في بلدة راشانا الجبلية اللبنانية الوديعة يبدو كل شيء (صامتاً) باستثناء حجارتها, فبعد أربعين سنة تمكن اثنان من أبنائها من جعلها ملتقى دولياً للنحاتين, ومحترف سنوي مفتوح لابداعات جديدة تتمثل أشكالاً هندسية فنية من الحجارة والخشب وما شابه من جامد كان صامتاً, لا تعبير منه, ولا عبرة فيه. ميشال بصوص كان الأول ثم غاب, ليتابع شقيقه ألفريد تحقيق الحلم والمشاريع القديمة بتمويل راشانا ملتقى للأعمال الإبداعية عبر إطلاقه ورشة النحت الحديث ودعوة نحاتين عالميين, وعرباً للمشاركة في البارك الأولي الذي أنجز خلال السنوات الأربع الماضية 39 منحوتة نصبية عرضت على الجبال المشرفة على البحر أضيفت إليها هذه السنة 7 منحوتات نفذها سبعة نحاتين من فرنسا, بلجيكا, المجر, الأرجنتين, ولبنان, وفي إطار المحترف الدولي. في أعمال هذا المحترف أكثر من حوار بين طبيعة راشانا وإشارات التجريد, فقد ظهرت فكرة الانبعاث في أكثر من منحوتة, وجسدها النحات الفرنسي ريمون جالييه في حبه المطلق لتكسرات الأشكال البدائية الخام النابعة من أعماق الطبيعة. فهو يبدأ حركة منحوتته من لب الأشكال, أي من الداخل الحميمي الذي يكبر ويتصاعد كحلم صخرة عملاقة على شكل هيكل عظمي لحيوان بحري أسطوري, كما لو أن فكرة الانبعاث تختصر الشكل التجريدي الشعري القائم على مبدأ التناظر والتماثل, والباحث عن قامة طوطمية أسطورية تكتب بالانزياحات العمودية حكاية التموجات التي تهزها الرياح والسيول والأمطار والأمواج على السطوح الصخرية المتعاقبة, وتنتهي عند القمة على شكل بيضاوي أشبه بالرأس. وما إصرار ريمون جالييه على تركيب الشكل البيضاوي (طباق لنصف دائرتين) على قمة منحوتته النصبية, (اسطورة أدونيس) إلا محاولة لكتابة قصيدة حب لصخور راشانا التي لقبت في الميتولوجيا الأرامية: بالرأس. أسطورة أدونيس هذا الموضوع الموحد (اسطورة أدونيس) ترجم أشكالاً مختلفة الأساليب, إنما لم تبلغ درجة التجاوب الداخلي الذي يفترض تفاعلاً عفوياً وانحرافاً نحو غنائية مجانية. طبعاً, لعبت الاسطورة دور المحرك, إنما كان للنحاتين الوقت الكافي لخلق الفكرة الملائمة لاحتواء الموضوع ومعالجته في أسلوب بعيد كل البعد عن الواقعية الباهتة, وإذ درجت راشانا على إقامة محترفها الدولي سنوياً, فإنها المرة هذه وفقت في جمع سبعة نحاتين هم من الجيل نفسه (مواليد الأربعينيات والخمسينيات), وينتهجون الأساليب الحديثة, وأدواتهم وتقنياتهم وموادهم من المنبع ذاته, بيد أن التعاطي معها هو بيت القصيد. بدا التوجه العام تجريدياً مع المحافظة على صلة, وإن ضعيفة, ببعض العلامات ـ أو الرموز ـ التي تمكن المشاهد من الدخول إلى مضمونها العام, ثم ربطها بعضها ببعضها الآخر لوضع علامة تميزها عن سواها وتبين هويتها وموقعها, ونلفت إلى أن هذه الصخور كانت كلها بيضاء هذه السنة, مائلة إلى الرمادي الفاتح, ولحسن الحظ أن المنحوتات لم تزعج بعضها بعضاً, رغم أن المسافة بين الواحدة والأخرى كانت ثلاثة أو أربعة أمتار فقط, أضف أن الأعمال السبعة التي تجاورت ووضعت في نصف دائرة, بدأت بمنحوتة جوليا فرجات, تلتها منحوتة فادغا جيزا فيرنيك, ثم تمثال علي محمد سعد التاخيس, وفي وسط نصف الدائرة, وفي العمق الفضائي, تجاورت منحوتتان لجان بول شابليه, وندى رعد وميشال حداد. تمكنت الاسطورة من حث النحاتين على التعامل مع الصخور بخلفية تخيلية تفترض النصبية, مهما يكن الأسلوب المعتمد في التصميم والإنجاز, وارتفعت المنحوتات, وبلغت قياسات تفوق قامات نحاتيها, فالكتلة الصخرية, التي نحتها كل منهم, كانت ضخمة وكبيرة, والعمل فيها مرهقاً, انما استطاع بعض أولئك المحترفين إنجاز عملهم على أفضل وجه. لغات نحتية متعددة غامر ريمون جالييه وقسم الواجهة الأمامية للصخرة عمودياً الى قسمين متواجهين, يحدان الوسط الأملس, وكلاهما في دقة كأنه يثني قماشة من الحرير, قلم أفقياً الطرفين, بينما تفانت في تمليس الوسط حتى بدا كالجلد المجرد من الشعر, كلل النصب بكرة صغيرة مبلطمة, وتركه كإله صامت ينتظر لحظة الالتقاء بالحياة مجدداً, تربع على يسار التمثال, أدونيس الأسطورة, المحشور داخل تزييحات محفورة للنحات السعودي التاخيس, شذب بعض الزوايا من الصخرة ثم حفر ممرات عدة بين الأحجام التي كانت إما نافدة أو حادة, مرتدة إلى الداخل لخلق انطباع متناقض بين التجويفات الملساء والموحدة الكتلة والمناطق النافرة التي حظيت بتشكيلات هندسية مزخرفة, والكتلات المتراصة عمودياً, صعوداً من الأسفل حتى الرأس, مروراً بالوسط ذات التجويفات القليلة, أعطت باتساعها وانفتاحها نحو الفضاء بعداً فنياً عربياً حيث للزخرفات المنمقة قوة ايحائية تجريدية. منحوتة جوليا فرجات تذكرنا, وإن بلا وضوح, بالمنحوتات الهندية, ما قبل الكولوجية, فالجسد تقليمات نافرة ومكورة جانبياً لناحية الكتف, وبالطول من الوسط حتى الكاحل, وترويسة ثلاثية أمام الرجلين, ذاك جاء من بعيد واختار أرض راشانا ليحدث (الفرق) . بيروت ـ شاكر وهبي