الموظف المحبوس في زنزانة وظيفة واحدة طوال عقود من الزمن ثم يأتي الوقت والكل يتحدث عن الكفاءة والانتاجية حتى يطلق سراحه بدون كفالة. المقاييس الوظيفية الحديثة التي تتعامل معها الوزارات والمؤسسات الاتحادية والحكومية بحاجة إلى قليل من التروي, مثلا, الموظف الذي لم تفكر الوزارة يوما ما في تدريبه على نوائب الدهر المتغير ولم يجد لنفسه كذلك فرصة مناسبة لتنمية قدراته الذاتية وبعد فوات الأوان تهبط التعليمات على رأسه كالصاعقة فيطلب منه رأسا أن يكون ماهرا في الحاسب الآلي ومعرفة أصول الإدارة الحديثة وفق أرقى النظريات العلمية وإلا فإن أقدميته الوظيفية سوف تلتف حول عنقه وكأن من هذا وضعه جنى على نفسه براقش وعليه أن يندم كثيرا لانه قضى عمرا طويلا مخلصا لعمل طلب منه أن يؤديه أو حتى اختاره لنفسه حسب ذلك الظرف بعد أن تغيرت ظروف كثيرة لا يملك نواصيها. ما المانع من ترقية هذا الصبور إلى درجة أعلى وراتب أكبر لانه فعلا كبر مع الأيام وشاب رأسه وابيضت لحيته فإكراما له واعتبارا لخدمته المتفانية لا يجب أن يحرم مما يناله الآخرون الذين أتوا بجاهزية مختلفة لتلك الأيام السالفة. إن الإدارة الحديثة في جزئها الكبير إنسانية بحتة, أي لا يمكن استبعاد العنصر الحساس من كل عملياته الاجرائية, فإدارة البشر ليست كإدارة الآلة المجردة, بل حتى هذه الآلة بحاجة إلى نوع من الإنسانية لكي تدوم أطول فترة ممكنة للعمل. اننا مع الكفاءة المتقدمة في كل مراحل العمل الإداري وكذلك مع الاصرار على مزيد من الانتاجية النوعية لانها وسيلة هذا الزمن والأزمنة المقبلة في الوصول إلى الغايات من كل المشاريع في أقصر فترة ممكنة, ولكن هذا لا يعني أن يداس من قدموا الكثير في فترتهم تحت أقدام التطوير الإداري بحجة الإسراع في عملية التنمية بكافة جوانبها. الإدارة الحديثة لا تعني أبدا التهديد المباشر والصريح للأقدمين, فهي احترام لكل ما بذل وتكريم لزخات العرق التي تصببت من جباه رضيت بالمقسوم لها في وقت الحاجة الملحة للمجتمع. د. عبدالله العوضي E-Mail: DrAbdulla@albayan.co.ae