وجود الصديق العزيز والمخرج الكبير محمد فاضل بيننا في (البيان) هذه الأيام فتّح أبوابا كثيرة, منها ما تطلب منا أن نلتفت إلى الوراء لنطلَّ عبر بوابة الذكريات على سنوات مضت, ومنها ما جعل أعناقنا تشرئب محاولين مد النظر إلى أقصى ما تسمح به الرؤية في محاولة لاستشراف المستقبل. على أن العنوان الذي فرض نفسه بطبيعة الحال هو الدراما التلفزيونية العربية بماضيها الذي ترك فيه صديقنا محمد فاضل بصمات لا تمحى وساهم فيه بأعمال عُدَّت علامات فارقة في مسيرة هذا الفن وتاريخه, وحاضرها الذي يعاني هموما فرضتها عليه مستجدات لم يكن لها وجود في الماضي وطبيعة عصر تغير فيه مزاج الناس واختلفت اهتماماتهم, وفي ظل الماضي الذي غدا تاريخا وخبرة متراكمة والحاضر الذي نعيشه يطل المستقبل راسما علامات استفهام تبحث عن اجابات نتوق جميعا للاستماع إليها. إذا ما تحدثنا عن الجيل الذي تفتحت عيونه على مرحلة الوعي في أواسط الستينيات من القرن العشرين فنحن إنما نتحدث عن الفترة التي دخل فيها التلفزيون منطقتنا حيث بدأت أجهزة التلفزيون وهوائياتها المكافحة تستقبل في شهور الصيف التي ترتفع فيها نسبة الرطوبة ارسال تلفزيوني الكويت وأرامكو بالمملكة العربية السعودية حين كان أبناء (الفريج) الواحد يجتمعون في بيت أو بيتين هما اللذان تتيح لهما حالتهما المادية اقتناء جهاز كهذا في ذلك الوقت, تشخص أبصارهم نحو هذا الجهاز العجيب وما ينقله إليهم من صور متحركة ناطقة لم يتسنّ للكثيرين منهم مشاهدتها رغم الدخول المبكر للسينما إلى المنطقة لأسباب أهمها أن ارتياد السينما ظل لفترة طويلة فعلا ينظر لمن يقدم عليه نظرة فيها شيء من عدم اللياقة يصل في بعض الأحيان لدى البعض إلى حد عدم الاحترام. ولذلك فقد وجد الناس في جهاز التلفزيون فتحا حلّ لهم مشكلة الاحجام عن ارتياد دور السينما, وأشبع لديهم رغبة دفينة في متابعة القصص الشيقة التي كان يرويها لهم رواد السينما الشجعان وما يشاهدونه فيها من أفلام كان أشهرها (عنتر وعبلة) متباهين بحفظ أسماء أبطالها سراج منير وفريد شوقي وكوكا. في هذه المرحلة أضاف التلفزيون إلى مخزون الذاكرة أسماء مسلسلات كان أشهرها (هارب من الأيام) و(الضحيّة) و(العسل المر) . وفي هذه المرحلة أيضا سجل محمد فاضل اسمه للمرة الأولى من خلال مسلسل شهير كان له صدى في مصر والبلاد العربية لارتباطه بنكسة يونيو 1967, ذلك هو مسلسل (القاهرة والناس) الذي بدأ عرضه في ذلك العام واستمر خمس سنوات ناقش خلالها مختلف قضايا المجتمع المصري الخارج من صدمة الهزيمة. ورغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على هذا المسلسل فقد ظل محفوظا في الذاكرة لدى كثير من المشاهدين الذين قدم لهم ممثلين شبابا أصبحوا بعد ذلك نجوما. وهكذا قدم فاضل نفسه للناس لتتوالى بعد ذلك أعماله: أحلام الفتى الطائر, بابا عبده, صيام صيام. وليشكل في مرحلة لاحقة ثنائيا ناجحا مع الكاتب أسامة أنور عكاشة من خلال أعمال متميزة في تاريخ الدراما التلفزيونية العربية فنشاهد لهما: وقال البحر, أبو العلا البشري, عصفور النار.. وعند (عصفور النار) أتوقف لأسجل به واقعة بدأت بها معرفتي بالفنان محمد فاضل, وبها اقتربت من فنان يحترم عمله وفنه, ويحرص على اخراجه بالصورة التي تحافظ على اسمه ومكانته لدى الناس. كان ذلك عام 1986, ورغم انه لم تكن هناك قنوات فضائية حيث لم يمض سوى عام واحد على اطلاق القمر الصناعي العربي فقد كانت المنافسة على أشدها بين محطات التلفزيون في منطقة الخليج على وجه الخصوص, وكان تلفزيون الامارات من أبوظبي يحتل موقع الصدارة من حيث السعي والحرص على اقتناء أفضل الأعمال وعرضها, لا سيما في شهر رمضان المبارك. وكنا في ذلك العام قد تعاقدنا مع الشركة المنتجة لمسلسل (عصفور النار) على شراء المسلسل لعرضه في دورة الشهر الكريم. أصبح رمضان على الأبواب, وكلما طلبنا من المنتج تسليمنا الحلقات الأولى من المسلسل طلب منا الانتظار قليلا.. حتى فوجئنا به يقول لنا قبل أسابيع من رمضان ان المسلسل لن يكون جاهزا للعرض في الموعد المتفق عليه لأن المخرج لا يعطيه في اليوم سوى أربع دقائق, وقد جرت العادة أن ينجز المخرجون ما لا يقل عن 15 دقيقة في اليوم, وسيكون ممتنا لنا لو تمكنا من اقناع المخرج بانجاز ثماني دقائق. كان المسلسل يصور في استوديوهات عجمان الخاصة, وكان هو الورقة الرابحة التي ندخل بها ميدان المنافسة واثقين من الفوز, وكان فقداننا لهذه الورقة يعني استسلامنا وخروجنا من السباق مبكرا. وقد توسم الزملاء في التلفزيون والمسئولون في وزارة الاعلام والثقافة في شخصي الضعيف مفاوضا بارعا, وطلبوا مني التوجه إلى عجمان لمقابلة المخرج واقناعه برفع معدل الانتاج كي نتمكن من الوفاء بوعدنا للمشاهدين الكرام والمحافظة على مكانتنا وهيبتنا بين المحطات الأخرى. وأعترف اليوم وبعد خمسة عشر عاما من ذلك اللقاء أنني لم أستطع أن أخرج بعد عدة جولات من المفاوضات - كنت أحسب نفسي فيها مقنعا - سوى بالحصول على اعتراف من الصديق فاضل بأنني مفاوض عنيد, غير ان حرصه على اسمه وجودة العمل يدفعانه - أحيانا - إلى اعادة المشهد الواحد أكثر من عشرين مرة حتى يخرج بالنتيجة المرضية رغم ما يسببه ذلك له وللطاقم الذي يعمل معه من ارهاق وجهد ربما رأى البعض انه في غنى عنه على حساب مستوى العمل, وهذا هو الفرق بين مخرج يوقع باسمه على عمل تشاهده فلا يلصق منه بالذاكرة شيء, وعمل يظل محفورا فيها وسط هذا الكم الهائل من الانتاج المنهمر فوق رؤوسنا في عصر المحطات الفضائية التي غدت لا تجد غضاضة في غزو عقولنا بالغثِّ من المسلسلات المكسيكية المفتقرة للحدود الدنيا من أساسيات العمل الفني, والخالية من الرسالة السامية التي يجب أن يحملها العمل, بل المحمَّلة بالأفكار الهدامة الغريبة عن ديننا وقيمنا وأخلاقنا وعاداتنا. الغريب في الأمر ان مرحلة البدايات التي اتسمت بقلة الامكانات وشح الموارد شهدت أعمالا رائعة تنوعت أشكالها لم تقف محدودية الوسائل المتاحة عقبة في طريق الذين أبدعوها, وعندما أتيح لنا من الوسائل والامكانات ما لم نكن نحلم به تراجع حجم الابداع لدينا! فهل ترانا نعيش مرحلة سمتها التنكر لذوي العلم والخبرة والانتصار لمن يدّعي علما ومعرفة وهو أشد الجاهلين.. ثم يمضي مصدقا نفسه متبخترا كالطاووس لا يرى سوى الألوان الزاهية التي تبرق في ريش ذيله.. رغم انها تحجب عنه الرؤية ولا تجعله يرى أبعد من ذلك الذيل ذي الألوان الزاهية الخدّاعة؟