الافكار, حياة الكون, وبقدر شمولية الكون واتساعه وامتداده, تكون الافكار ساعية الى التحقق لبناء موضوعات الانسان, وهنا لابد أن تبرز مسألة ارتباط الموضوع بالزمان والمكان, وهذا ما يجعلها تبني قيودها وتقلل من اطلاقها. لقد احس الانسان سابقا بضرورة لا تناهي انتماءه الى الكون, وقد عكس هذا اللاتناهي ضرورة التفكير الجمعي وضحد الافكار الفردية لكائنات الوجود. وينطبق ذلك على فلسفات وايديولوجيات لم تعد تلق اهتماما في ظل تصاعد وتنامي الحس الفردي وضرورة التميز الداخلي للفرد ككائن متكامل في عزلته تؤمن له التقنية وسائط ارتباط (ما فوق اجتماعية) لا تعتمد نهائيا على الروح العفوية للكائن وانما على (وهم التجلي الانساني) من خلال الحدود التي يسيطر بها الكائن على الزمان والمكان لبناء افكاره, التي لم تعد مرتبطة بقاسم مشترك محدد لتحديد الموضوعات وماهياتها, وانما بقواسم تحقق تجلي الكائن في طروحاته التعبيرية, واهم هذه الطروحات (الصورة) التي ستمكن الانسان من تحقيق افكاره وتحويلها الى محسوسات انسانية وكونية. لقد اختفى الموضوع الاساسي للصورة لدى (هيجل) حين اعتبرها وهما بعيدا عن التحقق, وهذا ما افسح له اعتبار الفكر قضية تطورية غير ثابتة تشمل (التفكير المتطور) الذي لا يعترف الا بما هو حقيقي, وهذا المفصل مركز اساس للانطلاق بنظم التفكير المعرفية, التي تستمد التوهم بها من اعتبارها ممارسات جمالية لما هو فوق الواقع او التحقق الجمالي الحسي, خاصة ان الامور لم تعد تقاس بالقيم التفوقية للعناصر او الموضوعات او الافراد, او قيم تحقق الافكار كمواد تعبيرية تهم مبدعها بقدر ما تهم الفئة الموجهة اليها. والصورة في تطرقها للواقع لابد أن تمزج (الفكرة بتصورها), كي تخرج الأحاسيس المجردة من وهم تصورها وادخالها في حيز (الفعل البصري) المشكل للمادة الاولية او الاساسية التي تؤلف علاقة (المتصور) بامكانات تحققه التعبيري, والفني في الماهية التي ستشكل عليها, بعد مروره بالمفاهيم السائدة (زمانيا ومكانيا), وخضوعه لعلاقات الثقافة الشاملة والسائدة التي قد تجعل منه مناقضا لتحققه ومتباينا مع كل ما يناهض تجليه على هيئة الحياة. لقد اعتبر فيشر ان الرائع هو فقط كل حي, او كل ما يبدو حيا, ولا يشير فيشر بالتأكيد الى الحياة او الحي بالاعتبار المتجسد في المعنى فقط, بل تمتد اشارته الى المفهوم العام كما تحدده تفاصيل وجوده الفعلي, اي ان الامر مرتبط بمفهوم (قوة الحياة) اكثر من ارتباطه (بواقع الحياة) وهذا يؤكد دور الوهم في تشكيل الحياة وما يصبغه عليها من مصادر تؤلف اعتبارها طارئة على جوهر تحققها, اكثر مما هي ثابتة في هذا التحقق. ان (رائع) فيشر هو التربة الخصبة التي تحقق الصورة, المفهوم المتغير للتخيل الانساني المنقسم بتغيره الى تغير سائد وتغير طارئ, يحققان سواء بالتجاذب او التنافر بين الفكرة وامكانيات تحققها, اي فيما بين الفكرة وشروط التخيل التي تعرض نظم تحقيق هذه الفكرة وارتباطها بالاشكال او ما يمكن ان توحي به. الصورة اذن هائمة بين الشكل والفكرة, ولكل منهما سلطته على الحيز المعنوي لفيض الخيال الذي يغلب طرفا على اخر, الشكل الذي هو ظاهرة ثابتة يحققها الخيال عن المتصور ولا يمكن تغيير مواصفات تحققها الا باستدعاء مفاهيم مغايرة ومختلفة تؤسس لبناء الاشكال الجديدة. اذ يبقى الشكل هو ذاته او ما حققه من شروط تواجد تتعارف عليها الكائنات المتعاملة معه (سلبا او ايجابا) ولا يمكن تغييره الا بتغيير شروط تحققه عبر تبديل لغة صياغته والهدف منه بلغة تقتحم الفكرة من الصورة والمشاعر او الاحاسيس التي سيجري استبدالها للتدليل على العلاقات الجديدة التي ستخلفها عاصفة الانقلاب الذي نحدثه في ظاهرة شكل من الاشكال, كونه حقيقة (مادية او معنوية) وعلى ارتباط شامل ولا متناه مع الواقع (الواقعي او الافتراضي) الذي نعتبره كونا فاعلا في تشكيل ذات الشكل. انا في الصورة قد يغير التناقض ـ احيانا ـ وجه الصورة, بسبب الاشارة الى متغيرات تطال ذاتها (القوى المتصلة بمركز توليد الصورة) وقد يكون لاصطدام المعاني الناتجة عن الصورة بالقوانين الاخلاقية والوضعية المتعارف عليها ضرورة تؤدي الى وضع حد لصراع الانبعاث من الانتهاء (اللامحدودية) مع الاوضاع المفهومية لسلطة الشكل.. هذا الصراع الذي يمكن اعتباره منطلق التحولات الذهنية لانتاج وسائل تقلب التصور وبالتالي تصوغ الخيال على صورة الحقيقة أو أن هذه الحقيقة تستميل الصورة المتطورة النائسة ما بين الصدفة وشروط تحققها التي يؤمنها الفعل الانساني الخلاق ليس في ظلال القوانين بل في شمس تحطمها وتجاوزها.. وفي نور الصراع الناشئ دوماً مع الاشياء والافراد والتصورات والنظم والقوانين لتحقيق عظمة الجديد, الصائغ الحيوي لملامح وجه الصورة الجديدة. والصورة الجديدة, انما هي الصورة التي تقدم نفسها كأمر لا ينتهي او يتحقق انجازه, فهي مختبر للتفكير الدائم, وبهذا يمكن ان يكون بولوك قد ادرك القوى اللامحدودة لصورة في قرن كان يغادر تقاليد الصورة التقليدية ويعلن ثورته على نمط التفكير الاوروبي ولهذا نراه يقول في العام (1947 ـ 1948): (رسمي لا يأتي من مسند اللوحة. انا نادرا ما اشد قماشتي على اطار قبل الرسم. انا افضل ان اثبت القماشة غير المحددة على حائط صلب او على الارض بالمسامير. وعلى الارض احس براحة اكبر. اشعر بالالفة لأني احس بأني جزء من ( الصورة) مادمت بهذه الطريقة استطيع ان ادور حولها. استغلها من الجهات الاربع, واكون حقا (في الصورة) ان هذا يماثل ما يفعله رسامو الرمل الهنود في الغرب الامريكي. مكثت بعيدا عن ادوات الرسم المألوفة, مثل المسند, وطبق الالوان (الباليت) والفرشاة.. الخ. انا افضل الأعواد والمالجاث والسكاكين والصبغ السائل المقطر او الطلاء الثقيل مع الرمل, والزجاج المهشم او اية مواد غريبة اخرى مضافة, حين اكون في (الصورة) لا اعي ما انا فاعل, انما ذلك يحدث بعد فترة (تعارف) , عند ذاك ارى ما انا مشغول فيه, لا تحدوني مخاوف من اللجوء الى التغيير, تحطيم (الصورة الذهنية) الخ, لأن للوحة حياة خاصة بها. انا احاول ان اجعل الحياة تنبثق من خلال اللوحة, وحين افقد الاتصال مع اللوحة تصبح النتيجة فوضى.. ما خلا ذلك, هناك انسجام خالص, اخذ وعطاء بسهولة, وتأتي (الصورة) على خير ما يكون) . (جاسكون بولوك ـ رسمي وامكانات). صراع الرؤية ان انشغال (الصورة) ببناء ملامح الزمن على هيئة الجمال, يجعل هذا الجمال عابرا وغير مستقر على حال, حاله حال الزمن, فكل ما يجعل المبدع منشغلا به يحقق ضرورة انتهائه والانشغال بقضية اخرى تدفن ما سبقها او تفكك علاقة الرؤية بها فتغدو الصورة حينذاك في اسار السكونية الجمالية التي لا ينعدم القصد منها وانما ينعدم التواصل معها كحامل لفعل اللحظة التي تبذر صراع الرؤية والوعي به, تحقيقا لرؤية شاملة لحقيقة تبقى تائهة حتى لحظة انبثاقها الصدفوي من حواس الفنان لتشكل رائع اللحظة ومنطقها واسرار تحققها, بما في ذلك كل الابعاد القياسية والتقديرية.. فالصورة المنجزة تخضع لشروط رؤيتها ايضا, رؤية بصرية حسية, تقتضي الالمام بقواعد هذه الرؤية والاحتياج الانساني لتحقيق عملية النظر اليها اولا والانتقال من البعد المكاني الى البعد الزماني المتجه الى الامام او الى الخلف, الاعلى او الاسفل, وكل ما سيتحقق على سطح (الصورة) باعتبارها قوة الجذب والتعبير اولا واعتبارها النموذج المتحقق لما سيليها من نماذج صورية تحقق تسلسل الكامل للناقص باعتماد (الصورة النافية) او اللاغية او الناسخة لسيادة مفهوم الحاضر التاريخي الذي يحمل خبرة الصورة الماضية ويقدمها بامتياز لمعنى التطور الآيلة اليه. يبدو ان التحديات التي تواجهها (الصورة) في تناقضها مع ذاتها أومع المتغيرات من حولها هي تحديات الفن التي واجهها في صعوده وتتاليه لبناء الرؤية الانسانية وتطورات روح الصورة, وبالمقابل فإن من المستحيل اعتبار القصد من الفنون قصدا مستقرا او انه يسعى الى هذا الاستقرار, وهذا ما ينطبق على احوال الصورة في تحديداتها التي قد تقود ـ احيانا ـ للتطابق مع الواقع الذي يمتد الى ما وراء المدركات الانسانية التي نبلغها بالتأمل الوجدي لظاهرة الفن اي ظاهرة تحقق الصورة, هذا المفهوم الذي تمتزج به روح الفنان وتصوره عن العمل الذي يسعى لتصويره, لا بل وتجاوزه الى الرؤيا الشاملة للعمل بوصفه معرفة تحاكي الانسان المعبرعن هدف الفنون وغايتها. يذكر جان ماري شيفر في كتابه الفن في العصر الحديث قولا لشوبنهور: (الكون الممثل في عمل فني ليس الا (صورة)) , ظلا, واذن لا يتسنى له ان يصير موضوع شهوانية موضوعا لرغباتنا او لاحقادنا اي لا يتاح له ان يصير دافعا لارادتنا, ومنه انبجاس تلك الحالة الوجدية في التأمل المتجرد عن المنفعة: فإن ارادتنا توضع بين هلالين مادمنا نتأمل عملا فنيا) . وهذه الارادة تشكل في تحققها ممارسة انسانية واعية للفن, اي امكانية الكشف والتخيل لظواهر الوجود المطلق بوصفه وجودا محققا وبوصفه وجودا ميتافيزيقيا محرضا للتأمل الانساني ودافعا باتجاه ملكات التدمير الوجدية التي تمنح المبدع وظيفته الحيوية في التجديد والتطوير بحجب المرئي ورؤية المحتجب لمواجهة الحقائق وحشد المشاعر الانسانية على هيئة (صور) لا متناهية تكون قادرة على ايصال حقائق التصور الظاهرة او التنبؤية والتي تكون على تماس مع تجليات الموهبة المحكومة بالحياة وانتقاداتها الى جانب (التاريخ الداخلي) لهذه الموهبة الذي يحقق فعالياتها ومرجعياتها البصرية والجمالية الضاغطة والموجهة باتجاه تحقيق النموذج او المشروع. القطيعة والتصور في التصور التشكيلي العربي ـ وحتى اليوم ـ لم تسع الفنون التشكيلية لممارسة هذا (التاريخ الداخلي) باعتباره مرجعية اساسية لبناء تصور العمل الفني, واقصد الاجابة المبتسرة على اسئلة الهوية المطروحة الى جانب انتاج العمل الفني من قبل الافراد والهيئات والمؤسسات والتوجهات النقدية, اذ لا يكفي مطلقا الاشارة الى التراث البصري دون اعتباره الاساس والماضي من حيث العلاقة به لتسويغ ما ينتجه الفنان العربي وما يمكن ان تحققه الاجيال لبعضها البعض في انجاز المهمة التي من خلالها يمكن دراسة او قراءة او رؤية التجارب الفردية المتفرقة التي تختزل خبرات بعضها البعض بالتكامل وليس بالنفي والاتجاه الى اعتبار كل لحظة ابداعية مشروعا للاسلبة باعتبارها حدود التوتر. وبالمقابل فمازالت البنية العلائقية فيما بين الفنون العربية وفنون الغرب هي الاقوى والامتن والامثل قياسا بانتماء التجارب العربية للارث التاريخي البصري الاسلامي او العربي او ما يمكن ان يشير الى انتماء للحضارات التي تتالت على مناطقنا العربية ولابد ان يتمثلها المبدع العربي اليوم ببساطة تفوق البساطة التي يتمثل فيها المرجعية النظرية والعملية الغربية المشكلة لجوانب الرؤيا التشكيلية في المحامل العربية, وبالتالي فإنها تبني الحافز لمحاكاة تجارب المبدعين في الغرب وخاصة (النموذج او الاسلوب) الذي استطاع المجهود النظري في الغرب ان يحقق سطوته على ابداع الشعوب الاخرى, واستلاب مفاصل بناء (الصورة) ابتداء من التقنين الذي تمارسه الدراسات الاكاديمية على المنجز التشكيلي العربي وانتهاء باستبعاد القيم العامة للموروثات التشكيلية البصرية باعتبارها المشكل لثقافة (الصورة). ان القطيعة التي طالبت بها اكثر من جهة حداثوية مع الماضي لتشكيل الحاضر, تمثل دعوة لاستلاب ضمن استلاب اشمل, فهذا الامر من المنظور الغربي, ممكن التحقق وخاصة حين يكون الامر غاية لتجاوز وحلقة تم تحقيقها وتمثلها الى حلقة جديدة تحتاج لدفع تصوري يقتضي القطيعة, بينما في مثالنا العربي, فالتشكيل العربي او التصور الحديث لبناء الصورة مازال يعيش بمجمله طوباوية التوجه والتصور لالتقاط دلالات القوة التي يمكن ان تبرز القواعد التي سينطلق منها الفن العربي, وهكذا فإن الدعوة للقطيعة مع التصور التاريخي, وانكار مالم يتم التعامل معه يصلح لأن يكون مزحة نقدية شديدة الهزء بالابداع التصويري العربي, لأن هذه الدعوة تدفع الفنان للانصياع اكثر لما يقع عليه من استلاب بصري تاريخي مارسه الغرب بوصفه منتجا للفنون (المؤسسة قواعديا) منذ القرن الثامن عشر, والاشارة هنا لا تقتصر على الفنون المسندية او النحتية وحسب, بل تشمل كل التقاطعات مع الفنون التطبيقية (الملابس, والعمارة والحدائق والخزف). ولاتقتصر الفنون المؤسسة في الغرب على قواها الداخلية وحسب, بل ان النظرة الفوقية على فنون الشعوب الاخرى قد جعل الدعوة الى القطيعة امرا يمارس بفجاجة مع السعي الى تأكيد الحضور والتصوري في العالم, وهذه النظرة ليست موجهة الى الفنون العربية واعتبارها فنونا (في اطارها الاسلامي) فنونا تطبيقية ترقى الى التفكرية او الابداع بالمواصفات التي اسست لها المؤسسة النقدية الغربية, بل ان هذه النظرة تمتد لتشمل الفنون الافريقية وفنون امريكا الجنوبية وشمال شرق اسيا.. الخ, يكتب شيفر في دراسته لفن العصرالحديث: (تكمن الملاحظة ذاتها بخصوص الفنون غير الاوروبية. حسبنا التفكير في التطور التاريخي لفن التصوير الياباني, احدى الذرى العالمية للحفر على الخشب, يمتد تاريخه تقريبا على ثلاثة قرون وتعرف اشكال تطور ملحوظة: بالانتقال من فجاجة المورونوبو الى الاتقان التأليفي لهارونوبو ومن ثم الى حسية اوتامارو, الى قوة رسم هواكوزاي او ايضا الجو الشاعري عند هيروشيج وممارسة الاوكيو, الذي خضع لتحولات متعددة , كما عرف هذا الفن (انقطاعا تقنيا وجماليا بالغ الاهمية), اعمال الحفر متعددة اللون في حوالي القرن الثامن عشر. الا انه لا يحمل تفكرية ذاتية لغائية بالمعنى التاريخاني للكلمة: ان التطور الفني لفن الاوكيو ينجم عن التفاعل المشترك لعوامل عديدة, بشكل خاص تنوع طلبات الجمهور, وأمزجة الفنانين واذواقهم واتقان تقنيات السحب, بتعبير اخر, يتصل الامر بتطور متعدد الدوافع مبعثر عبر مجال اجتماعي واسع, جمالي وايديولوجي دون محاولة من قبل الفنانين او الهواة لانتزاعه من هذا (المشوب) وغرسه في تاريخ (غائي داخلي) . لقد اطلت في هذا الاستشهاد لأشير الى النظرة التي يتعامل من خلالها التنظير الغربي مع فنون الاخر, ولهذا فإني سأشير الى ما يحتمله الرد, فقد اجاب الفنان الياباني المعروف توشيموتسو ايماي على هذه النظرة من خلال سؤال كنت قد طرحته عليه في هذا الاطار فقال: (دعنا نتحدث عن فهم اليابانيين للحياة, فمازال الانسان عصيا على الفهم حتى في عصر العلوم التي تتطور باطراد. ولعل وعي ما يستحيل فهمه انما يأتي من مفهوم الوجود, ويرتبط بعدم الاستقرار الحسي للاشياء الحياتية واليابانيون بخفون قدرتهم واردتهم ويحافظون على الخضوع الشرقي المبني على فكر يعتبر ان ثنائية الحياة او الموت, التقدم والفناء من ايقاع الطبيعة, اذ لا وعي بالفردية كالغربيين فنحن غير مضطرين لامتلاك وعينا الخاص كمثال,, بينما يبني الغربي وعيه مسبقا بناء يعتمد على مثال اعلى. ويضيف ايماي في اجابة اخرى (تتلمذت في الخمسينيات على يد مجموعة من الاساتذة امثال: ميشال ثابيه, جورج دوتويت, او نجاريتي, جان بولهان, اندريه مالرو, وارتبطت بصداقات مع سان فرانسيس, فوتريه, سولاج وقد كان لذلك تأثير في استعادة علاقتي ببلدي. شرود الفن اذا عدنا الى علاقة الصورة بزمن انجازها, او حاولنا ان نحلل هذه الرابطة فيما يخص المحمل التشكيلي العربي بالاستناد الى (انجاز الزمن في الذات) ورغم العديد من المحاولات لرفع الغبن عن هذه الصورة باعتبارما واجهته عربيا في النصف الثاني من القرن العشرين انما يقع في اطار المواجهة الدولية للكساد الذي لحق بمصداقية اللوحة عالميا كمشروع ثقافي, ويضيف الناقد اسعد عرابي الى هذا الامر (انوية وانانية الفنان العربي وان كانت تمثل رد فعل على صدمة المحق الثقافي التي تميزت بها مخالب النظام الثقافي العولمي الجديد) . وبالرغم من هذه الاشارة القسرية الى العولمة, الا أن الغاية الاشمل كانت توجيه اللوم ليس الى اللوحة العربية بل الى الفنان العربي في سلوكه اليومي والموقفي مشككا باجيال الشباب وحريتهم في اختيار السبل التصورية الملائمة لظروفهم, وقد جاء في العلاقة الملتبسة بين الفنانين العرب (وجوه الحداثة في اللوحة العربية): (شردت اللوحة بالنتيجة عن بعدها التأملي ـ الروحي, وتحولت من فعل ابداعي طاهر الى سلطة ثقافية تسويقية اعلامية متداخلة في تواطئية مؤسساتية تشهد من خلال انتشار الفنون وفق هذه الآلية انطفاء وجوه والتماع اخرى دون معيار, ليصبح القزم عملاقا والمعاق لاعب سيرك, يستمر غموض هذا الحال بعد موت الفنانين, تقام الاحتفاءات والعروض لمماسخة وتردم رمال المكابرة والاهمال على ذكر من يستحق التخليد, تحفظ اعمال الاول على ارتباكها في متاحف خاصة, وتتبعثر تحف الثاني اوتباع بأبخس الاثمان في اسواق نخاسة الداخل والخارج, ان الازمة التي يعاني منها الفنان العربي ترد من مجتمع التشكيل العربي, واذا كان المحترف العربي لا يحتكر هذه الصراعات والاحقاد التنافسية فإن مماحكتها والعصبية والثأرية بلغت حدود القبلية العصبية أحادية الذوق والرأي والمصلحة, يشطب الاخر بنفس اشارة الضرب التعويذية التي يشطب بها رجل الكهوف طريدته على جدار الرسم) . هكذا يرى الناقد الازمة نابعة من الداخل المتصارع على بناء تصوره فولكلوريا وعبثيا واستهلاكيا مشوش الذاكرة ومخصيها بالحداثة الاصطناعية المستوردة ومتهالك التشبث باستشراقية الذات الملفحة باشباح هوية التعريف: الحرف, الوشم, التعويذة, التميمة, الخيمة والدلاية, والمركب والجمل والهودج والحريم والطربوش والبايوج وبقية ما احتوته دكاكين الغرب اتجاه الشرق, بينما يرى النقاد والفنانين العرب المقيمون في الغرب يقومون (بدور سفير ثقافي متقدم في محترفات الغرب) . وبغض النظر عن التشكيك وبث الشبهات فإن اهمية الصراع ليست دائرة حول الجوهر التصوري للفنون العربية, وبدلا من الانخراط في اغناء الموقف الصراعي حول العمل الفني وصلته بقيم التعبير النوعية, وعمليات تحققها فكريا, يظهر الامر وكأنه مرتبط بالتوصيف الخارجي للفن ليبدو وكأنه سجين اشكالياته التي يعيشها الفنان العربي. لاجدال ان الآراء النقدية المختلفة للاعمال الفنية العربية ستبقى دون فائدة ترجى منها ان لم تستطع تقديم نفسها على انساق تحكم وتقيم وتدرس وتحلل الظواهر المختلفة والاتجاهات المتوحدة في توجهاتها وخلفياتها بما يجعل الآراء تجتمع حول بؤرة يسهل التركيز للانطلاق منها واعتبارها مركز التحول سواء داخل النسق الواحد او باجتماع الانساق للحكم على البناء البصري الذي يقتضي المعرفة الكاملة للعلاقات متعقدة الدلالات لدوائر الظروف المحيطة بانتاج (الصورة) والتي تبني في النهاية النسق العام الذي يحتوي على الاسهامات الفردية او القطرية, ولابد من الاشارة الى عدم ضرورة تحقيق التساوي في هذه الانساق او توازن المعايير وانما الوصول اليها من خلال الظروف الايجابية او السلبية, ما يساعد الحركات النقدية في توسيع مجالات الكتابة في نقاط غياب الدلالات التي تحققها الصورة, هذه النقاط التي يشكل الفراغ ساحة اشتغالها, الفراغ الذي هو السطح المباشر او المادة او هو العالم بشموله وتناقضه ورمزيته ولاتناهيه, العالم الذي هو علاقة (الصورة) بالغاية التي تبرر تحققها, والعلاقة التي نشير اليها لربط الصورة هي في جوهرها المعنى الفني او الجمالي او المعرفي او الحركي, الى ما هنالك من المفاهيم المعنوية التي تبني الفراغ او السطح او مادة العمل الفني لتحيله من سديم الى مكان ينمو زمنيا عبر حركيته التي لا تقتضي الانتقال الى الامام فقط او باتجاه واحد وانما عبر التقدم او التراجع او النوسان ما بين الماضي والمستقبل حيث تكون الحركة تغيرا وتبدلا لحظيا في مسارها الذي هو مسار البحث الانساني الشامل عن الحقيقة, والحقيقة في العمل الفني ليست الالوان, او الافكار.. انها التصورات التي لا حدود لها, ولا يشكل الوهم او الخيال ضفافا لها, (والتعامل مع العمل الفني ليس له اول او اخر, فهو كل متكامل, ليس في الخط ولا في اللون وحده, ولا يمكن استنتاج اجزاء من بعضها, فالعمل يهدف الى محاولة ايصال العمل للمشاهد, والكل يتألق ليبهر الشعور ويعبر عن رؤية خاصة بالفنان, فليس للوحة اجزاء مفردة, او مساحات منفصلة, انها كل واحد, وفضاء واحد. (د. سامي ادهم ـ ما بعد الحداثة).