مرت أعوامه وانقضت ومضى عليها الزمن, غير انها مستمرة في طبع دروب الحاضر والمستقبل. التاريخ هو الجذر الصادق الملتصق بمصائر الشعوب وإلى حد ما بتوجهاتها, هو الوعاء الذي يحوي الانتصارات والانكسارات, الرقي والتخلف , المركزية والهامشية. ولانه الشاهد الاهم على ما مضى, تحاول بعض القوى واحياناً بعض الدول ان تتحايل عليه وتزور حقائقه لدحض وقائع واستبدال انتمائها أو اثبات حقوق هي في الاصل ملفقة, وليس ادل على أهمية التاريخ وخطورة التعامل معه ما يسعى اليه الصهاينة على الدوام من تجيير لمصالحهم وايهام الجميع بصدقهم حتى يصلوا إلى ا حتلال ارض يزورون ملامح اهلها. وتعيش شعوب في تاريخها حتى تتماهى معه فتشعر وتشعر الاخرين بامتداده وبتفوقها ذلك انها سليلة امبراطوريات وحضارات ارتفعت في شأنها على جيرانها. وقد يلعب التاريخ أيضاً دوراً ولو خافتاً ومتخفياً في العلاقات بين البشر واصدار الاحكام المطلقة فيما بيننا, فالارمن مثلاً لم ينسوا حتى اليوم مجازر الاتراك العثمانيين التي شردتهم والتي تسعى تركيا جاهدة إلى عدم اقرار حصولها خشية اعتراف الأمم المتحدة بها وتالياً البشرية جمعاء. وأمور كهذه تدفعنا للتساؤل عن كتابة التاريخ وعن توثيقه؟ من يكتب التاريخ؟ يقولون (ان المنتصر هو الذي يكتبه) . فهو الاقوى والاقدر على السماح بتمرير ما يريد, لكن ما يجري في العصور الحديثة والذي سيغدو تاريخا ما عاد بالسهولة ذاتها, فما شهده العالم من (عولمة) واتساع غير محدود في تداول المعلومة والاخبار يكثر من الاحتمالات ويكشف الاسرار, ولن نحتاج كجيل مستقبلي الى التنقيب في الآثار ودراسة التأويلات فالصحف غدت اشبه بوثيقة متاحة رغم ان الوثائق الهامة السرية غالبا ما تبقى مطمورة, كما ان قانونا يحتم الا يكشف عنها الا بعد مضي 25 عاما. ولعل مشكلة توثيق التاريخ لن تكون هائلة ونحن نتحدث عن الامارات, لكن تمعنا بطيئا يبرز فرضية نقص التوثيق والاعتماد الكلي على وثائق المحتلين الانجليز واستقاء مجمل الاحداث من المصادر الأجنبية. ويقول البعض ان معظم التاريخ في منطقة الخليج العربي وليس الامارات فحسب شفاهي يحتاج الى التدوين, وآخرون يوردون ذكر العديد من المراكز التي تهتم بالتراث والتاريخ على حد سواء ويشددون على اهمية ايجاد مظلة اتحادية كمرجعية موحدة على مستوى الدولة, وكان قد ظهر مشروع مماثل في وزارة الدولة لشئون مجلس الوزراء حول ارشيف وطني على مستوى الامارات. رئيسة قسم التاريخ والاثار بجامعة الامارات د. فاطمة الصايغ تدلي بآرائها فتقول ان التوثيق التاريخي يعتمد اعتمادا كبيرا على المؤرخين فاذا عانى هذا الجانب من نقص عانى منه التوثيق حتما, والتاريخ المكتوب هو التوثيق القديم بحد ذاته. وتواصل شرحها بأن التوثيق من صميم عمل الاكاديمي بمعنى اذا لم يكن هناك توثيق فليس هناك تاريخ. وتتمهل عند هذه المفردة التي تجدها لفظا فضفاضا يفسر التاريخ المكتوب والشفاهي معا, وكل حدث مر هو في الواقع تاريخ ويضم التراث المادي اي الآثار. وتفصل بينه وبين التراث الذي يعني كل ما خلفه لنا السلف بجانبه المادي ويسمى التراث العنوة عندما يمثل القيم الاصلية. وتصل الى ان التوثيق التاريخي, خاصة في منطقة الخليج العربي هو مسئولية رسمية لأن معظمه تاريخ شفاهي غير موثق, وترك الامر لا يخدم الصالح العام لذا تداركت دولة الامارات المسألة بإنشاء العديد من مراكز التاريخ والتراث والتي انشئت من اجل صون هذا الجانب وحفظه من الاندثار. ثمة مراكز تهتم بالجانب التراثي واخرى بالتاريخي. غير ان تشرذمها في ارجاء الدولة وعدم وجود خطة عمل مشتركة ادى في الواقع الى تناثر جهودها وعدم تركيزها على ناحية واحدة. وتحبذ د. الصايغ توزيع الاختصاصات مع اعطاء الاولوية لنواح تراثية وتاريخية محددة حتى تتمكن من النهوض مع بعضها خاصة وانها تخدم في النهاية غاية واحدة هي التراث والتاريخ والحضارة الانسانية العالمية. اعلام اكثر من تأريخ يبادر الباحث فالح حنظل الى تصحيح عبارة التوثيق التاريخي في دولة الامارات لتصبح لدولة الامارات باعتبارها احدث دولة عربية ظهرت على المسرح السياسي العالمي, وهناك حاجة قوية لابراز جذورها التاريخية. (والموضوع طويل جدا, وبالنسبة لي هو ذو شجون لأنني اعيش عالمية منذ اكثر من ثلاثين عاما. عندما ابتدأت ابحاثي التاريخية لم تكن هناك وثائق, وكانت وثيقتي البحث الميداني وسماع الرواية من الافواه, فألفت معجما ضخما في اللهجة العامية قبل تأليفي كتاب (المفصل في تاريخ الامارات العربية المتحدة) . اما قضية نقص التوثيق فسببها الاول كثرة مراكز التراث والتاريخ في الدولة, وعدم وجود خطة موحدة لدى هذه المراكز لاقرار الوثيقة المعتمدة سواء كانت مخطوطة قديمة ام مكتوبة حديثة, والثاني ان بعض الذين يجيزون طباعة ونشر الكتاب التاريخي عن الامارات هم في الغالب رجال اعلام وليسوا مؤرخين مختصين بتاريخ الامارات والخليج بحيث يعرفون الوثيقة ومعناها, لذلك فقد تفوتهم فائتة ويقعون في الخطأ) . ويحمل حنظل كما د. الصايغ الجهات الرسمية المسئولية ويتجه اكثر صوب وزارة الاعلام والثقافة التي رأى وجوب اشرافها على مسألة المرجعية بجدية تامة. وعدد الباحث تداعيات نقص التوثيق معتبرا ان (قصوره ادى الى ظهور اصدارات تاريخية ان لم تتسم بالخطأ فبذكر الواقعة اما ناقصة او مشوشة او فاشلة في التحليل والسرد. فهناك كتاب عن الامارات صدر من احد الكتاب العرب المقيمين في الكويت, وما جاء فيه يعتبر (نكتة تاريخية) تثير الضحك قبل ان تثير الأسى. وهناك كتاب آخر, ممنوع الآن والحمد لله, صدر من كاتب يعتبر رصينا لكن اخطاءه لا تغتفر. وبالامس حققت كتابا مترجما الى العربية لكاتبة اجنبية مقيمة في الامارات, ابتهل الى الله الا يرى النور بالعربية رغم انه متداول بالانجليزية. ان آفة الموضوع هي النقل المباشر من المصادر الاجنبية ثم عدم مقارنتها بالذاكرة الشعبية, اذ لا يجوز ان يكتب تاريخ الامارات من لا يعرف تفاعلات القوى السياسية ـ القبلية والقطرية, وراء الاحداث, اي الجذر التاريخي للأحداث قبل ان يوجد الانجليز في المنطقة ويكتبوا عنها رسائل سياسية وليس ابحاثا تاريخية. وثائق بريطانية عند هذه النقطة, نتوقف مع د. عبدالعزيز عبد الغني ابراهيم (باحث اول في مركز زايد للتراث بالعين) والذي يوضح ان (غالبية الوثائق في الامارات بريطانية راعت مصالح الامبراطورية في عهدها السابق وبهذا يكون تدوين التاريخ السياسي متوافرا ويتضح النقص بطريقة اكبر من مجالي التاريخ الاجتماعي والثقافي. لذلك لم اعان من مسألة التوثيق في التاريخ السياسي اذ ان الامارات مثلت في مرحلة فائتة الذراع البحري الذي اعتمد عليه الانجليز لعمل نطاق امني للهند. ونقع غالبا على النواحي الاجتماعية والثقافية في كتب الرحالة الاجانب الذين تطرقوا الى امور كثيرة من وجهة نظرهم الشخصية وخلفيتهم عن المنطقة فسقطوا احيانا في التناقضات, واعتقد ان علينا ان نقرأهم بعيوننا نحن وعقولنا. وجهة نظر علي المطروشي (مدير متحف عجمان وباحث) ركزت على احداث ما قبل الاتحاد والاصدارات التي تم سحبها من التداول في السوق ان تاريخ الامارات فيه مشاكل كثيرة, فقبل قيام الاتحاد كان يدور صراع فيما بين الامارات وحصلت حوادث عنف ومشكلات, ويضيف المطروشي ان هناك قضايا لا يراد لها ان تظهر خاصة احداث ما قبل القرنين التاسع عشر والعشرين, وذهب الى حد القول ان وثائق مخفية بعضها في الارشيف الوطني ويصعب الاطلاع عليها حتى بالنسبة للباحثين. (ولما ظهرت مؤلفات مطبوعة تحكي عن الحقائق سحبت من الاسواق. وعلى سبيل المثال هناك كتاب (دليل الخليج) لوريمار المشغول بناء على تقارير وتحاليل بريطانية وقد ترجمه ديوان قطر, ولا يوجد لدينا رغم انه من اهم مصادر التاريخ. وحول الفرق بين المؤرخ والاكاديمي اعتبر المطروشي ان معظم المؤرخين في الامارات ليسوا اكاديميين, واشار الى احتفاظ اخرين بوثائق ومصادر ومراجع لا يكشفونها خشية النقد او عدم رغبة باعطائها, وفي النهاية ينتقدون من يكتب في التاريخ لنقص فيه. وذكر عبدالله بن صالح المطوع الذي اصدر (الجواهر واللآلئ في تاريخ عمان الشمالية) ويعد اقدم كتاب متاح الى جانب اصدار ثان ومخطوط ثالث رجح الا يطبع وعنوانه (شرح نونية مفاخر القواسم) . ولكنه انتهى الى ضرورة الا يطلع على هذا التاريخ الا الراشدين, آخذا على كتابات تاريخية ميلها الى المبالغات حسب اهواء الرواة وعدم الالتزام بالمعايير العلمية الموضوعية. نقص الشمولية وينفي د. حسين النابودة (دكتوراه في التاريخ) امكانية ايجاد كتاب واحد يتعلق بتاريخ الامارات وتتوافر فيه الشمولية والعلمية والمنهجية السليمة باستثناء (الامارات وجيرانها) للدكتور محمد مرسي عبدالله كونه يغطي كافة الحقب الزمنية. ومن حيث التخصص رأى ان الكتب الصادرة لا تتجاوز عدد اصابع اليد, فما هو موجود يستند بالدرجة الاساسية الى النقل المباشر فيما بين الكتب مع اضافات بسيطة. وقال ان مراكز الوثائق قد لا تصدر سوى عدد قليل من الكتب رغم ان بها الملايين من هذه الاوراق وعمرها ثلاثون عاما على شاكلة مركز الوثائق في ابوظبي كما ينطبق الامر على معظم المراكز الموجودة بسبب الحذر من التطرق لفترات سياسية بعينها من جهة, ومن جهة ثانية جراء اتباع الكثير من الباحثين للطريق الاسهل وعدم رغبة في التعب, فنجدهم قد انهوا كتابهم في شهرين وتمنى لو انهم لا ينتجون سوى عمل واحد ويتمهلون فيه عشر سنوات. وشكا د. النابودة من الجو العام غير المحفز اذ (هناك حاجة للدعم واقامة جوائز مشجعة على غرار ما تفعله ندوة الثقافة والعلوم في دبي مع جائزة العويس للابتكار العلمي لكي يصار الى عمل دراسات وابحاث في المجالات العلمية والانسانية, واتمنى ان تقدم منح مادية لدعم البحث العلمي الذي يكلف صاحبه الكثير. وعلى العموم الاحظ ان الجيل القديم من الباحثين واعني في سنوات الستينيات كانت دراساتهم اكثر عمقا مقارنة مع ما نجده في الوقت الحالي, واظن ان الوقت كان متاحا امامهم بشكل كاف حيث لا انشغال في الكمبيوتر او الانترنت او غيرها من الوسائل, اضافة الى الايمان الذي امتلكوه فيما يتعلق بعملهم التوثيقي والتأريخي. واظن ان المطلوب جدا هو الامانة والاخلاص. ومن حكايات المراكز الوثائقية والتراثية نبدأ مع مركز الوثائق وهو الاقدم الذي تنقلت تبعيته الادارية ومقراته بين ديوان رئيس الدولة والديوان الاميري في ابوظبي, ووزارة شئون مجلس الوزراء ووزارة الخارجية والمجمع الثقافي. لقد كان هذا المركز يمثل الدولة رسميا ودخل الى مجلس الارشيف الدولي في روما كسابقة على صعيد دول الخليج, وهو عضو ايضا في الفرع العربي الاقليمي للوثائق. به عدد هائل من الوثائق تصل الى الملايين لكن غالبيتها مهاجرة من الخارج. ويؤكد مصدر من المركز ان محتوياته متاحة للباحثين كي يستفيدوا منها مقرا بوجود وثائق مخفية كونها محلية او حديثة, ويوضح ان المركز يوفر المادة التاريخية بنظام ارشيفي او توثيقي, وان دور المراكز تحددها التخصصات. المرجعية الموحدة وبخصوص مركز زايد للتراث يخبر د. عبدالعزيز ان عمره لا يتجاوز العام وهو تابع لنادي تراث الامارات كتكملة ثقافية ومن اهم غاياته حفظ التراث وتوثيق تاريخ الدولة ثم منطقة الخليج فالوطن العربي والاسلامي, اضافة الى تدريب ميداني وعملي عبر الدورات. ويتمحور العمل الاساسي على التاريخ الشفاهي والذي خصص له المؤتمر الاول ومرد الاهتمام هو التبدل الحاصل في نمط الحياة في الامارات وضرورة تدوين روايات معاصري مرحلة ما قبل النفط قبل رحيلهم. أمين مكتبة مركز رأس الخيمة لدراسة الوثائق التاريخية احمد العناب يقول ان كل امارة تهتم بجانبها التراثي والثقافي لأنه واجهة تاريخية. وحول المرجعية الموحدة اوضح ان ثمة امانة عامة لمراكز التوثيق والدراسات مقرها البحرين وتابعة لدول مجلس التعاون الخليجي وتحاول جاهدة جمع كافة المراكز الخليجية, على نظام موحد في المنهج والارشفة. واضاف ان المراكز في الامارات تنسق فيما بينها وتعيش حركة تبادل. وبالنسبة للصحافة اشار الى دور فعال تقوم به وتشكل احيانا متنفسا للباحثين قاصدا بذلك الصحافي الجاد وصاحب الخلفية القوية وليس الصحافي المخبر. على عكسه تماما, يأسف حنظل لأمر الصحافة فهي ـ على حد تعبيره ـ مع بقية اجهزة الاعلام (تكتب عن تاريخ كل العالم الا تاريخ الامارات والخليج, وان كتبته فكما يقول المثل الشعبي (بالسنة حسنة) اي مقال من صفحة واحدة او موضوع واحد ينشر مرة او مرتين في السنة ويعرض بشكل لا يثير الاهتمام لا صحفيا ولا تلفزيونيا. اما على المطروشي فيجد ان الصحافة ملتزمة بسياسة الدولة ولا تتناول الا القضايا التاريخية المسموح بها, فيما يعتقد د. النابودة انها غطت جانبا كبيرا لكن بقي دور الصحفي اقل من الباحث حيث لا يخضع للمحاسبة ولا يلزم بالتدقيق على خطأ ورد في موضوعه. وبناء على اطلاعه على ما كتب على صفحات الجرائد يرى انها غالبا ما تلجأ الى قضايا مثيرة للجدل وعملية التقييم ترتبط الى حد بعيد بمواصفات ومؤهلات الصحفي, والذي قد يتنبه لأمور هي في الاساس غائبة عن ذهن الباحث. تحقيق ـ رندة العزير