عن رواية لـ (الياس الخوري) , ساقت لينا ابيض مسرحيتها برؤية موجعة وساخرة من الحرب اللبنانية, انفتح وعيها على سواد الواقع, الذي دفعته الحرب اللبنانية وزجته في مقبرتها, وانسان لبنان يحلم بالتغيير, ولكن المنصة اللبنانية احتشدت بالمستعمر, واسرائيل والحرب الاهلية وباجتياحات جنكيزخان في فيلم سينمائي (يختلط فيه الوهم بالواقع), في حشد من الصورة والوقائع تشكل هذه البنية المسرحية من ثلاثة عناصر مكونة العرض: النص, التمثيل, الخشبة والديكور والسينوجرافيا. من مناخ الحرب اللبنانية من سواد المقبرة, انزرع الياس في مساحات المدينة التي قسمتها لينا أبيض الى لوحات بصرية مشهدية, احتلت فيها الصورة المقام الاول على الخشبة. ترجمت المشاهد والحوارات التي تليت على الخشبة بمعادلها المرئي, والبشري, والضوئي, والموسيقي, لتكثيف معاني المضمون التي تغرق في (رائحة الصابون) . من خلال علاقة اسرية مكونة من ام واب وشابين واحدهما لم يظهر على الخشبة, (وكان استحضاره من خلال الحديث عنه فقط), تشكل اطار بنية النص من مشاهد متعددة ومتداخلة بينت فيها حوارات الاسرة فشل العلاقة الزوجية وعلاقة الشاب بصبية يصطحبها الى السينما كما بينت هذه الحوارات عشق الزوج لماتيلدا (بنت من بنات الهوى). جاء نص المسرحية بمثابة فلاشات يؤشر كل منها الى حالة او حدث من الحالات والاحداث اللبنانية. وفي هذه الاشارات, تنتقل الينا صورة الحرب والمسلحين, والقصف الاسرائيلي, وتنقل الينا مأساة ما تؤول اليه نهاية بنت الهوى. صوت الراوي وفي سياق سردي يتمرحل فيه الحكي بخط متسلسل ينطلق من الراوي في اعلى المسرح وهو يروي قصة علاقته بأبيه, والاب بدوره يسرد طبيعة علاقته بزوجته وبصديقته ماتيلدا, ويتم تجسيد ما يرويه بصريا على الخشبة. وتتنوع روايته, بين الحب, والموت, والثورة, والوطن (موت ستالين) . واذا كان المسرح قد لجأ الى السرد بشكل كبير كضرورة درامية, او كحل لما تتطلبه القواعد المسرحية الصارمة على صعيد الكتابة من تكثيف لزمن الحدث, والالتزام بوحدة المكان فيه, فإن السرد في هذا العرض جاء ليفرش العرض الى مساحات تمثيلية, ومكانية متنوعة, وهو في هذا العرض تم سوقه كما في المسرح الحديث وليس الكلاسيكي. مثلا في المقدمة بدا السرد يجول على شكل حوارين بين شخصيتين, ترويان حديثا في الماضي يقع خارج الخشبة, وهنا تكمن لعبة لينا أبيض اذ انها توقع الحدث داخل الخشبة, فيتحول فيها السرد الى ابلاغ ورواية سيحصل على الخشبة وليس خارجها. لقد خرقت ثبات المكان, عندما عملت بتأثير بريشتي (نسبة الى بريشت), واستخدمت تقنيات المسرح الملحمي الراوي ـ الحكواتي, الممثل ـ المؤدي والراوي الذين يؤدون في عدة امكنة على الخشبة. وعلى مستوى تقنيات كتابة النص, لقد خرجت لينا ابيض عن رواية الياس الخوري, وابقت على ملامح واشارات جاءت بمثابة اطار زمني ومكاني للحدث (الحرب اللبنانية, الاسرة, الحرب الاسرائيلية اللبنانية, وبنات الهوى, والمقاتلون, والمقبرة), وافردت مكانا اكبر للسرد في النص المسرحي وسعت الى ادخال الدرامي في قالب السرد (على طريقة المخرج الامريكي روبرت نيكلسون). تماسك المشاهد سعت لينا ابيض الى بناء نص متين ينطلق من رواية الياس الخوري ولا يلتزم بأحداثها وشخصياتها. وعلى الرغم من هذه الجدية لم تستطع الحفاظ على تماسك المشاهد والاحداث, التي جاءت متناثرة, متباعدة, ولم ينقذها سوى الخيط الدرامي الذي ارتبط بالحرب اللبنانية. وهو ليس واهيا وان كان مرتبطا (برائحة الصابون) كله صابون كما تقول احدى شخصيات المسرحية التي بلغت حد العدمية واليأس. اعتمدت لينا ابيض على الكثافة البشرية (المكون من عدد كبير من الممثلين): شخصيات كثيرة تساند الشخصيات الاساسية: الراوي بشخصياته الثلاث, الاب, الام, المقاتلون, وبنت الهوى ماتيلدا. كتلة بشرية تتنوع بين الراقصين هؤلاء الذين حملوا التابوت, والمرأة الواحدة المستنسخة الى ثلاث نساء, وجسد مشهد هذه المرأة ـ النسخ الثلاث, لحظات حلم الراوي بلقاء حبيبته, وتساؤله عما سترتديه, وصيغ بصريا عندما اخترقت الخشبة ثلاثة سرائر مكسوة بشراشف حريرية, تجلس على كل منها امرأة تؤدي حركات راقصة, وامام كل امرأة يجلس رجل في ثياب النوم. تعددت الوجوه على الخشبة وتنوعت الادوار التي ادّاها عدد كبير من الممثلين. انسجاما مع خيارها الاخراجي للاسلوب التغريبي البريشتي اوجدت ثلاثة رواة لشخصية واحدة, تشكل منها قطعا لاستمرارية الحدث, ولكسر الايهام. ويبدو ذلك في شكل مونولوج او على شكل اغنية توجه الى الجمهور, او في مشاهد تجسد فكرة او احلاما مثلا (مشهد الراوي ـ ابن ـ الذي يحلم بملاقاة حبيبته وتخيل نوع الثوب الذي سترتديه ليلة اللقاء, فيتم تجسيد هذا الحلم في اللحظة ذاتها على الخشبة, عندما تحضر الى الخشبة ثلاثة اسرّة, مغطاة بشراشف حريرية بيضاء, وثلاث نساء يرتدين الثياب البيضاء ويرقصن, والرجال على الاسرة يراقبون. اذن, هنا حدد السرد شكل الاداء الذي يقوم على تمثيل الحدث وروايته معا في سياق تغريبي ويبدو ذلك ايضا في تبادل الادوار التي تشير الى الخروج من الدور الابن والتحول الى راو. وقد تم ذلك في مشهدية اتسمت للحظات بجمالية لافتة ودينامية لدى تحويل الفكرة او الحوار الى صورة في سياق تزامني في اغلب مشاهد المسرحية. الخشبة و الديكور يفترض السرد الذي استخدمته لينا كبنية لنص عرضها مسرحية من نوع اخر, مسرحية يتم حيز اللعب فيها على خشبة مؤلفة من عدة مستويات, لذلك بنيت الخشبة في حيز هذا العرض على ثلاث مستويات. استثمرت لينا فضاء هذه المستويات بأبعادها الافقية والعمودية. الافقية جاءت امتدادا الى الاعلى حيث وضعت شاشة السينما (الاطار المكاني والزماني للحدث) حيث يبدأ العرض بدخول الممثلين الراوي وحبيبته لمشاهدة فيلم سينمائي. وفي هذا المستوى الصاعد من عمق الخشبة, يبدأ تسليط الضوء على الشاشة, فنشاهد الفيلم ونسمع همسات الراوي خارج الفيلم وهو يعبر عن رغبته في الاختلاء بحبيبته عندما يموت البطل. وفيما يتم السرد على المستوى الاعلى من المنصة, يجري تجسيد الحدث على الخشبة, حيز اللعب. وهنا تبدأ الفرجة, فتجسد مشاهد القتل, الزواج, والخيانة الزوجية, والموت, والدفن. وفي احدى زوايا الخشبة تتجاوز مشاهد الحرب والتقاء المقاتلين ليلا, وخروج احدى بنات الهوى لتبحث عن رجل في ليالي القصف. وعلى الخشبة حيز اللعب, قسم الديكور الى ثلاثة ابواب, كل باب منها وضع عليه بوستر كبير (اعلان لفيلم سينمائي) ثم اتسعت الخشبة والمسرحية بمستوياتها الثلاثة لتسع الاداء الذي جسد السرد في هذا العرض. وقد اغتنت الخشبة بأدوات سينوجرافيا معبرة, اكثرت من استخدامها لينا ابيض: استخدام السلايد, وفي مشهد ستالين عملت على قلب الابواب الثلاثة التي وضعت على الخشبة لتشير الى مداخل السينما فتقلب الى ابواب ثلاثة تلصق عليها بوستر اي رسوم تدل على ايقونات روسية ـ صور السيد المسيح. ثم يدخل منها النساء والرجال متشحين بالسواد حاملين التابوت, والمظلات السوداء, لتلاوة القداس ولاقامة جناز ستالين, وتتكرر الحالة نفسها في مشهد موت الاب. وتتحول الابواب نفسها الى مداخل لغرف النوم, والحمام, وكذلك في مشهد العرش, تخرج من هذه الابواب الراقصات والعازفون.. وفي مشهد الولادة, ثم الموت. مشاهد حية مشاهد حية, ملأت الخشبة حركة وحيوية, شكلت فيها السينوجرافيا عنصرا بصريا مشهديا مهما, انسجاما مع صيغة السرد التي اعتمدتها لينا لتجسيد رؤيتها الاخراجية. ولم تكتف ابيض بالتعبير عن رؤيتها من خلال السينوجرافيا والديكور, بل استعانت بملابس وازياء يتناسب كل نوع منها مع المناسبة المعروضة على الخشبة (ثياب الفرح, ثياب الجناز, ثياب بنت الهوى, المقاتلون) ظهرت في سياق واقعي منسجم مع حركة هذه الكتلة البشرية او العناصر السينوجرافية المتغيرة باستمرار, وعناصر الديكور المتنوعة. احتشدت على خشبة العرض, العناصر المسرحية السردية متجسدة عبر عناصر ادائية وبصرية ـ مشهدية, فتمكنت في مشاهد عدة, من تجسيد الازمنة المتغايرة والامكنة المتنوعة, واختلطت فيها اشكال التعبير بين المباشرة والتغريب والايحاء (السينما). ان ادارة ستة وعشرين ممثلا ومؤديا على الخشبة يتطلب جهدا كبيرا, يمكن من خلق حالة الانسجام بين الممثل ودوره, والممثل والاخر, والممثل والجمهور.. وعلى الرغم من المحاولات الجادة التي قامت بها لينا ابيض لخلق حالة تفاعل وانسجام ولتكثيف الاداء المعبر, انفلتت بعض مشاهد العرض من منطقيتها الدرامية, وقعت في انفلاشية كبيرة على الخشبة, مشاهد الرقص والمدافن, واوقعت السرد في فراغات لم يتمكن التجسيد البصري من التعبير عنها. المشاهد متنوعة, والممثلون عددهم كبير, والادوات المستخدمة متعددة لا بل كثيرة, كل هذه العناصر المرفقة بالموسيقى والاضاءة المعبرتين, تحتاج الى تعبيرات مشهدية اكثر بساطة وكثافة يمكن ان تؤول دلالات الحرب اللبنانية ووجع اللبنانيين, وحال الاسرة في تلك المرحلة. من جديد, يقوم المسرح اللبناني بتصوير الحرب اللبنانية من خلال نص يجمع الى وجع الحالة, مرارة الذكرى واحسسنا بذلك بحدة هذه الحالة, على الرغم من ان لينا سعت للتخفيف من شدة القسوة والالم, بالانتقال من أجواء الحرب الى اجواء الفرح في سياق تهكمي ساخر. وختاما, يمكن اعتبار عمل (رائحة الصابون) رؤية بصرية, مشهدية, مسرحية, سينمائية خاصة تدون الحرب في الذاكرة, وتخزن مرارة المرحلة تستفزنا.. حتى لا ننسى. بيروت ـ د. وطفاء حمادة