لعل اهم ما يميز الادب كظاهرة فنية ثقافية, انه استخدام خلافا لبعض قدرات اللغة والرموز, لتجسيد دلالات جمالية تعبر عن الواقع وان كانت تبدو احيانا كثيرة مفارقة لهذا الواقع, او مناوئة له, واثناء كل ذلك يستهلك المبدع العناصر العاطفية, ولغة الرموز, ويسخر مختلف الادوات والوسائل الثقافية التي تيسر انجاز مشروعه التعبيري, او تصب في مساره, وهي وسائل معنوية او مادية, وفي هذه الاخيرة, يبدو استخدام مفهوم الآلة بمعناه العادي لا المجازي. والثقافة كأي مظهر اخر من مظاهر الحياة المعاصرة, عرفت دخول اداة جديدة هي الحاسوب واشتقاقاته, ودخلت عصر المعلومات, واضحى الادب الذي هو وجود على مستوى الرمز يجد مكانا له على شاشات الحواسيب والانترنت وغيرها من مظاهر العالم الموغل في الرمزية, لحد جعل البعض يتحدث عن نهاية عصر الكتاب, لأن الرقائق الالكترونية هي كتاب الوقت الان, وما على القارئ النهم الا ان يلتمس النصوص عبرها, كما ان على المبدع ان يتجاوز عصر الورق, لأننا في عصر تبدو فيه الافكار والناس والحقائق والاشياء كبندولات راقصة على الشاشة وفق ما يسمى بالوجود على مستوى المشهد. وفي دراسة ظهرت مؤخرا عنوانها (الكتاب في فرنسا) نعي للكتاب بمعناه التقليدي, وتبشير بما يسمى بالكتاب الالكتروني, لتختفي بذلك تقاليد ومشاعر, ومساحة على مستوى التصور, اذ ان استخدام اية آلة جديدة يحمل في حد ذاته تأثيرات صميمية, على طريقة التفكير, واستراتيجية المبدع في تسمية الاشياء, فلا توجد آلة محايدة (بريئة لا تؤثر في اسلوب وطرائق مستخدميها) . لكن هل معنى ذلك ان كل وسيلة تحمل منظومة قيم؟ وحتى في هذه الحالة, فهل يمكن القول ان الادب اذا قدم على الشاشة والحواسيب, يكون بذلك قد انتقل من مستوى التصور الى مستوى المشهد؟ واذا اردنا ان نصوغ نفس السؤال بعبارات اقل, فهل يمكن الحديث عن ادب الشاشة وثقافة المشهد؟ وهل عصر المعلومات والحواسيب يفتح افاقا جديدة للأدب, ام انه يرسله الى القبر في وادي السيلكون؟ تقاليد القراءة في كتابه (الاعترافات) يتحدث القديس اوجسطين عن المفاجئة التي جعلته يقف محتارا, وقد ارسل ذقنه بين كفيه, واسقط فكه الاسفل, فاغرا فاه, وعيناه جاحظتان, محتارا, لا يصدق ما يراه, حين باغت صديقه امبرواز وهو يقرأ كتابا قراءة صامتة, كيف تسنى له ان يقرأ نصا دون ان يصدر عنه صوت؟! ان هذا الشيء لعجيب حقا, (فقد كان يقرأ, وعيناه تجوبان الصفحة, وقلبه يستكنه المعاني ويفهمها, اما صوته فحبيس لا ينبس بكلمة واحدة, ولا يتحرك لسانه) , وكان هذا امرا غير طبيعي, يبهر مفكرا من القرن الرابع مثل اوجسطين, الذي اعتاد كمعاصريه على ان القراءة لا يمكن ان تتم اساسا الا بصوت جهوري عال, ومن هذا البعد الجهوري اشتقت كلمة قراءة اصلا. كانت الكتابة وقتها تتم برص الحروف بالقلم او الريشة على لوح المرمر او الخشب, وذلك باستخدام الحبر السائل, والمحبرة, ولم يكن من اساليب الكتابة وضع علامات التنقيط والفواصل, التي ستظهر بعد قرون عديدة مع مطلع العصر الحديث, لتلجم اصوات القراء, بوضع علامات حمراء امامهم, تفيد التوقف النهائي, وتنظم النبر والنطق, وتتدخل في آلية اداء النصوص. ومع ظهور الطباعة ترسخت علامات التنقيط, وترسخت ايضا عادة القراءة الصامتة, لكن اكبر انجاز حققته كان على مستوى اتساع جمهور القراءة, اصبحت النصوص تطبع بالآلاف, واعتبرت تلك هي البداية الحقيقية لعصر الانوار الاوروبيين. ومنذ ذلك التاريخ وحتى الان عرفت الثقافة والادب تحولات ومواسم كثيرة لعبت فيها الادوات والوسائل التقنية دورا كبيرا, بحكم كونها شروطا موضوعية تؤثر في مظاهر انتاج واستهلاك النصوص وفي تشكيل فضاء ثقافي عام. وكان اخر هذه الادوات الحاسوب وما تفرع عنه من مظاهر ما يسمى بعصر المعلومات. ادب عصر المعلومات في كتاب صدر حديثا عنوانه (في غابة المرايا) يتحدث ألبرتو ميجل, عن الثورة الحاصلة في آليات انتاج واستهلاك النصوص, وفي عادات القراءة والكتابة, بفعل دخول جهاز الحاسوب, والانترنت, والبريد الالكتروني, كأطراف فاعلة في هذه العمليات الثقافية. فالحاسوب مثلا يسمح لنا باجراء عمليات كثيرة على النص في نفس الوقت, كما انه يخلده بطريقة مختلفة عن ذلك (الخلود الذهني) الذي تحدث عنه اوجسطين, ويكفي كمثال ان نعلم ان جامعة يال توزع الان ثلاثة ملايين واربعمئة الف كلمة, واربعا وعشرين الف صورة, كل ذلك على اربع رقائق صغيرة, وتكفي ضغطة بسيطة لاستحضار كل هذا الارث الادبي على الشاشة, وهو ارث يفوق بكثير ما كتب وقيل من ادب حتى عهد الاسكندر الاكبر. ومن كل هذا التراث الضخم, يمكن للحاسوب, بعملية بسيطة, وحركة رشيقة للفأرة على الشاشة, ان يقول لك كم مرة استخدم افلاطون في (الجمهورية) كلمة (رجل) وكم مرة استخدم كلمة (امرأة) وهكذا, اصبح الحاسب, يؤدي للأديب وللباحث في طرفة عين, ما كانت جيوش من الباحثين, والقراء النهمين المكدودين, يقوم به, على امتداد اجيال متعاقبة. بل ان فضاء النص الادبي اصبح فضاء غير محدود حقا, مع دخول شبكة المعلومات الدولية كطرف فاعل في تيسير انتشاره, ولكن ايضا, كطرف في انتاجه, بما فرضته عليه من آليات ومفاهيم, وصيغ مختصرة مختزلة (تقدم نصا عاكسا لواقع فوق واقعي, ما ينفك يتمظهر على الشاشة, ويكثف صورته الاستيهامية, وهلوسته, عبر غابة من المرايا, والايقونات والعلامات فوق الواقعية) . ولعل ابرز من سعى لتعرية ادب الشاشة المقدم بأنه الناطق باسم مجتمع المشهد المعولم, الكاتب الكبير جي ديبور في كتابة الذي مازال موضع اهتمام كبير (تعليقات حول مجتمع المشهد) , حيث نبه الى المخاطر التي تهدد الادب والثقافة, جراء تدخل الانترنت والحواسيب في آليات انتاج الخطاب الثقافي, واحتكارها لأنماط التفكير وفلسفة تسمية العالم وفهمه. وهي تقدم ثقافة جديدة, مراوغة, لا تؤدي الى فهم العالم الواقعي بقدر ما تيسر استبعاده, واحلال عالم فوق واقعي عولمي بدلا منه, ومن هنا فلابد من الحذر حتى لا تتورط الثقافة والادب في هذا العالم الموعود, فيسقطا ضحية للعبة قوامها التمويه والمغالطة, والتدابير الاحتيالية, التي تستخدمها شبكة الاعلام والانترنت, ورموز العولمة, في خلق رؤية للعالم تخييلية وابهامية, ترسم للمشاهد صورا وايقونات اشهارية, وتمارس عليه نوعا من التنويم المغناطيسي, كما يقول ميشل دوسارتو) . ولئن كان مناصرو ثقافة الشاشة والمشهد يزعمون انها مجرد اداة, ولا تحمل معنى موضوعيا, الا ان الواقع يؤكد انها ليست كذلك, فوراء كل صورة او مشهد على الشاشة (تقبع عنكبوت التمويه والتضليل, وغسيل الادمغة, وتمتد خيوطها وانسجتها في صناعة القرارات, وشبكة المعلومات وطريقة الفهم) . ثقافة الشاشة ولعل خير مثال على فهم ثقافة الشاشة للعالم, وطريقتها في تسويق استراتيجية غير واقعية في فهمه, الطرق التي تستخدمها ديزنيلاند, حيث يصبح امام المشاهد (عرض منمنم, بالغ المكر, للعالم اجمع, في صيغة صروح, والعاب, واشخاص متنكرين) , وهي طرق مختلفة عن اساليب الادب مثلا, حيث نجد في اي اثر جاد عرضا واسعا, وعقلانيا, لحد ما, يفهم العالم, ويثير في القارئ القدرة على فهمه. اما ثقافة الشاشة والمشهد هذه, فلئن انتجت ادبا, فإنه كما يرى الكاتب ماريس بيرنيولا ما هو ادب بالمعنى المعهود, (انه يسجل اللحظة التي ينقطع فيها الخيال عن كونه خداعا وتزييفا, دون ان يكون حقيقة, واللحظة التي يتخلى فيها المظهر عن العدمية دون ان يصير ميتافيزيقا, واللحظة التي ينفك فيها الصراع عن كونه انفجارا دون ان يستعيد الوحدة) . وبهذه الطريقة لا يصبح الادب تعبيرا عن العالم, ولا تصبح الثقافة مرآة له, بل اللغة نوعا من الاخبار المشوه, يشوش على فهم المتلقي للعالم ولا يعززه, كما (تمثل اللغة المزدوجة للناظمات الآلية والشاشة ايضا, تحريضا لا يقاوم على ان نقبل في كل لحظة, بلا تحفظ, ما تمت برمجته مسبقا, ويتم تقديمه باعتباره المصدر اللازمني لمنطق متفوق ومحايد وتام: اي توفير في اللغة, في التفكير والفهم وملكة الحكم على الاشياء) . وعن تأثير دخول الحاسوب, وممكنات شبكة الانترنت الثقافية, يتحدث بييرمارك دبي بيازي المهتم بتأثير آليات الاتصال الجديدة على الثقافة, والذي اكتسى شهرة كبيرة بفعل اشتغاله الدؤوب على دفاتر ومخطوطات فلوبير, اكثر من اي اديب فرنسي اخر من ايامنا هذه. ودي بيازي يعتبر أن (تحولات جديدة وخطيرة تجري الان, وربما ستستغرق وقتا, ومثلما هي الحال دائما عند دخول اية ممارسة ثقافية جديدة, فإن اساليب الكتابة, وتقاليد القراءة, توضعان الان موضع مساءلة, ومن المؤكد ان الكثير من مظاهرهما سيتم تجاوزه, ومفهوم ان مخاضا عسيرا كهذا لابد ان يكون له ضحاياه, ولعل اول ضحايا الحاسوب, هو المخطوطات, التي ستفقد الطابع الحي فيها, اذ ستقدمها الشاشة كصورة ميتة, منجزة, مسلوبة الذاكرة, وفي القديم, كان الادباء حفاظا على الورق الشحيح وقتها, يكتبون نصوصهم على الواح مرمرية كتسويد اولي, والان يبدو اننا رجعنا لهذه العادة, فاصبحت الشاشة, كلوح المرمر ذاك) . اقوال الادباء ويقول الروائي الفرنسي جان رواد الحائز على جائزة جونكور 1990 م (باستخدام الحاسب الالي, اصبحت اكتب بشكل مختلف, اصبحت جملي تنساب بشكل اسرع, وحيثما اتقدم في الكتابة, وفي الوقت الذي كنت في العادة اتوقف, فإنني الان استمر في الانشاء, وكأن احدهم يدفعني دفعا الى كتابة جمل لا نهاية لها. في السابق بآلتي الطابعة التي هجرتها منذ 6 سنوات, كان تصحيح كل صفحة يأخذ من وقتي الكثير, لدرجة ان كل صفحة نهائية كانت تنهض في الواقع من عشر صفحات تسويد, واليوم يسمح التصحيح المرئي على الشاشة بالتبييض الفوري وانني لمسرور بهذا الجريان الدافق للنص, الذي يبدو لي من غير المناسب قطعة بأي وجه كان) . ومع ذلك فهو يحن الى آليته الطابعة العتيقة (اذ لابد ان ضجيج الآلة, وملامسها الملتحفة بالحركة والحياة, يذكرني بنقرات المطر على اطراف النافذة, نافذتي, وهي ذكرى يتعذر نسيانها. اما الان ومع الحاسوب, فلا جديد في الامر سوى ان جملي اصبحت اطول, ودخلها قدر اكبر من التعقيد, في الاسلوب والبنية. وفي النتيجة فإن الاسلوب اصبح يشبه في كتابته اداء اي عمل آلي اخر) . وبمشاعر متناقضة تتحدث الروائية نانسي هوستون التي لاتخفي غبطتها بل ونشوتها وهي تكتب اعمالها رأسا على شاشة حاسوبها, اذ ان النص على الشاشة يتهيأ بشكل اسير بكثير. انني الان استطيع ان اقلب بنية الرواية رأسا على عقب, عدة مرات. اقطع من هنا فقرة, والصقها هناك. وهكذا اصبح الامر بالنسبة لي كلعبة. ففي عملي (ترنيمة السهول) ادمنت, وربما اسرفت في نوع من هوس القطع واللصق هذا. ومع ذلك فإن (الحاسوب يجمد النص, ويجعله في حالة احتضار, او لنقل يرسله الى المشرحة) وهكذا فإن نانسي هوستون ورغم استخدامها للحاسوب, واستفادتها من (ادب الشاشة) هذا, فإنها تحاول الان تجاوز هوسه, والعودة الى تجربتها الاولى, (صدقوني لقد كتبت روايتي (سمة الملاك) باليد, وعلى الطريقة القديمة. وكنت اشعر بانطباع غريب, افتقده الان, لقد كانت ملكتي مطاوعة تماما, كأنما اكتب من املاء, وكنت انجز من الرواية عشرين صفحة يوميا, ولا شيء يستطيع ايقافي) . وكما نرى فإن الطريقة التقليدية في الكتابة, اي مرحلة ما قبل الحاسوب, تبدو وكأنها الاوفق والاليق, لنص ينساب من ملكة المبدع, اسألوا الروائي باتريك جرينفل, المتحفظ على هذا الادب (البصري) الجديد, والذي يتحدث عن (سديمية النص) التي تتشكل بطريقة غامضة, وعلى مدار خطوات كثيرة تمر بها علاقة المبدع بالنص, وهي علاقة لا تبدو الشاشة بوجه من الوجوه, مكانها المناسب ولا شرطها الامثل. ان تكون مبدعا يكتب اعماله على شاشة الحاسوب, فمعنى ذلك انك تتخبط في حقل من(المحو والاضافة والكشط, وانا بحاجة الى علاقة فيزيائية مع النص, وعليه قررت ان الحاسوب لا يلزمني الا في المقام الاخير, لأنني حين اكتب انما انحت في مرمر. بالنسبة للعفوية, وتكثيف الاشياء, واعني بالنسبة للكتابة فإنني لا احبذ سوى الورق, فخدش الصفحات ينشطني, اما على الشاشة وضوئها, فكل شيء من النيكل, شفاف جدا, وهلامي. ويتخوف الكاتب دانييل بيكولي من جاهزية الحاسوب, واختزاليته بل وتغييبه لأكثر العناصر حيوية في النص, فهو يقدم الاشياء بصفتها كاملة نهائية, مكتملة التصنيع, فتتحول فضاءات النص الادبي وعوالمه الساحرة المناسبة الى نوع من الترميز والتصنع والتقنع في التعبير, فهو عندما يكتب النص ويراه امامه على الشاشة, يميل الى الشد والاقتضاب (حيث ان حاسوبي يجعلني في علاقة بيانية هندسية مع النص, ارتب الصفحة في جمل اكثر اكتنازا. واتدخل لأزن وحدة حوارية معينة, بميزان العين, ازيدها, او اقتطع منها ان بدت لي مرهبة اكثر مما يلزم) . واثناء كتابة جان بودري لروايته (تلك النكرة من الاسماء) اضطر لأن يغير عقدتها, بعد ان نذر جهدا كبيرا, لعقدة اخرى, وكان هذا الامر متيسرا بفعل حركة بسيطة على الشاشة, فانقلبت الرواية رأسا على عقب, ويمكننا ان نتخيل كم من الجهد كان سيبذل لوكان يكتب على الورق بالطريقة القديمة, انه جهد يعادل كتابة رواية جديدة دون شك. وهكذا وكأن ادخال هذه الآلة, ادى الى ظهور (ادب شاشة) مرئي, ضوئي, وهو ادب يعتبره البعض سحرا الكترونيا جديدا ضرب النصوص الادبية في الصميم, بحيث اصبحت تحت تأثير هذه (اللعنة الغريبة) , تنزع الى التمدد, كما لو كانت دفقا يسير وفق وتيرة جريان مستمر, بحيث لا يصل النص الى نهايته ابدا, وكأنه يمارس نوعا من الابتهاج بلعبة اللانهاية هذه, وينساب في سيل من الجمل المتمددة, والموصولة, والترابطية, لكن في المقابل, تقل الرابطة بين الكتابة والكاتب, لأن ثمة طرفا ثالثا, هو الحاسوب الذي اصبح يقف وفي منتصف المسافة بين المبدع ومما يبدع, اي بين الاديب وادبه, وبالاحرى بين المرء وذاته.