لم تستطع الحركة الفنية في أوروبا والولايات المتحدة أن تستيقظ في الخمسينيات من صدمة الحرب العالمية الثانية, فقد انطفأ البريق الذي أثارته التيارات الفنية التي توالدت بعد الحرب العالمية الأولى, وانطفأت حياة عدد من الرواد البارزين في الفن التشكيلي, وكان بعض أهم المتاحف قد أغلق أبوابه في فترة الحرب أو تعرض للتدمير, كما هو حال متحف درسدن في ألمانيا, وشحنت القطارات كنوزاً من اللوحات الفنية في اتجاهات متعددة, وجاءت الستينيات لتحمل معها رياح التغيير, في الفن كما هو الحال في الحياة اليومية, التي بدأت تتجه نحو الاستهلاك, ومن أهم مظاهر هذا الاستهلاك إغراق الأسواق بالمعلبات, ورافق هذا الفورة تقنيات متعددة وباذخة في الإعلانات وأساليب الدعاية, في الوقت الذي انتشر فيه البث التلفزيوني وتطورت وسائل الاتصال والمعلومات مع ولادة الأجيال الأولى من الحاسب الآلى ذي الجسم الضخم والطاقة المحدودة. في الفنون الأخرى, برزت على الشاشة وجوه لجيل جديد من نجوم السينما, مثل مارلين مونرو ومارلون براندو وبريجيت باردو, وبرزت أصوات جديدة في أغاني (الروك) , ولمع اسم ألفيس بريسلي, وفرقة (البيتلز) البريطانية, في الوقت الذي اتسعت فيه دائرة (السوبر ماركت) وشبكات الطرق الدولية السريعة, وتغيرت فعالية النقل الجوي والبحري والبري والخدمات المنزلية, وتغيرت أشكال الجريمة وعمليات الانتحار. أعمال جديدة في هذه الأجواء الجديدة كان لابد للفن التشكيلي من مواكبة التطورات المتسارعة, فبرز اسم الفنان الأمريكي أندي وارول ذي الأصل التشيكي (1928 ـ 1987) الذي أدار ظهره للتقاليد العريقة في الفن التشكيلي, وقدم أعمالاً (فانتازية) مؤثرة, تستفيد من قوة الإعلان الصحفي, وتطور آلية التصوير والطباعة, ومشاهد الحياة الاستهلاكية المتنامية, واشتهر بأنه أكثر فناني (البوب آرت) إثارة, مع أنه لم يكن أول من مارس هذا الفن, ولكنه أول من استفاد من تقنيات الطباعة الملونة في تجريب السطوح اللونية المختلفة للشكل, أو الوجه الواحد, كما فعل مع (البورتريهات) المتعددة أو المكررة بألوان مختلفة لمارلين مونرو أو له نفسه. مارس أندي وارول الإخراج السينمائي, فقدم عدداً من الأفلام التي لا تشبه الأفلام المألوفة, فهو يسبح ضد التيار دائماً, لأنه يرى أن الحرفة هي التي تليق بعصر الاستهلاك وليس الفن, وهكذا فإن أفلامه التي تجاوزت السبعين ظلت لغزاً, لأنها لا تطرح موضوعاً باستثناء فيلم (فتيات شيلسي) الذي تحول إلى مسرحية ومسلسل تلفزيوني, إذ أن فيلم (أمباير) ليس إلا رصداً لناطحة السحاب (أمباير ستيت) في نيويورك, في مشاهد طويلة ومملة, وفيلم (توم) لا يُصور إلا رجلاً نائماً, ومع أن وارول ينتمي إلى مدرسة فيليني كما يرى بعض النقاد, إلا أنه في برودته العالية يختلف عن حرارة فيليني, ولم تأته الشهرة من السينما وإنما من فن الإعلان والبرامج التلفزيونية التي قدمها. موضوعات استهلاكية في أعماله التشكيلية يطرح وارول زجاجات الكوكاكولا والمعلبات بالطريقة التي يصور فيها وجوه المشاهير الذين يحيطون به, أو ورقة الدولار وقرن الموز, فهذه وتلك على اختلافها, موضوعات استهلاكية تتداولها الأيدي كما تتداولها وسائل الإعلان والإعلام, في الحياة الآلية, ويذكر أن الفرنسية الملقبة (بأولترا فيوليت) ـ أي فوق البنفسجية, كانت قد رحلت عن امبراطورية سلفادور دالي والتحقت بامبراطورية وارول, وألفت عنه كتاباً بعنوان (حياتي مع وارول) بينما أطلقت عليه إحدى المعجبات النار في العام 1969 ولم تتمكن من قتله. لم يكن وارول هو المبتكر, ولكنه هو الأكثر جرأة وشهرة, ففي بدايات هذا القرن ظهرت في بريطانيا لوحات للفنان والتر سيكيرت تعتمد على صور فوتوغرافية غير رسمية للملك جورج الخامس والملكة ماري في سيارتهما, وصور أخرى لشخصيات هامة, كانت هي العمود الفقري لكل لوحة, لكن تلك الأعمال لم تقترن بالضجيج الإعلامي الذي رافق أعمال وارول, ملك الإعلانات في نيويورك.