافريقية واحدة من أهم تلك التجارب, فإنها كذلك وعلى الرغم من بدائيتها لم تفقد الا القليل من تواصلها مع الماضي. وما بقي من الماضي مازال يعبر عن الاحتفالية اليومية. وهي في الحقيقة من بين العناصر الرئيسية التي تميز الحياة الفنية بكل جوانبها, فنون الرسم والتشكيل وفنون الرقص والغناء وحتى المسرح. انها احتفاليات بسيطة ترتبط اصلا بالطقوس وعلى وجه التحديد الطقوس الدينية والاجتماعية. كما انها توليفة تشتق مكوناتها وعناصرها الطبيعية كتجربة فنية هامة من تراب الارض والمعادن ومن النباتات والعشب ودماء الحيوان تلك احتفالية لا تحتاج الى أكثر من الحضور الحي للحياة ولمقاومة الموت في ظروف بيئية قاسية وغامضة. بالنسبة لأفراد القبيلة الافريقية كان الرسم هو الجزء الاساسي المكمل لاحتفالية الحياة وكان بمثابة الاجابة عن اسئلة روتينية مثل, ما هي الحياة وما هو نقيضها... الموت؟. ما هي السعادة وما هو الحزن؟ ما هو الخير وما هو الشر؟ ما هو المطر وما هي الارض؟ وأخيرا ما هي المرأة؟ احتفالية قبائل البربر اشهر تقاليد الرسم لدى قبائل البربر هو الرسم بالحناء. وهو تقليد يرتبط عادة بالعروس التي لا تودعها القبيلة وعجائزها الا بعد خضابها بالمادة العشبية اضافة الى انه تقليد اسلامي عريق عرفته العديد من قبائل شمال افريقيا, التي لا تودع بناتها الا بالغناء والرقص المرادفين لتقليد الحناء. قبائل الكارو وفي المنطقة الواقعة وسط وادي نهر (اومو) في اثيوبيا ينسجم جمال الطبيعة مع جمال الانسان الذي يمتلئ جسده بالرسوم الجميلة. واذا كان الفقر هو السبب الرئيسي الذي يختفي وراء اشتقاق عناصر الزينة من الطبيعة, فان ما يمكن ان نسميه تقطيعا للجسد يحول جسد الفتاة الى لوحة رائعة الجمال. وما على تلك المرأة الا ان تتحمل ضربات الموس فوق جلدها, خاصة وهي تنحت, تدلك جلدها بالرماد فيما بعد مما يجعلها تأخذ شكل لوحة فنية مميزة. اما الشق الثاني من لعبة الزينة هذه فيركز على الوجه. او لابد من ان تزحف الرسوم بأشكالها الجميلة التي يستخدم فيها طلاء من مواد طبيعية كمعدن الذهب والصخور الصفراء والطباشير البيضاء, تزحف الى الاعلى لتؤلف قناعا من الوشم تزهو به وجوه البشر في كل احتفالية متجددة. مهرجان قبيلة ود آبي في سهل النيجر يعشق الأهالي المهرجان السنوي المعروف باسم (الورسو) , الذي يحتفل فيه ابناء القبيلة بمواليدهم القادمين الجدد, في السنة نفسها. وعادة ما تقوم النساء بمهمة فريدة هي زخرفة الأسرة التي يهديهن اياها الازواج بعد ولادة الطفل الاول, وتشتمل تلك الزخرفة على العارضات البلاستيكية والاعلام والمسامير الفضية الصغيرة والكرات البلاستيكية الملونة. وهي كلها من مستلزمات الدخول في موسوعة التراث الشفاهي الغنائية التي لا تستحقها الا النساء الاكثر قدرة على الابداع والتخيل. افراح القبائل السواحيلية ليست رائحة خشب الصندل وحدها هي التي ترسم جمال العروس السواحيلية في منطقة شرق افريقيا (كينيا على وجه الخصوص) بل ان هذه الرائحة الذكية تصبح اكثر زهوا باختلاطها مع رسوم الحناء وهو تقليد اسلامي عريق ينسجم مع غيره من مستلزمات الزينة التي تضفي على الوجه وخاصة العينين لمسة من الجمال الذي تتفرد به المرأة السواحيلية المميزة بزيها الاسلامي الذي يغطي الوجه ويبرز هذه المنطقة. منازل قبائل النيدابيلي في جنوب افريقيا يحل طلاء المنازل محل بطاقة الدعوة الى حفلات العرس. وهو في واقع الامر فن تتفرد به تقاليد ابناء القبيلة التي تسكن في منطقة شمال بريتوريا. وعلى اختلاف اماكن تواجد قبائل الرشايدة في منطقة شمال افريقيا, يعتبر تقليد البراقع المطرزة بعناية فائقة, المزينة بخيوط من الفضة والحلية المتدلية على الجانبين والوسط واحدة من أهم مستلزمات الجمال التي تظهر من خلالها المرأة اكثر إغراء في الحفلات الراقصة. احتفالية قبائل الهمبا في ناميبيا يعتبر تقليد الايكوري وهو غطاء جلدي ذو تصميم رائع ترتديه العروس بالاضافة الى رقصة الاندوجونجو التي تثير التراب, يعتبران معا التقليد الذي يثير (المنطقية الرمزية) وهناك ايضا تطلي النساء اجسادهن بالمغرة الحمراء او المغر كما يسمى في اللهجة المحلية في الامارات, وزبد الحليب والاعشاب. وهي كلها التوليفة التي ترمز الى لوني الارض الحمراء الخصبة والدم الذي يرمز بدوره الى الحياة ليشكلا معا لوحة تجسد الانوثة. واشتهرت نساء قبائل الماساي بقلاداتهن المشغولة من الخرز الملون الذي يرصع الصدر والوجه وهو تقليد بدائي يرتبط بالفرح نظرا لألوانه البهيجة المختارة بعناية.