مقولة رئيسية حملتها مسرحية (يقظة الربيع) التي قدمها ترجمة واعداداً واخراجاً الدكتور رياض عصمت على خشبة مسرح الحمراء بدمشق, وتتمثل هذه المقولة بالقمع واي قمع اشد تأثيراً على المجتمع من قمع تساؤلات شبابية حول امور الحياة والموت والحب خاصة حينما تكون هذه التساؤلات، مشروعة وفطرية في آن معاً والاجابة عليها من عالم الكبار لايبدو ذنباً بقدر ما يبدو اخفاءها ضرباً من العقاب النفسي لشخصية المراهق مما قد يجعله يعيش حالات عصبية كما اوصلت الشاب في هذا العمل الى تلك الحالة وتركت صديقه ملكيور (امجد طعمة) يتحمل ذلك نفسياً وحتى اجتماعياً من خلال قمع المؤسسة العائلية والاجتماعية وحتى التربوية لكل افكاره وتطلعاته. (يقظة الربيع) مسرحية تأخذنا إلى عوالم مؤلفها (فرانك فيديكند) الذي بدأ بكتابتها وهو لم يتجاوز السادسة والعشرين من عمره ولذلك كان موضوعها الاساسي هو الصراع بين قمع الكبار وتوق اليافعين لاستكشاف الحب في بلدة المانية صغيرة. وقد طبعها (فيديكند) عام 1891 رغم انها لم تعرض حتى عام 1906 في ألمانيا وهي من مسرحياته الهامة اضافة إلى (صندوق باندورا) و(اوبرا الان بيرج) وفي هاتين المسرحيتين قدم شخصية مثيرة للجدل وهي شخصية (لولو المرأة الشهوانية) وله ايضاً مسرحيات (الماركيزكيث) 1900, (الملك نيقولا) 1902, (قلعة فتر شتاين) 1910 و(فرانسيشكا) 1912. واضافة إلى تأليفه المسرحي فقد كان شاعراً تهكمياً وصحفياً ومدير دعاية واعلان وسكرتيراً لسيرك متجول, واذا كان المخرج د. رياض عصمت قد اختار يقظة الربيع ليقدمها لجمهور دمشق فهو يقدم مغامرة مسرحية تنطوي على الكثير من المخاطر, فاختيار هذا العمل الذي ينتمي إلى المدرسة التعبيرية يحمل في طياته جرأة واضحة أولاً من خلال طرح موضوع المسرحية واعدادها إلى اللغة المحكية المحلية مع ابقاء اسماء الشخصيات على حالها, وثانياً لان تاريخ هذه المدرسة نشأ في الغرب وأتانا متأخراً. فقد سادت التعبيرية بوجه خاص في المانيا بسبب اعمال جوته وشيلر المبكرة جداً ثم ارتبطت بالحداثة في الفنون والآداب وأرادت ان تمحو كل اشكال الواقع التي اثبتت الحرب فسادها اضافة إلى انها حاولت ان تقضي على قيم التراث البورجوازي في السياحة والفن, وكانت هذه المدرسة ردة فعل طبيعية تجاه المدرستين السائدتين في نهايات القرن التاسع عشر وهما (المدرسة الطبيعية) و(المدرسة الرمزية) , اما مسرحياً فقد تحررت التعبيرية في المسرح من قانون الوحدات الثلاث واعتمدت على تأثيرات الاضاءة وتعدد مستويات المسرح كذلك اعتمدت على التمثيل الايمائي والتجريد فيه ولا يوجد في المسرح التعبيري قطع ديكور واكسسوارات ثقيلة بل يكون شبه عار والمتفرج مدعو لاتخاذ موقف بعيد عن ايهام المسرح الكلاسيكي. اشكاليات العرض لعل هذا التعريف بالمسرح التعبيري يقودنا إلى الدخول في اشكاليات العرض الذي قدمه المخرج رياض عصمت, فالنص وان كان تعبيرياً لكنه يقف على حدود اخرى مختلفة اولها انه ترجم واعد باللهجة المحلية الدمشقية وهذه مغامرة لها الكثير من الاشكاليات ايضاً وهي تثير تساؤلاً مباشراً وهو: هل يمكن ان ندخل قيماً مدرسية بشكل مباشر في صلب الحياة والتقاليد المحلية المختلفة اصلاً عن شكل اللهجة المحكية؟, واذا كانت الاجابة بـ (نعم) لان القضايا الانسانية متشابهة في كل المجتمعات. فتقول لماذا بقيت الاسماء الأجنبية ولماذا اقتصر الاعداد على اللهجة فقط؟! بكل الاحوال فان مسرحية (يقظة الربيع) اتت لتحاكي الطبيعة الانسانية بكل صراعاتها بعيداً عن اشكاليات اللغة وما يمكن ان تضعه امامنا واذا كان محور الصراع هنا بين جيلين فانه بالمقابل صراع بين شكل الافكار التي يحملها الجيل الواحد, فشخصية الشاب المراهق (ملكيور) امجد طعمة تبدو شخصية متسائلة وخارجة عن القانون الاجتماعي الذي يحيط به بل ان الثقة الممنوحة له من (مدام جابور) صباح بركات هي ثقة اجتماعية لا تنتمي لشكل الطبيعة التي يحملها بقدر ما ترى الام في ابنها انعكاسا لشخصيتها المتوازنة خارجياً وبالمقابل فان جهل (ويندلا) كامي خليل هو جهل طبيعي ويزداد تعقيداً باجابات الام وفاء موصللي تلك الاجابات الشعبية التي تعتقد انها لن تخدش الحياء فالجنين عندها يأتي من امرأة تدعى (الشوحة) وهي امرأة خيالية صنعتها الثقافة الشعبية وهذه المرأة تعطي طفلا لمن تحبه وتكون اخلاقه سليمة مما يجعل الفتاة تتساءل عن اخلاقها وامام هذا الضياع النفسي يبدو الضياع الحقيقي حينما تخطىء اجتماعياً الفتاة ويندلا مع الشاب ملكيور او حينما ينتحر (موريتز) ميلاد يوسف ليحمل ملكيور صراعاته النفسية وتحمل ويندلا صراعها الفيزيولوجي والمواجهة هنا لا تقتصر على مواجهة الاب والام بل على شكل كاريكاتيري مع الهيئة التربوية فالهيئة التربوية محافظة بطبيعة الحال ولكن المخرج وضعها في شكل مبالغ فيه حيث استخدمت الاقنعة الغريبة لتبدو اكثر ايلاماً وعنفاً وتقليدية. المدرسة التعبيرية واذا كانت عناصر المدرسة التعبيرية تقيم وزناً لحركة الجسد وحتى التخيل الايمائي فان هذا العنصر اتى متواضعاً فالممثل ارتبط بشكل مباشر مع تصاعد الحوار مما خلق جواً تقليدياً لا يمكن له ان يتواصل مع الاجواء الحقيقية للتعبيرية واذا كان المخرج قد استعان بممثلتين قديرتين تلفزيونياً هما وفاء موصللي وصباح بركات فان مقدرتهما لم تغفر لهما الطبيعية الواضحة على المسرح وعدم التمييز بين المسرح والتلفزيون من خلال امتلاك الادوات التمثيلية. وبالمقابل اعتمد المخرج على الشباب كون العمل يحاكي روح المراهقين فوفق بذلك اكثر مما وفق في الحالة الاولى ولكن دون اعطاء الجسد حقه في الحركة بل بقيت اللغة الحوارية هي المستوى الاعلى لحركة المسرحية وهذا ادى إلى انخفاض مستوى التماهي مع طبيعة المتلقي رغم ان اللغة الحوارية قد ترضي المتلقي في احيان كثيرة اكثرمن لغة الجسد او المشاهد الحركية والتلوينات البصرية المتعلقة بالممثل اولاً وبالديكور ثانياً (ديكور زهير العربي) فالمعروف ان التعبيرية تهتم كثيراً بمستويات المسرح وتهمل الديكور كي تقدم مستويات نفسية متوازية مع المستوى الذي يطرحه العرض ولكن المستويات التي اتت في هذا العمل لم تخدم العرض بل سطح المستوى ليكون قريباً إلى المستوى الواحد مما خلق فجوات كثيرة حاول الديكور ان يزخرفها بصرياً فطغى عنصر الاهتمام بالديكور على حساب المستويات وجعل الخشبة المسرحية تعاني من قلق واضطراب توضح في التقطيع المشهدي الذي اعتمد كثيراً على الاضاءة (اضاءة نصر سفر) واتت ازياء (آناتشو مبيليك) لتحاكي ازياء القرن التاسع عشر فأشبعت بالزخارف التي لا تهتم بها التعبيرية كثيراً. وهذا كله شكل ضعفاً سينوغرافياً تجلى في محاور الخشبة المسرحية وحتى احياناً في توازيها الافقي. وامام هذا لا يمكن ان ننسى ما قدمه العمل مسرحياً وأهم ماله استطاعته وبامكانيات متواضعة ان يقدم مسرحية (يقظة الربيع) التي تنتمي إلى المدرسة التعبيرية بأسلوب فيه الكثير من الحساسية النفسية أولاً وحساسية المغامرة في مثل هذه الاعمال, فأسلوب المغامرة واضح منذ البداية والجهد فيه واضح أيضاً فالعمل اعتمد على الممثل بشكل رئيسي وعمل الممثل هنا لابد من مخرج قدير يدير دفة العمل بكل دقة وحساسية وهذا مارأيناه في العمل الذي اتعب حقيقة المخرج رياض عصمت, اضافة إلى ذلك فالمسرح هو حالة تركيب اجتماعي بشكل فني ودوره الرئيسي هو طرح الاسئلة الفكرية وتعميقها بشكل كبير يؤدي إلى كسب الفائدة الفلسفية من خلالها وهذا بالطبع كان واضحاً في هذا العمل الذي جند فيه الكثير من الممثلين اضافة إلى ماذكر (سمر كوكش, سهيل الجباعي, محمد آل رشي, هدى الخطيب, نزار ابو حجر, رشا الزعبي, نور الدين مارديني, فادي حموي وحسين صيداوي) اضافة إلى الفنيين وهذا جعل العمل يأخذ طابعاً احتفالياً ليس على مستوى الظاهرة المسرحية فقط بل أيضاً على مستوى المشهد الثقافي السوري الذي يفتقد كثيراً لمثل هذه التجارب (المغامرة) ؟!. دمشق ـ محمد احمد يوسف