في اليوم السابع من شهر ابريل المنصرم قامت أوركسترا الحجرة الوطنية لجمهورية أرمينيا بتقديم حفلة على مسرح الجامعة الأمريكية في الشارقة. وكانت من ضمن الأعمال التي قدمتها الفرقة مقطوعة للمؤلف الروسي ألفريد شنيتكة (1934 - 1988) بعنوان (لعبة موسيقية - موتزارت ألا هايدن) . أوضح قائد الأوركسترا, جاربيكيان, قبل البدء بعزف المقطوعة بأن شنيتكة كان قد كتبها اثر عثوره, وخلال أبحاث له في ألمانيا, على ثلاثة عشر مخطوطا موسيقيا بقلم موتزارت لم يكن قد سبق نشرها. وانه (جاربيكيان) عندما سأل المؤلف عما عناه بالضبط بالتسمية (لعبة موسيقية) أجاب المؤلف: (إن ألعاب الأطفال تبدأ بعدد من البنود لكن الباقي مرتجل. هذا تماما ما عنيته باللعبة) . اعتبر جاربيكيان ذلك ضوءا أخضر من المؤلف (للعب) مع المقطوعة. لا أعلم تماما ما الذي كان مبتكرا فيما عرض وما الذي كان مكتوبا, لكن النتيجة كانت عرضا موسيقيا - مسرحيا مفعما بالحيوية والطرافة والذكاء. يفتتح المشهد بثلاثة عازفين على الخشبة. يبدأ أحدهم بعزف جملة موسيقية متكررة. لا يلبث أن يدخل إلى الخشبة عازف آخر بلحن مبتكر آخر فعازف ثالث ورابع إلى أن يجتمع على الخشبة ثلاثة عشر عازفا, كل يعزف جملة موسيقية مستقلة تماما عما يعزفه الآخرون, وغير متماشية لا ايقاعيا ولا هارمونيا معهم, إلى أن يصبح التأثير كضجيج مدرسة موسيقة غرف التمرين فيها مفتوحة وكل طالب يتمرن على عمل مختلف. مع تصعد الضجيج يدخل قائد الأوركسترا وباشارة حازمة منه يتحول الضجيج إلى لحن موتزارتي كلاسيكي منعش. تبدأ عناصر من الألحان الكروماتيكية المستقلة تدريجيا بالدخول إليه بتقنية كلاسيكية, لكن بلغة حديثة وبعد تصعد الضجيج مرة أخرى يحسمه القائد ثانية بحركة تحوله إلى افتتاحية موتزارت 41. تتكرر العملية لكن العازفين هذه المرة يبدأون واحدا تلو الآخر بالتمرد على قائد الأوركسترا والأفول عن المسرح , إلى أن يبقى عازف وحيد على الخشبة هو عازف الكونترباص الذي ابتدأ العمل بحضوره, والذي يعود في النهاية ويترك القائد وحيدا على الخشبة حتى تأتي إحدى العازفات وتصطحبه إلى الكواليس. لاقى العمل يومها استحسانا كبيرا من الجمهور رغم لغته الحديثة المليئة بالنشازات التي لم يعتد المستمع, وخاصة العربي, عليها. ولا شك في ان الكفاءات الموسيقية والتقنية التي أثبتها العازفون في بداية الحفل كان لها دورها في تقبل الجمهور لهذه (المزحة) . لكن ما الذي أثار استحسانهم بالدرجة الرئيسية؟ أهو الموسيقى في العمل أم المسرحة؟ وهل فقدت الموسيقى الحديثة قدرتها على الوصول إلى المستمع العادي بلغتها الموسيقية الصرفة حتى تلجأ إلى تجديد من هذا النوع؟ لعبة الخيال لا شك في ان الفن في صميمه ضرب متطور من اللعب أو كما يقول كانت: (الفن هو لعبة الخيال الحرة) . ورغم طقسيته (التاريخية والمعاصرة على تفاوتهما) فمن الاجحاف أن نحرمه خاصيته تلك بالذات, لانها عماد حريته وبالتالي عماد قدرته على التطور. يقول ايريك بنتلي: (ان عالم اللعب معمل أو مختبر لمحاولات التجربة والخطأ) . والسؤال الذي أطرحه هنا ليس فيما إذا كان (يحق) لنا أن نلعب ونجرب في الفن, إنما أسأل: هل يمكن أن نعزي ازدهار الموسيقى التجريبية في النصف الثاني من القرن العشرين أكثر من أي وقت مضى, وظهور أشكال من الموسيقى تعتمد في تكوينها على عناصر لا موسيقية, إلى عجز غيرها من أشكال الموسيقى الجادة الصرفة عن الوصول إلى المستمع العادي والتأثير عليه مما جعل منها نوعا من الانعاش المؤقت للموسيقى الحديثة. نشطت الحركة الموسيقية التجريبية في أوائل الخمسينيات من القرن الفائت. والاصطلاح (تجريبية) غير متفق عليه تماما (موسيقيا), لكنه يشمل كافة المدارس الموسيقية الحديثة التي تضمنت تغييرا للتعريف التقليدي للموسيقى كفن صوتي عناصره التواصلية الأساسية هي اللحن والايقاع والهارموني. تشمل هذه المدارس الموسيقى المفاهيمية concept music, موسيقى النرد aeleatory music (التسمية مأخوذة عن alea: نرد باللاتينية وتسمى أيضا Chance music) وغيرها من المدارس الموسيقية المتمردة أصلا على التعريف التقليدي للموسيقى. يعتبر المؤلف الأمريكي جون كيج (1912 - 1992) واحدا من أهم الموسيقيين التجريبيين ومن مؤسسي موسيقى النرد. فقد اعتبر كيج الموسيقى أي صوت أو صمت منظم أو عشوائي. (الموسيقى التي أفضلها) يقول كيج: (حتى على موسيقاي أو موسيقى أي شخص آخر, هي ما نسمعه حين نصمت) . من أشهر أعمال كيج التجريبية قطعة أسماها 433 تبدأ بدخول عازف بيانو منفرد إلى المسرح وجلوسه على كرسي البيانو والانتظار لمدة أربع دقائق وثلاث وثلاثين ثانية قبل أن يحيي الجمهور ويترك الخشبة. الموسيقى في هذه القطعة ليست صمت العازف, إنما هي الجلبة التي يحدثها الحضور خلال انتظارهم لما يزيد على أربع دقائق. هذا ما يجعل المقطوعة تندرج تحت تصنيف موسيقى النرد. وهي القطعة التي تؤدى على المسرح بصورة مختلفة في كل مرة, كأن يتغير ترتيب الجمل حسب رمية نرد, أو ان يرتجل العازفون دون خطة أو قولبة مسبقة إنما بصورة عشوائية استنادا إلى لوحة موسيقية مرسومة بشكل تجريدي غالبا. أما الموسيقى المفاهيمية, فهي تتخلى عن عنصر الصوت برمته وتستبدله بفكرة أو مفهوم. من القطع المفاهيمية الأكثر شهرة مثلا قطعة لعازف ترومبيت منفرد اسمها: الترومبيت السماوي. القطعة هي تدوين موسيقي لعلامة من العلو في السلم الموسيقي بحيث تتجاوز الحد الممكن عزفه عمليا على الترومبيت بكثير, بالتالي فهي علامة متخيلة, والقطعة مفهوم صوتي غير واقعي يتمثل بتخيل هذا الصوت المستحيل على تلك الآلة بالذات. مفاهيم التجريب نشطت حركة التجريبيين خلال الستينيات في الموسيقى وسائر الفنون. وقد تأثرت بشدة بمفاهيم المرحلة واتجاهاتها من تمرد على السياسة العالمية واللجوء إلى الفلسفات الشرقية التأملية فكانت مقطوعات مثل من الأيام السبعة لستوكهاوزن 1968 والتي تشمل مجموعة مقطوعات تتألف كل منها من قصيدة نثرية تتضمن تعليمات عامة للعزف وربما أكثر من ذلك بقليل. إحدى القطع الأخيرة المسماة غبار الذهب مثلا تملي على العازف أكثر من طريقة العزف إذ تنص: (عش بانعزال تام لأربعة أيام/ دون طعام/ بصمت تام, وبأقل ما يمكن من حركة/ نم أقل ما ينبغي/ فكر أقل ما يمكن/ وبعد أربعة أيام, متأخرا في الليل/ دون حوار مسبق/ اعزف أصواتا منفردة/ دون التفكير بما تعزف/ أغمض عينيك/ واستمع) . عاصرت هذه الحركات التجريبية طبعا مدارس موسيقية أخرى كانت استمرارية وتطويرا لما سبقها من مدارس, منها الكلاسيكية الجديدة Neo-Classicism والتسلية Serialism والتبسيطية Minimalism وغيرها من المدارس التي حافظت على العناصر الموسيقية الأساسية التي سبق ذكرها وطورتها. لكن الملفت للنظر هو ان المقطوعات التجريبية كانت تحظى دائما بالقدر الأكبر من الشعبية والاهتمام الاعلامي على النطاق غير الاختصاصي. يعود ذلك جزئيا إلى جاذبية التجديد والجرأة, لكنه أيضا نتيجة للعلاقة السيئة التي وصل إليها الجمهور غير الاختصاصي مع الموسيقى الحديثة الصرفة بلغتها المعقدة عالية الاختصاصية, ونشازاتها الحادة التي لم يعتد المستمع عليها, وضياع قالبها مع أية عناصر تمكن متابعتها. يقول الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو: (يصبح الاستماع للموسيقى حتما أكثر صعوبة عندما يحرر التأليف نفسه من القوالب, والاشارات الواضحة لبنية تكرارية. في الموسيقى الكلاسيكية هناك شفافية معينة بين عمليتي التأليف والاستماع. وحتى لو كانت الكثير من العناصر التأليفية في موسيقى باخ وبيتهوفن لأكثر المستمعين, فإن هناك دائما عناصر أخرى هامة يمكنهم ادراكها. لكن الموسيقى المعاصرة, وبمحاولتها لجعل كل من عناصرها حدثا فريدا, تجعل أي التقاط أو تمييز من الصعوبة للمستمع بمكان) . اللغة الجديدة وهناك أيضا اضافة إلى عامل ضياع القالب, عامل اللغة الموسيقية الجديدة التي تعتمد النشازات الحادة في الفواصل غير المألوفة والكوردات اللا-انسجامية. وهنا تبرز نقطة هامة إذ ان الأصوات المستخدمة في كل مرحلة من مراحل تطور الموسيقى كانت تبدو جديدة وغير مألوفة بوقتها, وكانت تلاقي بعض النفور من الجمهور في البداية. لكن تاريخ الموسيقى لم يشهد عداء يوازي ذاك الذي نشهده اليوم بين المستمع العادي والصوت الجديد. (ربما كان كل جديد يخدش حساسيات معينة لدى أولئك الذين لم يعتادوا عليه. لكن يعتقد بأن التواصل بين العمل (الموسيقي) والجمهور اليوم يشهد صعوبات خاصة) يؤكد الموسيقي الفرنسي بيير بوليز. فعلاوة على ضياع خط المتابعة مع ضياع القالب, أصبحت الأصوات والكوردات, التي كانت مألوفة ومتكررة من عمل إلى آخر وبنفس الوظيفة الانسجامية خلال أربعة قرون على الأقل, أصبحت تتجه إلى تجديد راديكالي سريع لا يسمح بمتابعة المستمع المطلع ولا يعطيه فرصة لفهمها أو اعتيادها. فبات مطالبا بالاستماع المتكرر للعمل نفسه قبل أن يتوقع أي تواصل, اللهم إلا افتتانا سريعا وسطحيا بآلات جديدة وتقنيات صوتية مبتكرة. (ليست هناك علامات فارقة تسمح للمستمع بأن يتوقعها ويتابعها. إنه يستمع (إلى العمل) وهو يحدث. وهذا نوع صعب جدا من التركيز... أعلم - بفضل تجاربي العديدة ... انه بعد مستوى معين من التعقيد يجد الادراك نفسه تائها في تشابكات فوضوية, فيمل ويستسلم) . بيير بوليز. ولست أدعي بأن العوازل بين الموسيقى الحديثة والمستمع كلها تقنية تتعلق بطبيعة هذه الموسيقى, فهناك عوامل اجتماعية واعلامية لست بصدد بحثها هنا, لكن هذه العوامل مجتمعة تساهم في جعل الموسيقى الجادة الحديثة والمباشرة حكرا لدائرة ضيقة ومنعزلة, أكثر أفرادها من الاختصاصيين أو أشباههم من الهواة المكرسين. نوع واحد من الموسيقى الحديثة حافظ على قدرته على التأثير بجمهور الحفلات الموسيقية الكلاسيكية على نطاق واسع وهو الموسيقى التجريبية التي سبق ذكرها. فبامتزاجها مع عناصر لا موسيقية ومفهومة, أو حتى بفكرة المزج بحد ذاتها, كانت تحظى بمتابعة الحضور وتنال استحسانهم لكونها متنفسا مفهوما في بحر من التعقيد والغموض. فكانت التعويض للمستمع اليائس من محاولة التواصل مع الموسيقى الجادة المعاصرة, وكانت له المنفذ إلى عالم ظنه يتجاوز فهمه وادراكه. لقد احتالت عليه حين جذبته إليها بوسائل لا تخصها أصلا إنما استعارتها من فنون أخرى فظن انه أحبها لكن ما أحبه فيها ليس لها. وهكذا كانت لعبة شنيتكة الموسيقية انعاشا مؤقتا آخر للموسيقى الحديثة من غيبوبتها الطويلة في عالم من الانعزال والغموض. بقلم: زينة العظمة