عاش جونئتشرو تانيزاكي ما يقارب ثمانين عاما (1886 ـ 1965) امضى منها اكثر من خمسين عاما في الابداع القصصي والروائي والنقدي, وخلف وراءه ثروة ادبية يابانية انتقلت عبر الترجمة الى معظم اللغات الحية في العالم باستثناء اللغة العربية. وعلى الرغم من ذيوع اعماله عالميا الا انه لم يحصل على جائزة (نوبل) لأن لجنة الجائزة ترى ان اعماله مسلية وممتعة, ومنحلة, أكثر من كونها اعمالا تحتوي على فكر. لقد آثر ان يختار, في معظم اعماله الروائية, شخصيات منحرفة في بعض سلوكها. انه يرصد تلك الزوايا المظلمة الخفية في حياة وأهواء وممارسات عدد غير قليل من الناس. ومهمة الفن العظيم ان يكشف تلك الزوايا ويغمرها بضياء الشمس ليراها الآخرون, ويأخذوا العبرة والدرس المفيد, دون ان نغفل عنصر المتعة في النسيج الفني الى جانب الفائدة. كانت ام تانيزاكي من اجمل النساء, بالمقياس الياباني التقليدي, وان كنا نرى وجهها المكتنز في الصورة لا يوحي لنا بأي جمال استثنائي. لكن يكفي انها انجبت هذا الكاتب العبقري وغرست في نفسه منذ الصغر حب الجمال والتعلق به الى حد الهوس. لكنه لم يكتف بذلك, بل راح يرصد بوعي وعمق تلك العلاقات المرضية التي تثير الاشمئزاز احيانا, مؤكدا ان الحياة ليست كلها طيبة وخيرة وحسنة, فالاشواك تجاور الرياحين والتعذيب والاضطهاد قد ينبعان من الحب ورغبة التملك والاستئثار. كاتب في مستوى تانيزاكي, كان في عتبة السبعين يوم اصدر مذكراته عن الرحلة الاولى في حياته (سنوات الطفولة) ولا شك انه اضفى على تلك الذكريات كثيرا من الزخرفة والتنميق, وبخاصة ان الذاكرة بعد هذا العمر المديد ترى ان الألم وحتى البشاعة شيئ جميل مادامت بعيدة عنا. فالتجربة مختلفة والوعي مختلف وزاوية الرؤية مختلفة كذلك. ان تانيزاكي يمتاز بصراحة قاسية لا تخلو من فجاجة في مقاييسنا الاجتماعية الصارمة. لكن هذا الكاتب المبدع ليس عربيا ولامسلما, وهو من جيل سابق وبيئة مختلفة وتراث مختلف. وهو يتذكر ايضا كيف وقف مع امه في المدخل وانحنيا تحية لوالده. الامومة والانوثة وفي هذه الذكريات المبكرة, لا ينسى موضوعه الاثير الذي شغف به حبا طوال حياته وهو الجمال الانثوي. يتابع ذكريات المدرسة والمشكلات داخل الاسرة والضيق المادي بسبب فشل ابيه في كثير من الاعمال التي هيأها له والد زوجته. ان جو نئتشرو الصغير عاش في كنف جده لأمه, اذ كان ذلك الجد مولعا ببناته فتبنى ازواجهن ليعيشوا في كنفه, متخليا عن بنيه ليدبروا انفسهم بعيدا عنه. وهو يذكر انه كتب كثيرا عن جمال وجه امه, ثم يستدرك قائلا: (كل انسان يظن امه جميلة) ويتحدث باسهاب عن استاذه (إنابا) الذي غرس في نفسه حب الشعر الصيني فكتب اولى قصائده وهو في التاسعة من عمره, اثناء الحرب الصينية ـ اليابانية. آخر رواية كتبها قبل وفاته (مذكرات عجوز مخبل), مصوغة بأسلوب المذكرات, بدءا من يونيو حتى 7 فبراير. رجل في السابعة والسبعين من عمره يعاني ألما عصيبا حادا في يده لا تسكنه الا المخدرات. كما انه يصاب بخناق صدري وينقل الى المستشفى فينجو من الموت. بذلك تنتهي الرواية لكنه يتحدث فيها عن حبه لمسرح الكابوكي ويذهب بصحبة زوجته وكنته لمشاهدة احد عروض هذا المسرح التقليدي الجميل. الرواية تذكرنا برواية (الجميلات المنومات) لكاواباتا, اي انها رواية عن الموت المتربص بذلك العجوز الذي فقد عقله من شدة تعلقه واستغراقه في عشق حسي محرم, يكتفي بلمسة القدم او حتى برؤيتها من بعيد. وأكثر من ذلك ان تولهه يدفعه احيانا الى حالة من الهوس يتمنى فيه لو ان الصبية المرغوبة تضع اقراص الدواء في فمها ثم تنقلها الى فمه! هذه الحالة المرضية, هذا الجنون في العشق يتكرر في معظم روايات تانيزاكي. لكن الشخصيات والحبكات تختلف من رواية الى اخرى. وهذا الروائي المولع بأن يكتفي بالاشارات واللمحات الخاطفة ليترك الى قارئه مهمة الغوص ومتابعة التفاصيل, يغطي السم بطبقة كثيفة من الشهد: العجوز الذي يكابد المرض ـ نذير الموت يهرب من واقعه الى الجمال الانثوي البهي ليمتع ناظره به ولو من بعيد. نشأ تانيزاكي في اسرة تجارية في قلب العاصمة طوكيو, فلم يحاصر الموت طفولته وصباه مثل كاواباتا ولم يلتزم بالقيم الكونجوشيوسية الصارمة مثل سوسيكي ناتسوميه وادت به الى العزلة نفورا من التحديث المدمر الذي فرضه الغرب, انما كانت مشكلاته مالية. وقد خلخلت هذه المشكلات دراسته اكثر من مرة وقد طرد من الجامعة بسبب ذلك, وكانت اقسى حادثة مرت في حياته. كان الرجل مولعا بالغرب وحداثته وشتى جوانب حياته العصرية من السينما حتى الطعام, وقد رد الغرب له هذا الاعجاب الذي وصل حدود الافتتان, اذ يعد اعظم روائي ياباني بلا منازع في انظارهم. ميل الى السادية الغرب مولع بنصائح الشرق وغرائبه. وربما كان ينظر الى ما تتسم به شخصيات تانيزاكي من تصرفات سادية او مازوشية على انها حالات مرضية معبرة عن المجتمع الياباني بوجه عام. واذكر ان الحديث عن بعض تلك الشخصيات كان محرجا مع العديد من الاصدقاء اليابانيين. وقد فوجئت بأحد اساتذة الادب يقول لي يوما: دعنا من سيرة تانيزاكي, هذا رجل افسده الدلال منذ صغره, ولم يستطع الخلاص من ذلك الفساد الا في بعض رواياته التاريخية, وهو يعد الكاتب المتألق الاول في هذا المجال. وكان دائما يعتبر التاريخ ـ وحتى التاريخ الاكاديمي ـ فرعا من الرواية, ليس من الناحية النظرية وانما عمليا. كان يرى ان الماضي فات وانتهى الى الابد وان اي بحث تاريخي ليس اكثر من مظهر خارجي مقبول عما حدث فعلا. كما كان يرى ان الفن اهم من الحياة. واذا كان الفضل الاول في تعلقه بالادب يعود الى استاذه في المرحلة الابتدائية (السيد إنابا) واسلوبه التربوي المتميز والى استعداد تانيزاكي الفطري لذلك كان واضحا منذ الطفولة, اذ كان يتمتع بحساسية خاصة بكل شيء جميل. وهو يذكر ان اهم تأثير في سنواته المبكرة حدث عندما قرأ في مجلة الاطفال رواية متسلسلة من تأليف (سازنامي اوايا) وكان في الثانية عشرة من عمره: (كان ذلك العمل الابداعي هو الذي منح ميلي الحقيقي الاول تلك المسرات التي تمتاز بها الرواية ـ ابداع عالم متخيل ومباهج الدخول في ذلك العالم والتجوال هناك بكل حرية) . والتأثيرات الاخرى جاءت من روايات (روهان كودا) ومسرح الكابوكي, فضلا عن تأثره المزمن بـ (حكاية غنجي). انتهى من المرحلة الابتدائية وهو في الخامسة عشرة, وانهى دراسته الثانوية وهو في التاسعة عشرة, وبعد ثلاث سنوات (أي في 1908) دخل جامعة طوكيو الامبراطورية. لكنه كان قد شق طريقه الى عالم الادب قبل ذلك بسنوات. فقد نشر قصته الاولى وهو في السابعة عشرة, وكانت بعنوان (خواطر عن انسان الربيع ودروب الخريف) وهي مستقاة من تجربته الشخصية ويبدو تأثره واضحا باسلوب (روهان دوكا) و(كويو اوزاكي), ويصف فيها كيف حاول ابوه ان يثنيه عن متابعة الدراسة, وكيف انفجر الصبي بالبكاء خوفا من دخول الحياة العسكرية او ميدان رجال الاعمال. كان مهملا لا مباليا بدراسته الجامعية, وقد اختار دراسة الادب الياباني راجيا ان يكون اسهل من الفروع الاخرى, ولكي لا يأخذ من وقته كثيرا. كان يجد متعة بالغة في عدم حضور الدروس والمناقشات, ويفضل عليها ان يخرج للتسكع والطواف في شوارع العاصمة واحيائها الخاصة بالتسليات والعبث والملذات. وعرضه ذلك الاستهتار للوقوع في امراض مخزية وخطيرة. وقد ضاعف ذلك من حاجته للمال, فلم يكن امامه الا الانصراف للكتابة بجد ومثابرة. كانت مكافآت النشر ضئيلة في تلك الايام, لكن جهوده اثمرت في المستوى الابداعي ولفتت اليه الانظار. وفي 1910 نشر قصته شيسيه (الوشم) في المجلة الادبية التي كانت تصدرها الجامعة. المرأة والوشم قصة (الوشم) تتحدث عن رسام مبدع مازال يحتفظ (بروح الفنان الاصيلة ويتمتع بحساسية كبيرة) وان كان قد تحول الى الوشم واحترف ذلك. وكان يحلم دائما بأن يحظى بفتاة جميلة ليمارس براعته في تلك المهنة الوحشية. وكان طموحه الخفي (ان يقع تحت ابرته جلد ناعم املس لفتاة جميلة, حالما ان يطبع عليه روحه ذاتها) . وذات مساء صيفي لمح قدم انثى ذات بياض يبهر النظر تتوارى خلف ستائر محفة عابرة, ثم التقاها مرة ثانية وكان له ما اراد, اذ نقش على ظهرها وشما يمثل عنكبوتا قرمزي اللون, بعد ان خدرها. وعندما استردت وعيها واستحمت ولبست ثيابها, جاءت الى الرسام وقالت: (ياسيد, ان قلبي تحرر الان من كل خوف. وانت.. انت ستكون ضحيتي الاولى) وهكذا صار عبدا لها تتحكم به كما يحلو لها بعد ان مارس عليها وحشيته القاسية. وهذه القسوة المتبادلة بين الرجل والمرأة تتكرر كثيرا في اعمال تانيزاكي. لكنه يمتاز دائما باسلوب جذاب رائع. وكان يجمع دائما بين رقة الأنثى التي ورثها عن امه وقسوة الرجولة المتحررة من اجداده. وفي السنة التالية (1911) كتب قصتين, الاولى بعنوان (الاطفال) والثانية بعنوان (كيرين). في الاولى مجموعة من الاولاد وبنت واحدة يقومون بلعبة معروفة تدور حول السيطرة والخضوع او (الغالب والمغلوب). في بداية اللعبة يقوم الاولاد بتعذيب ضحيتهم ويمارسون ساديتهم على الفتاة, لكن في النهاية تنقلب اللعبة فتجعلهم عبيدا لها وتمارس عليهم اقسى انواع الاضطهاد. وقد بلغ من تعذيبها لهم بأساليبها السحرية ان تدفعهم الى أكل فضلاتهم! اما القصة الثانية فهي عن حكيم كونجوشيوسي قام بزيارة احدى المقاطعات, وقد تأثر حاكمها بتعاليم الحكيم فتخلى عن حياة العبث والمجون وهجر محظيته نان ـ تزو. لذلك قررت الانتقام, وخاف الحاكم ان تلحق الاذى بضيفه الطيب ولم يكن امامه الا ان يترك العمل الصالح الذي بدأ به بتأثير الحكيم. وحين عاد الى سرير محظيته, لم يجد الحكيم امامه الا طريقا ضيقا للفرار. اباحية ومنع وفي تلك السنة فجع بموت اخته. وكانت امه ترجو ان تفتديها بحياتها, لكن السل اودى بها. ويكتب في (سنوات الطفولة) ان امه كبرت فجأة اثر تلك الفاجعة وشاب شعرها وذوى جمالها, وعانت اسرته من ضائقة مادية بلغت حد العجز عن دفع قسط الجامعة فطردوه منها. لكن عزاءه كان في الكتابة. وفي اكتوبر من تلك السنة نشر قصة (الزوبعة). لكن سلطات الرقابة البوليسية منعتها وصادرت اعداد المجلة. كانت القصة اباحية مكشوفة اكثر مما يحتمل الذوق العام, لكن الكاتب لم ينزعج من ذلك بل اكتسب شهرة اضافية وراح رؤساء تحرير الصحف والمجلات يدعونه الى نشر اعماله في دورياتهم. وفي هذه الاثناء نشر في مجلة تشوأو كورون (المراجعة المركزية) قصة بعنوان (السر), وفيها يلبس بطل القصة ثياب امرأة ويذهب الى المسرح. لكن المصادفة تجعله يلتقي بمعشوقته السابقة. ويسبب له اللقاء المفاجئ صدمة مروعة لأن المرأة كانت اكثر اناقة من هيئته الانثوية المزيفة. عندما نتابع هذه القصص بسرعة, نشعر وكأن تانيزاكي يقوم بلعبة عبثية ما او كأنه يسخر من اتباع المدرسة الطبيعية الذين كانوا يفرضون هيمنتهم على الساحة الادبية. او ربما, كما يقول احد النقاد: (ان بطله النموذجي طفل ابدي يبحث عن ام ابدية) . وكان الخيال الجامح لعبته المفضلة. ويبدو ان اعلام التيار الطبيعي المولعين بكتابة التفاصيل اليومية المملة, وفي طليعتهم الروائي والشاعر المعروف اطوسون شمازاكي. كانوا مستعدين لحصار هذا المغامر الشاب والوقوف في وجهه, لولا الروائي (كافو ناجاي) الذي كان معجبا بجرأة هذا الفتى واسلوبه فكتب يقول: (ان اعماله الروائية تمتاز بالجمال العميق المقطر من رعب جسدي شهواني) , ويمتدح كياسته المدنية وكمال اسلوبه. وهو يعتبر ان تانيزاكي كاتب اصيل وحتى متفرد يتمتع بعبقرية المغامرة واقتحام عالم اهمله الاخرون طويلا. في 1914 كتب تانيزاكي عمله الهام الثاني (جوتارو), وهو رواية قصيرة اثنى عليها صديقه (هارو ساتو) ثناء بالغا. والشخصية المحورية فيها كاتب مشهور لكنه ميال الى الخمول والعدمية. وهو لا يرى اي شيء ذا قيمة في الحياة الا الجمال الحسي. ورغبة في التسلية حاول افساد تلميذه (شوجي) لكنه لم يفلح في ذلك. ويقرر اخيرا ان ما يريده فعلا هو ان يستجيب لدوافعه المازوشية, ويلتقي بفتاة (اودي) لا تكتم رغبتها بضربه وجلده بالسوط. ان طبيعتها الشريرة تمنحه مسرة هائلة. وحين يكتشف ان (شوجي) و (اودي) كانا عاشقين من قبل لا ينزعج وانما يزيده ذلك بهجة. واتحاد العاشقين من جديد يدفع بالكاتب الى حافة الدمار, كما ان طلبات الفتاة الكثيرة تؤدي به الى الفقر الشديد. وفي النهاية لا يجد ملاذا الا في العودة الى احضان اسرته طلبا للراحة والحماية. وهذه الرواية زادت من شهرة الكاتب وسمعته السيئة واتهمه خصومه بأنه (لا اخلاقي) وحتى (شيطاني) منطلقين من قصة له بعنوان (أكما) أي: الشيطان. وقيل ان تلك الجوانب البشعة والشريرة والتصرفات المنحرفة ما هي الا تعبير عن مشاعره الجوهرية وانحرافاته الخلقية. زواج وطلاق وفي تلك الاجواء الصاخبة من حوله, كانت المفاجأة انه بادر الى الزواج من (او. تشيو) التي امضى معها ستة عشر عاما وانجبت له بنتا. لكنه لم يكن زواجا ناجحا. ومن الغريب, وربما استكمالا لطريقته العبثية في الحياة, انه واجه صديقه (ساتو) الذي ابدى اعجابه بقصته المذكورة آنفا (جوتارو) وقال له بلا مقدمات: ما رأيك ان تتزوج (أو. تشيو) اذا طلقتها؟ وقد تم الامر, كما في عبث الاولاد! والحادثة لم تقع بصمت وانما اجتمع الثلاثة واتفقوا واصدروا بيانا بذلك, كان محط تعليقات ساخرة في الصحافة والمنتديات. ثم تزوج مرة ثانية, ولم يكن الزواج ناجحا, وكان لابد من ثالثة الاثافي, كما يقول المثل العربي, لكن طلاق الاب بتلك الطريقة ادى الى طرد الابنة من المدرسة الكاثوليكية. بعد الزلزال الكبير الذي ضرب طوكيو وما حولها في اول سبتمبر 1923. وراح ضحيته اكثر من مئة الف انسان, غادر تانيزاكي طوكيو المدمرة الى اوساكا واستقر هناك بصورة دائمة, وبعد سنتين اصدر روايته (حب أبله) والمترجمة الى الانجليزية بعنوان (ناؤمي). وتعد هذه الرواية تحولا في الخط الروائي للكاتب كما كانت اقامته الجديدة تحولا في حياته. ان سحر الغرب الذي كان مسكونا به في شبابه راح يخبو حتى كاد يزول وحل محله سحر التراث الوطني العريق وأنداء الاصالة التي تنعش الروح. الرواية معاصرة تحكي قصة (كاواي) وهو مهندس شاب في الثلاثينيات من عمره حقق حلمه الغرامي حين التقى (ناؤمي) وهي في الخامسة عشرة ومن بيئة فقيرة. وقد تعلق بها الى حد الادمان وكأنها (مخدر قوي) , وحين رأت مدى غيرته عليها بدأت تعذبه من خلال عبثها مع الاخرين, كما انها راحت ترهقه بالطلبات الغالية. هذا الجانب الجهنمي (التعذيب النفسي) في العلاقة بين الرجل والمرأة يشكل بناء الرواية بين التوازن والخلل في حياة الزوجين وتصرفاتهما. لكن نشر الرواية توقف لأن المجتمع التجاري في اوساكا لم يحتمل فكرة الفتاة اللعوب, وبخاصة انها يابانية وليست اجنبية! وكان على الكاتب ان ينتظر تسعة اشهر حتى سمحوا للرواية باستكمال نشرها في مجلة جوسي (المرأة) وليس في صحيفة اساهي واسعة الانتشار, والتي كانت قد نشرت فيها خمسة عشر فصلا. وبلغ من شهرة الرواية وصاحبها ان اسم البطلة (ناؤمي او نؤومي) صار مثل اسم (لوليتا) واشتقت من الاسم كلمة (النؤومية) ودخلت اللغة اليابانية. وفي الرواية اشارات واضحة تسخر من المأخوذين بالغرب وبخاصة في مشاهد الرقص. الرجل والمرأة وفي العديد من الروايات الاخرى مثل (الدوامة) و (التاريخ السري للسيد موساشي) وغيرها, نواجه المشكلة ذاتها انما بحبكات وطرق في التناول والمعالجة متنوعة: الموضوع هو الخلل في تلك العلاقة بين الرجل والمرأة وتعذيب احدهما للأخر بحثا عن المتعة الحسية المريضة. لذلك يصعب تناول تلك الروايات. ويكفي هنا ان اشير الى مشهد من الرواية (التاريخ السري للسيد موساشي). ان البطل ساموراي من القرن السادس عشر, وعندما كان صبيا في الثامنة عشرة من عمره يؤخذ الى اعماق جوف القلعة ليرى النساء تغسل رؤوس جنود الاعداء المقطوعة. ويفاجأ الفتى بإحداهن وهي تحمل رأس جندي مجدوع الانف وتقول ساخرة: (هذا رأس امرأة) ! ومن اهم روايات تانيزاكي التي انجزها في سنوات الحرب العالمية الاخيرة ولكن الرقابة العسكرية منعته من نشرها, هي رواية (الثلج الهش) والمترجمة الى الانجليزية بعنوان (الاخوات ماكيوكا). انها تتحدث عن المجتمع الياباني في ثلاثينيات القرن الماضي, وبخاصة مجتمع اوساكا ـ المدينة الصناعية التجارية الاولى وعاصمة الغرب الياباني. وفيها يرصد الكاتب التحولات الكبرى التي تعصف بذلك المجتمع والاخوات الاربع مشغولات بتدبير عريس (لائق) للأخت الثالثة (يوكيكو) لئلا يؤثر ذلك على اختها الصغيرة (كوي) وتبقى بلا زواج. ونلمس سخرية لاذعة من تلك المظاهر العائلية الجوفاء التي تجاوزها الزمن, سواء من خلال المقارنة مع جيران العائلة ـ وهي اسرة المانية تعود الى بلادها عند اندلاع الحرب, او من خلال الوجه المزدوج للصبية (كوي): الوجه الياباني الجميل, والوجه الغربي المزيف والبشع. وعودة الجيران الى بلادهم تفتح باب المراسلة. ولعل اهم ما قام به تانيزاكي, فضلا عن رواياته ودراساته النقدية, انه نقل (حكاية غنجي) من لغة القرن العاشر الى اللغة اليابانية الحديثة. كان هذا الكاتب مسكونا بروعة السرد الروائي الذي تمتاز به (السيدة موراساكي) في اول رواية في التاريخ الانساني, اعني (حكاية غنجي). هناك عديد من الاعمال الابداعية التي لم اتطرق الى ذكرها, ربما بسبب الاحراج الذي يثيره موضوعها. لكني سأتوقف قليلا في ختام هذه المقالة امام البناء الروائي لهذا المبدع وأسلوبه الساخر: تانيزاكي مهندس بارع في بناء عمله الروائي. ولعله ورث هذه البراعة المتفردة من شدة تأثيره بأسلوب السيدة موراساكي وخيالها المتألق. كذلك يفعل هذا الكاتب. انه يأخذ بيدك من الجملة الاولى. انك تشعر وكأنك تستمع الى صديق عزيز مجرب ذلك هو الصدق الفني في العمل الابداعي, الامكنة التي يحدثك عنها, التحولات التي طرأت عليها عبر القرون, الناس الذين صنعوا تاريخها.. ذكريات وذكريات تتدفق بعذوبة ساحرة. لذلك ترى شخوصه حية كأنك تعرفها. ولعل التركيز على الجانب المظلم في نفوس اولئك الشخوص وتصرفاتهم هو الذي يزيد من براعة اسراره وحتى نوازعه المرضية والخطرة. من هنا تبدو اهمية ما كتبه تانيزاكي, وان كانت ترجمته غير واردة في المجتمعات المحكومة بتاريخ طويل من المحظورات والمحرمات. انه معلم في فنه, بكل ما في كلمة (معلم) من المعاني والدلالات الايجابية. ولقد رشحوه كثيرا لجائزة نوبل, لكن اللجنة الخاصة بتلك الجائزة كانت تعتبر رواياته مسلية وممتعة اكثر مما ينبغي, هذا يعني ان اسلوبه الجذاب, والقريب من اسلوب الروايات البوليسية, هو الذي حرمه من الجائزة العالمية. وتلك قصة اخرى.