سميرة مخملباف مخرجة ايرانية في العشرين من عمرها تشارك في منافسات مهرجان (كان) السينمائي, وهي اصغر مخرجة تشارك في هذا المهرجان منذ تأسيسه, انها فتاة تعرف كيف تشق طريقها الخاص لتحقيق افكارها الخاصة. وهذا ما يتضح في فيلمها (الواح سوداء)، الفيلم الايراني الثاني في المهرجان, ومن خلال مللها من المترجم الذي يجاري اندفاعها. (اريد ان اتحدث الى الناس بنفسي بالانجليزية) قالت موضحة بعد المؤتمر الصحفي. اول فيلم لـ مخملباف هو (التفاحة) عرض في مهرجان (كان) لعام 1988 ضمن تظاهرة (نظرة ما) وفي العديد من المهرجانات الاخرى, وهو فيلم يتحدث عن فتاتين مسجونتين في بيت والدهما في طهران. اما (الواح سوداء) فهو فيلم اكبر واكثر طموحا, مثل فيه ممثلون غير محترفين, رجال مسنين واطفال, في جبال كردستان وعلى الحدود ما بين ايران والعراق. (عندما سافرت الى كردستان وشاهدت اولئك الرجال المسنين, احببت جغرافية وجوههم. ان وجوههم تشبه الجبال, وانا احببت تلك الجبال, والوجود الحر) , قالت: (لقد اردت خوض هذه التجربة. وانت كمخرج فإن روحك وطاقتك وحبك ومعاناتك ـ كلها تظهر في فيلمك) . كانت المخرجة ترتدي ثوبا اسود طويلا وتضع وشاحا اسود ينزلق عن جبينها. (انا افضل اللباس على هذا النحو, لأنني قادمة من بلاد لديها الكثير من المشاكل والآلام. واحب ان اظهر كامرأة من ايران. ويمكن ان تحدث لي مشاكل فيما اذا ارتديت لباسا مغايرا) . انتج (الواح سوداء) بالتعاون ما بين (بيت مخملباف للفيلم) و (غرفة صناعة السينما) وبتمويل من (بينيتون للاتصالات) في ايطاليا وشركة تاكيشي كيتانو للانتاج, المسماة (مكتب كيتانو) , في اليابان. صناعة السينما ان صناعة افلام سينمائية تعني ارتباطا محددا مع والدها المخرج الشهير محسن مخملباف وفي الوقت نفسه نوعا من الاستقلالية عنه. فوالدها ينتج و(يمنتج) لها افلامها في الوقت الذي يكتب سيناريوهاتها. بالطبع كان قلقا عندما كنت اصور فيلما عند تلك الحدود, حيث كنت المرأة الوحيدة هناك, قالت: (كان ذلك خطيرا لأن الارض كانت مليئة بالالغام المتبقية من الحرب. الاهل دائما قلقون حتى بخصوص ولدهم الذي يعبر الشارع, لكن اذا كنت قلقا على هذا النحو, فلن تدعهم يعيشون حياتهم الخاصة. وهذا ما ادركه والدي وبالتالي سمح لي) . ان (الواح سواء) يلامس مسائل العاطفية والحرب الكيميائية وضحايا التقسيم, المسنين والشباب. ومخملباف تعالج هذه القضايا من وجهة نظر استاذين, يضعان الواحا سوداء على ظهورهم, ويقطعان كردستان بحثا عن عمل. عندما انطلق الرصاص موهوا الالواح السوداء بالتراب واستخدموها كدروع للحماية. احد الرجال يجد مجموعة من الاولاد منخرطين في التهريب, والاخرون الذين هم مجموعة من الرجال المسنين, يبحثون عن الحدود, حيث يريدون العودة الى العراق ليموتوا هناك. ان القراءة والكتابة والرياضيات ليست على قائمة مهامهم. هناك امرأة واحدة في الفيلم لعبتها الممثلة بهناز جفاري. (المرأة التي نفخت روحا في الشخصية كانت مجنونة قليلا) , قالت مخملباف. (لقد فقدت زوجها, ولم يعد لديها سوى ابنها. لكنها قوية لأنها في النهاية تحمل اللوح الاسود, اي المعرفة, انها تتنقل من بلد الى اخر, مخترقة الحواجز. لا يمكنك ان تعلم الحب كما لو انك تعطي درسا, والرجال لا يستطيعون تعلم الحب. لكنني اعتقد ان تلك المرأة, الام, هي التي تستطيع تعليم الحب) . الفتاة الاكبر في عائلتها, لم تنه المدرسة العليا: (قبل عام من حصولي على الدبلوم ذهبت الى والدي وطلبت منه ان يدخلني الى السينما) . وهو كان قد انشأ مدرسة خاصة للسينما اسماها (ايكول دو سينما) , وقد ضمت من الطلبة اصدقاء واخوات سميرة. عائلة فنية ان زوجة والدها, مرزية مشكيني (اخت والدتها المتوفاة) قد انجزت فيلما بعنوان (اليوم الذي اصبحت فيه امرأة) واخوها قد انجز فيلما عن (الواح سوداء) . (بالطبع من الصعوبة اكثر ان تكون امرأة, فهناك الكثير من القيود على النساء. انه تحد, لكنه ليس مستحيلا. ومع الثورة الرقمية (ديجيتال) الجديدة, ستتحسن الامور اكثر, وقريبا سيكون بامكان الاطفال صناعة افلام. ورغم التركيز على السينما في البيت فانها لم تشاهد افلاما تلك التي يسميها الناس تحفل, تبتسم. نعم, نعم ان الامور سيئة لكن لا بأس. لدينا قليل من الصالات السينمائية تقتصر على الافلام الايرانية. لقد شاهدت افلاما فقط بعد انجازي لفيلم التفاحة. رأيت بعض الافلام لكوروساوا. ربما كان هذا وراء تلك العذوبة التي نجدها في افلامها. انهم يتحملون ايضا بعض العلامات البارزة للأفلام الايرانية الاخرى: الافلام ذات الاسلوب الريبورتاجي, وتلك التي تقتفي حياة الناس الذين يعيشون في اماكن معزولة. ان مهمة جلب الثقافة للناس واضحة في (الواح سوداء) . وبخلاف والدها او المخرج الايراني الاخر عباس كيروستامي, ليس لديها مشكلة مع الرقابة. قليل من الازعاج كان مع فيلم (التفاحة) قالت. اما الالواح سوداء فليس عليه اية مشكلة واعتقد ان السبب يكمن في ان الفيلم يحمل نزوعا انسانية وشعريا. انه ليس واقعيا بل سوريالي. فهو يتحدث عن الحرب في ذاكرة الناس, الحرب التي حولت الاطفال الى ضحايا, وكذلك عن الحروب الاقدم التي هي جزء من الضمير الجمعي. خلال التصوير, غطست في نهر بارد لتضرب مثالا للرجال المسنين وهي توجههم لتمثيل اللقطة. من الصعب على الرجال ان يجدوا انفسهم امام امرأة توجههم ولم استطع الطلب منهم لو لم اكن راغبة في تغطيس نفسي, لقد كانوا طاعنين في السن, وكانت الماء مثلجة. عندما سئلت عن الطريقة التي استقبلت بها في بلدها, اجابت, كيف تم استقبالي؟ انهم يعرفونني انني اصغر مخرجة في البلد, وبعضهم قال كيف بامكانك ان تصنعي افلاما, فأنت صغيرة جدا ونحيلة جدا, عدا عن انك امرأة. هل يجب علي ان اكون رجلا سمينا طاعنا في السن؟ لكن ليس مهما كفية الحرية التي يمكنني ان اشعر بها, فأنا دائما مندمجة مع الاخرين) . انني التقي نساء وشبانا يريدون صناعة فيلم. وفكرت ان كون باستطاعتي كسر بعض الحواجز في ذهن او في مخيلة الناس, وهو امر جيد, ان البطل (اراش) في الادب الايراني يضع روحه وقوته في اطلاق سهامه الى الحدود الايرانية. بالنسبة لي, هذه هي رغبة الجيل الايراني الجديد لتقديم للأمام. ان السينما هي بين ايدي الناس القدماء لأن ثمن الكاميرات مرتفع ووزن المعدات ثقيل. انها ماتزال تعيش في البيت مع والدها. (نعم, انني اعيش مع عائلتي, وهي طريقة صارمة في العيش, وتقليدية) , قالت: (لكنني ذهبت الى كردستان دون مرافقة اي واحد من عائلتي, وبدون والدي بالطبع, وقد عشت ثلاثة اشهر وحدي, حتى بدون ان اتصل مع البيت) .