يبدو ان المدعو محمد آدم عمر إسحاق الملقب بسفاح صنعاء طرق أبواب التاريخ, بل اقتحمها عنوة ودخلها من مداخل الجريمة فأصبح علما بعدد أسماء وأشلاء ضحاياه, وبذلك سحب البساط من تحت أقدام رئيس أكبر دولة في العالم المدعو بيل كلينتون الذي تناسته وسائل الاعلام العربية وتناست حكاياته وغرامياته وصوره. ولأن الإنسان منذ بدء الخليقة وإلى ما شاء الله جُبِلَ على معرفة ما وراء الأشياء, نجد ان أكثرنا يهتم بقراءة التفاصيل الدقيقة لأي حادث إنساني أو جريمة أو سر من الأسرار, بل ويدلو بدلوه فيحلل وينتقد ويركب ويربط هذه الجزئية بتلك محاولا اضافة جديد في أمر ظاهر, وأمر خاف. ومن هنا وجدنا ان الاهتمام الاعلامي المكثف لهذه القضية يأتي من باب محاولة كشف الدوافع التي جعلت من هذا الشخص العادي مجرما خطيرا وسفاحا يتعامل مع ضحاياه ببرود مثير. ولأن الثقافة العربية ثقافة سماعية وستظل كذلك, تبقى أخبار الجريمة من الأخبار المتناقلة, وهذا ما تحاول أن تركز عليه بعض الصحف في البلدان ذات الكثافة السكانية بدواعي التوزيع ومن منطلق أن الأذن تلتقط الخبر المسموع قبل أن تراه العين, فتعمد من خلال باعتها إلى صياغة سماعية إذ يكرر باعة الصحف مقولات تخاطب الأذن وتستدرجها إلى الانصات مثل (أسرار جديدة لسفاح صنعاء) أو (السفاح يعتدي على القاضي) وما إلى ذلك. وحتى لا أذهب بعيدا نستشف واقع الصحف اليمنية لنكتشف أن قضية سفاح صنعاء مثلا رفعت توزيع معظم الصحف الصادرة في اليمن بما فيها الصحف الرسمية التي تعاطت مع القضية بنسب تفاوتت ما بين 30 إلى 60%, والمثير في الأمر أن زيادة الصحف لحجم طباعتها لم يكن كافيا لتغطية حاجة القراء, ما دفع باعة الصحف وكثيرا من الأطفال إلى نسخ الأخبار الخاصة بالقضية وبيعها في الأماكن العامة بنصف قيمة الصحيفة أو أكثر بقليل. ولم تقف قضية سفاح صنعاء عند حدود اليمن أو الوطن العربي بل تعدتها إلى العالم, حيث قرأت تحليلا لطبيب نفسي ألماني يتوقع أن يكون سفاح صنعاء قد مر بحالة اكتئاب حادة, إذ يشير إلى ان مريض هذه الحالة يعيش في عالم رمادي صامت لا يعرف ما يريد, يحلق في فراغ ممتد ويفكر في اللا شيء, وهنا تستوي لديه الابتسامة والدمعة, ويتماثل لديه الفرح والحزن. ويضيف ان الإنسان كائن يرتبط بالمكان ارتباطا شديدا, وإذا اضطرته الظروف إلى ترك وطنه والهجرة المؤقتة إلى بلاد أخرى فإنه يصاب في البداية بما يعرف بالاكتئاب التفاعلي لفقدانه محيطه وحرمانه من العاطفة التي كان يشعر بها في وطنه. ولم ينته التحليل, بل تواصل في شكل علمي وأكاديمي, أرى لا مجال هنا لمعرفته لأنه مجرد افتراض, ولا أقف هنا بل أتعدى جرائم سفاح صنعاء التي تتواصل أسرارها وخفاياها يوما بعد يوم, فالتاريخ يسطر أسماء كثيرة لسفاحين ومجرمين لا ينتمون لطبقة أو فئة بعينها, فمنهم من هو رئيس دولة ومنهم من هو طبيب ومنهم من هو غفير, ذلك ان الجريمة تظل جريمة إن كانت خنقا أو رميا بالرصاص أو طعنا بآلة حادة, وسواء كان مرتكبها وزيرا أو فراشا. ولا أعتقد ان التاريخ يسقط من أوراقه عبثا ما حدث في مستشفى لينز الذي يبعد عن فيينا بضعة كيلو مترات والذي كان يرتاده المحتاجون والعجزة من المرضى حيث كشفت في نهاية الثمانينيات أغرب قضايا القتل في التاريخ, فقد كان المستشفى مسرحا لجرائم مفزعة قامت بها أربع ممرضات مارسن في أجنحته القتل على مدى ست سنوات متواصلة قدن خلالها أرواح 500 عجوز إلى الموت. وقد تحولت قصتهن بكل تفاصيلها الدقيقة إلى فيلم سينمائي مثير, وأصبحن بين يوم وليلة معروفات للقاصي والداني, حيث عكفت الصحف النمساوية المحلية والصحف والمجلات ووسائل الاعلام العالمية على نشر المحاكمة أولا بأول.. بينما أخذت الصحف والمجلات الشعبية في كشف أسرار خافية من حياة الممرضات مع اضافة (بهارات وملح) على تلك الأسرار حتى تكون مثيرة ومقروءة خاصة وان القضية كانت ساخنة واللعب بأوراق الاثارة مطلوب لتلك الصحف. عموما أصبحت تلك القضية من أهم القضايا التي شهدتها أروقة المحاكم الأوروبية, خاصة وان والترود فاجنر المجرمة الرئيسية في هذه الجرائم والتي كانت تعطي أوامر القتل, بل وتقوم بتنفيذها بشكل لا يثير الشبهات قالت عن دوافع القتل بالجملة (كنا حريصين على التخلص من الحالات المزعجة) . ومثلما يحاول سفاح صنعاء أن يهرب من ماضيه الذي يطارده كما اعترف, ظلت الممرضة القاتلة والترود فاجنر مستسلمة لأفكارها الشيطانية, ولقلة الممرضات نشرت سيطرتها على الفراغ حتى ان زميلاتها كن يخشينها اضافة إلى المرضى حيث كانت تعاملهم بخشونة واضحة, فقد كانت هذه المجرمة كما قال القاضي (امرأة غير راضية عن نفسها وعن سمنتها) , جاءت من قريتها هاجنبرج القريبة من فيينا لتواجه ذل عدم قدرتها على اكمال دراستها كممرضة, إلا ان النظام الطبي النمساوي المترهل آنذاك جعلها ممرضة ممارسة فاستسلمت لأخلاقية مهنية لا علاقة لها بالواقع, بدأت بمساعدة أحد المرضى على الموت وصارت الحكاية عادة بالنسبة لها! وبين تلك الحكاية النمساوية ببشاعتها تتكرر الجريمة من جديد ولكن على يد سفاح صنعاء وكأن المخرج يصرخ من جديد فتعاد اللقطة كلاكيت ثاني مرة!