اشتهر المغربي محمد شكري بأنه كاتب صريح يعالج في قصصة ورواياته, ومنها ( الخبز الحافي) , و ) مجنون الورد) قضايا وحالات ونماذج بشرية بأسلوب مباشر لا يجده المرء لدى كتاب آخرين يلجأون الى الرمز او يعتمدون ما يشف او يحجب، ولكن محمد شكري الذي عاش حياة الليل في طنجة وعاش مع الكثير من المهمشين والمهمشات من نساء الحارات والازقة شبه المغلقة في مدينة الاثيرة طنجة يتحدث عن تلك الحياة الصاخبة بأسلوب فوتوغرافي أو شبه فوتوغرافي, لا تنقصه الفنية بالطبع, ولكنه غير مألوف كثيراً في الكتابة الادبية المعاصرة, وبخاصة عندنا, ولكن هذا الاسلوب معروف جدا في بلدان الغرب ويمارسه اصحابه. هذا مع الاشارة الى ان كتب محمد شكري كثيرا ما صودرت, سواء في بلده الاصلي المغرب او في خارجه. محمد شكري وطنجة اسمان متلازمان ولا يمكن ان يرد احدهما في الذهن إلا ليرد الاسم الاخر. ومن يزور طنجة ولا يلقى فيها هذا( الكاتب الملعون) كما يسميه بعض نقاده, فكأنه لم يزر طنجة, او لم يتعرف الى كل معالمها. وفي طنجة , كان موعدي مع هذا الكاتب الرقيق, الطويل القامة, ولكن الضامر الجسد في آن والذي يمكن للمرء ان يجده ليلاً اكثر مما يجده نهارا .فهو شخصية( ليلية) اكثر مما هو شخصية ( نهارية) لأنه يصحو, عادة في ساعات المساء ليأوي الى فراشه عند طلوع الفجر. عن صمت الكاتب, وعن متعة الكتابة, وعن الكتابة الادبية وغيرالادبية, كان هذا الحوار مع محمد شكري. يقول: انا اعتقد ان الكاتب ينبغي ان يكون لديه الحافز لكي يكتب .لابد من حافز للكتابة . انا من الذين لا يستطيعون الكتابة بدون مهماز, لا بد ان أهمز . اذا لم يكن لي حافز او سبب, فلا استطيع أن اكتب. وحتى في حياتي الشخصية مثلا بالنسبة للاسفار, اذا لم اجد من يشجعني على السفر,لا اسافر. إن صلاتي بهذه المدينة, طنجة, صلات عريقة. قد لا تصدق اذا قلت لك انني ذات يوم اردت ان اسافر الى الرباط , وصل القطار الى اصيلة ونزلت ورجعت الى طنجة ,مره أخرى كنت سأسافر الى الدار البيضاء ولم يكن عندي دافع قوي للسفر,فقط للتفريج عن النفس, وذهبت الى القطار فوجدت في القمرة شخصا سبق لي ان عرفته في السابق, لا يتوقف عن الكلام , وإذا سكت يصفر , وجدت سببا. قال:آه اذن سنسافر من جديد الى الدار البيضاء.. قلت: لا نازل في اصيلة .. كنت اريد ان اجد هذا النوع من السبب فوجدته ورجعت الى طنجة.. انا لم اوقع عقدا رسميا مع الكتابة, ولا اضغط على قدري بالكتابة. اذا جاءت سهلة,فانني لا اجهد نفسي. لست مناضلا في الكتابة.. عادات الكتابة.. * هناك كتاب يجلسون إلى الطاولة في الساعة الثامنة صباحاِ ويستريحون في الواحدة ثم يعودون في الساعة الثالثة او الرابعة ... - انا لست من هذا النوع. فقط ما ينقذني كي اعمل هو انني عنيد .. مثلا في شهر رمضان كنت اشتغل حوالي اربع عشرة ساعة على كل 24 ساعة. كان عندي نوع من التركيز. لم اكن أشوش نفسي خارج المنزل .لم اكن اخرج الا لشراء سجائر او اشياء من هذا النوع واعود مباشرة . وعندما اعود, اشاهد فيلما في التلفزيون او أقرأ, انها فلسفة السقف, شاشة السقف اتخذها نوعا من التفريج. اذا حضرتني رغبة الكتابة, فانا عنيد بانجاز عملي. *هل الكتابة شهوة ؟ هل يمكن الحديث عن شهوة الكتابة؟ - طبعا الكتابة متعة, انا اعتقد انه لولا الكتابة لشخت قبل الاوان . انها نوع من التسامي اذا شئنا لأن العالم مملوء بالقذارة, ولكي ينظف الانسان نفسة من هذه القذارة ومن التكالب على الماديات. في الكتابة ينظف الانسان نفسه, ويستمد الكثير من السمو لمواجهة ما لا يحتمل. الحقيقة ان الحياة لاتعاش باحتمال مثير, لا تعاش بنفس الشهوة التي يريدها الانسان. المنغصات كثيرة جدا في حياة الانسان . اذن لكي يتجاوز هذه القذارات وليسمو عنها, فان الكتابة هي افضل مخرج .انها نوع من انقاذ, بواسطتها ينقذ الانسان نفسه من هذا التلوث. الكلمة والمرأة * احد الكتاب اللبنانيين, وهو توفيق يوسف عواد, كان يقول انه يعامل (الكلمة) كما يعامل ( المرأة) الكلمة عنده تشبة المرأة: يدللها, يرفق بها, يهمس.. هو يتحدث عن الكلمة بحب ويرى ان تنزل منزلها بلا عسر ولاتعسف , فلا تكون قلقة او مضطربة في مكانها.. - لماذا نعامل الكلمة كالمرأة ؟ هل المرأة تحتاج الى هذا التدليل؟ ان معاملة الرجل للمرأة بهذا النوع من التدليل, بهذا النوع من الطاقة , ينقص من قيمتها الانسانية. هناك نساء اعرفهن . لايردن ان يعاملن بهذا التدليل لان فيه انقاص كبير لشخصيتهن . المرأة ليست مكنسة من زجاج يخشى ان تنكسر اذا استخدمت لطرد الغبار. انا ضد هذا الرأى . انا لا اعامل الكلمة ككائن ينبغي ان أربية لأن الكلمة ينبغي ان نتعامل معها شيء حي , ان نعطيها افضل ما تستحق من التربية والعناية. ولكن التربية والعناية لا تعني التدليل . ففي التدليل نوع من الخنوع الميوعة . انا احاول ما امكن ان اتعامل مع الكلمة كالمثال مع تمثاله , احاول ان اتعامل مع الكلمة كنوع من النحت, انحت الكلمة أخرى, احاول ايضا ان اكتب بأقل ما يمكن من الكلمات مع منتهى التفكير وفي اقل ما يمكن من الكلمات .ان يختزل الكاتب خمس سنوات او عشر سنوات من التجربة في جملة واحدة, في ما يسمى بالتكثيف. الكتابة هي نوع من تجميع عدة تجارب في تجربة واحدة. مثلا لكي تتحدث عن عالم البغاء, ليس من الضروري ان تتكلم عن باغية واحدة. من خلال باغية واحدة , لا بد للكاتب ان يكون قد اختزل حيوات من الباغيات لكي يصفها. *ثمة نوعان من الكتابة : الكتابة السهلة كأن يكتب المرء كما يتكلم , والكتابة الغنية وهي التي تراعي اصولا او تقنيات. هناك كتاب يكتبون كأنهم يثرثرون, في حين انك تجد لغة أدبية رفيعة في كتابات سواهم. فكيف تكتب انت؟ - طبعا هذا النوع من الكتابة الاولى فقعية. تتخلق بسرعة وتنطفئ او تنتهي بسرعة. انا في رأيي انه لا يمكن ان نقول الكتابة الا ونذكر اللغة. مثلا انا لا اتعامل مع اللغة كتفسير,اتعامل مع اللغة كتبليغ, ولااخاف من القواعد العربية المضبوطة في القواميس او في الكتب النحوية . التعامل مع الكتابة كتفسير, كتبليغ, هو نوع من الكتابة المرحلية, تنتهي بنفس السرعة التي نشأت بها. انا اذكر ان هناك بعض المبدعين يظلون يبحثون عن صيغة لجملة عدة ايام. الكتابة بهذا النوع الفوتوغرافي تدغدغ المشاعر, ولكنها لاتعمق لك الفكرة المعنية. العالم كما يحدث يوميا لا يمارس الكتابة. لا بد من التراكم . ثم هناك قصص اعرف كيف احكيها ولا اعرف كيف اكتبها.هناك قصص تحكى ولا تكتب. وهناك قصص او روايات تكتب ولكن لا اعرف كيف احكيها لانه ليست فيها طريقة حكي. طريقة الحكى, تكون ذهنية, او تداعيات. هذا النوع من القصص يكتب ولا يحكى. وانا عندي عشرات القصص في ذهني أحكيها ويقولون لي لماذا لم تكتبها, اقول لهم انني لم اجد بعد التقنية لكي اعبر عنها. خوف متبادل * كتبت كثيرا عن المرأة , وعن صنف معين من النساء هن النساء اللواتي يعشن على هامش المجتمع. وهذا يعني ان لك تجربة واسعة مع المرأة .. - هذه التجربة مع المرأة تقتصر على تجربتي مع المرأة المغربية . طبعا عندي علاقات مع المرأة الاجنبية. المرأة الاجنبية المسافرة ليست المرأة الاجنبية المقيمة. ألاحظ سوء تفاهم في العالم العربي كله , حسب ما سمعت وحسب ما قرأت , بين الرجل والمرأة . الرجل يخشى المرأة والمرأة تخشى الرجل. نحن في العالم العربي نعيش مجتمعا رجاليا, وليس مجتمعا نسائيا. طبعا هذه المعقدة ما زالت مستمرة ولكن ليس بنفس الحدة او بنفس الكثافة التي كانت من قبل. الآن نرى ان هناك حرية جلوس الرجل مع المرأة في المقاهي , في الحانات , في الشارع. لابد ان نعرف ان اخلاق الرجل تختلف عن اخلاق المرأة. للمرأة اخلاقها وللرجل اخلاقه. ولكن انا دائماً اتعامل مع المرأة ككائن مساوٍ لي. لا اعتبرها متفوقة علي, ولا اعتبر نفسي متفوقاً عليها. المرأة كائن له وجوده الخاص, له مكبوتاته الخاصة. انا لا اراعي المرأة في حياتي على الاطلاق, ومعنى هذا لا اخضع لما تريده اذا لم يكن منسجماً مع نفسي. هناك بعض الرجال يتنازلون عن الكثير تجاه المرأة. * الحب الذي ترسم صورته هو الحب الشائع اليوم, هو الحب (العصري) ... ـ الحب ضعف بشري يتناوب بين الرجل والمرأة. وانا اذهل عندما ارى شخصاً يبكي او ينتحر او يتعذب او يضرب عن الطعام من اجل قصة حب. هذا النوع من الحب اعتبره ضعفاً, نوعاً من المازوخية ينبغي للانسان ان ينتصر عليه. العلاقة بين الرجل والمرأة ينبغي ان تكون قائمة على صراحة, على قوة وليس على ضعف. اسلوب تراثي * لم افهم لماذا لم تقم علاقة حب مع تلك المرأة التي احببتها كما ورد في احدى قصصك؟... ـ كان عمري في ذلك الوقت حوالي عشرين سنة. اعجبتني شخصيتها. كانت لها شخصية قوية جداً, وربما كتقليد الاخرين, لابد ان يكون لي موضوع غرامي, وهذا الموضوع الغرامي لكي احافظ عليه, ينبغي ان يبقى عذرياً. كنت اقمع نفسي ربما كانت تبحث عن قصة حب, فكانت ايضاً تمتنع وتغضب بطريقتها الخاصة. وانا اذكرها في الجزء الثاني من كتابي واحاول ان استوحي حتى ولو نوع من الاسلوب التراثي بحيث احاول ان اتحدث عن البغاء باسلوب سامٍ. هذا هو الجميل في الكتابة, هو ان تتحدث عن القذارة باسلوب جميل. اذا تحدثنا عن القذارة بلغة قذرة فلن يكون هذا سليماً, ينبغي ان نتكلم عن القذارة باسلوب سامٍ. احاول ان استوحى تعابير تراثية من الكتابات القديمة, الشعرية والنثرية. * فيما يتعلق بمسألة اصطناع العفة هل تعتقد ان العذريين في الشعر العربي كانوا ايضاً يصطنعون تلك المواجد ام انهم كانوا عذريين حقيقيين؟ ـ بالتأكيد كانوا مازوخيين بشكل فظيع. كان الامر كله عبارة عن مسرحية, لعبة, سيناريو ليس الا. هو كان بحاجة الى ذلك ربما لكي يكتب الشعر, نحن نتكلم طبعاً عن الحب العذري من خلال الشعر, وربما كان الشاعر بحاجة الى ذلك. اما الصدق فانا اعتقد انه لم يكن هناك صدق ابداً. قصة حب العذريين قصة مفتعلة تماماً. والافتعال عندما يزمن يصبح حقيقة. والمعروف ان من يصطنع الجنون ينتهي مجنوناً. ان الافتعال يصبح حقيقة مع الوقت. الحقيقة والاساطير * وهل يمتنع ان تكون هناك نفوس ذات تسامٍ وتبتل معين بحيث يكون المرء ذا عفة حقيقية, ذا جبلة نقية قادرة على عدم السقوط في الدنس والخطيئة؟ ـ وهل تعتقد ان الشعراء العذريين ماتوا طاهرين؟ لم يكونوا ملوثين ابداً؟ انا لا اعتقد. طبعاً, انا قلت لك: هذا جانب من الحياة يخلقه الشاعر لنفسه. هو يقول لا امسها ويظل يدافع عنه كمبدأ. خذ ابا نواس. نحن نعرف ان ابا نواس كان خليعاً ماجناً, لكن الا تعتقد ان ابا نواس ربما كانت له علاقات عفيفة لم تتحول ابدا الى علاقات حسية؟ اعتقد ان الجواب هو نعم, حتى ولو لم يذكره التاريخ. لابد في حياة الانسان ان يكون هناك شخص عنده امرأة في ذهنه يموت ويدافع عنها. هذا وضع يخلقه الانسان لنفسه. كل حقيقة عندما تمر عليها آلاف السنين تؤسطر, تصير فيها الكثير من الاساطير. وحتى بعض الاساطير اصبحت حقيقة نعيشها, هناك بعض الاشياء هي اساطير, ولكننا ادخلناها الى الواقع, فعشناها. لذلك فالحكم على سلوك شخص خاصة اذا كان انشأ عقيدة معينة, فيه الكثير من المغالطات, من التخفي. نحن لا نعرف الا كل ما هو جميل في حياة العظماء. اليس لهؤلاء رذائلهم؟ لقد انشأ هؤلاء مذاهب عظيمة, ولكن كانت لهم مباذلهم الكثيرة المخفية. * سألت مرة الشاعر محمود درويش عن (المرأة) فقال لي: هناك (امرأة) هناك (نساء) ... ـ انا اتفق مع محمود درويش يقولون (الانسان) . هذه كلمة عائمة وسؤال عائم. اي انسان ؟ في اي مكان؟ ليست هناك امرأة, هناك نساء, لان لكل امرأة سلوكها, ومكون منها. يتحدثون عن الانسان... ما هو هذا الانسان؟ اين وجد؟ في اي ظروف؟ عندما اقول (الانسان) ادخل في ميتافيزقيات. الانسان المغربي يختلف عن الانسان في الامازون, او الانسان في الاسكيمو, او في الصين. والمرأة نفس الشيء. الاختلاف يقع جغرافياً في الاخلاق والسلوك, بين اقليم واقليم, ولو كان الاقليمان متقاربين. في تطوان تجد الناس لهم اخلاقهم وطريقتهم في الكلام التي تختلف عن اخلاق وطريقة مدينة قريبة منها!! حتى عندما نقول (الانسان المغربي) تقع ايضاً في مثل هذا السؤال العائم. فمن اين هذا الانسان المغربي؟ من اصيلة, من تطوان, من العرائش, من الدار البيضاء؟ حوار- جهاد فاضل