بات من المألوف للمتابع النقدي ان يدخل في الحديث عن (حداثة النقد) من باب علاقة الحداثة العربية بأوروبا, وما انجزته من ثورات معرفية وثقافية طالت المجالات كافة. ولن نأتي بجديد عندما نلحظ هنا موقفا تبعيا بالكامل للغرب النقدي الحديث, يتخذه الوسط النقدي العربي, عندما يتبنى البرامج الغربية ببنودها ومحاورها, تاركا مساءلتها في البيئة العربية وعلاقاتها الداخلية التي تشجع على نمو هذا التيار ولا تشجع على نمو ذلك. وعلينا ان نعترف بأن من وجوه التبعية المتعددة, ذلك الوجه المتعلق بما صار معروفا بالمصطلح النقدي المترجم من الغرب الينا. مع كل ما يعني ذلك من نتائج تتكون عبر هذه العلاقة التابعة تنعكس على الموقف النقدي من النص العربي الابداعي الحديث, بل والقديم منه كذلك. ولكن من اللافت للنظر ان التناقضات التي تحكم العلاقة مع الحداثة هي تناقضات ليس مصدرها المصطلح النقدي المترجم, ولا من الفشل في نقل هذا المصطلح ولا فهم دلالته, بل ان التناقضات ـ وذلك كما يشير د.عبدالعزيز حمودة في كتابه المرايا المحدبة الصادر في سلسلة عالم المعرفة ـ نابعة من ان هناك واقعين ثقافيين وحضاريين متناقضين, فالمصطلح ليس امرا مطلقا, والاطلاق هو ضد معنى كلمة المصطلح. ففي معناه انه ما اصطلح على اعطاء هذه الحالة, او هذا الكم من المفاهيم, اسما معينا في زمن معين ضمن شروط تاريخية. والذين يصطلحون هم بشر, لذلك ليس هناك مصطلح مطلق. طالما ان الذين ينتجونه هم مجموعة متخصصين من علماء او نقاد او فقهاء, هم في النهاية من خلاصات الفكر الذي ينتجه مجتمعهم من داخله, المجتمع الذي يعود فيؤثر في ما انتجه هو نفسه مضيفا حاذفا معدلا او مطورا. ان (الاسم) حالة تاريخية, وهو مطبوع بصفات البيئة والثقافة, كذلك هو حال الرمز والمفهوم, فكيف اذا كان ذلك: (مصطلحا). ان الازمة التي نعاني منها ونجتر الحديث فيها, المتصلة بالمصطلح, يعاني منها المثقف الغربي نفسه امام (مصطلحاته) هو, وهو المثقف الذي ينسجم مع الاطار الثقافي العام الذي خلق المصطلحات, فكيف اذا كانت هذه المصطلحات انتقلت الى اطار اخر تم تداولها فيه, اطار ثقافي مختلف تماما, وقد يكون الاختلاف تناقضا؟ ان الاعتراف بهذه الحقيقة بات حاجة ضرورية لأنها قد تشكل خطوة اولية لا يستهان بها على طريق رؤية المشكلة ببصيرة واثقة وعقل يتعامل مع مفاهيمه بـ (عقلانية) !, وقد تسقط عندها اقنعة كثيرة يتم تصنيعها والتخفي وراءها لتنمو على نشوء افكار خاطئة ونتائج هي من صنع القناع. والحقيقة ان معظم جوانب حياتنا الثقافية والنقدية تأسست على لغة القناع وحاجات من يبدعه. ولنا ان نتخيل كم من الاباطيل والخدائع التي تهيمن علينا ونحن نبدع ـ نعم نبدع ـ من داخل القناع. في اطار الاعتراف بحقيقة ازمة المصطلح داخل اطاره الذي انتجه, وازمته بالتالي في الاطار الذي نقل اليه, يمكن اكتشاف تناقض اخر بين مفهومين/ نسختين للحداثة ـ كما يبلور ذلك د. عبدالعزيز حمودة في كتابه المشار اليه آنفا ـ نسختان للحداثة: النسخة الغربية, والنسخة العربية. ويلتقط د. حمودة فكرة ان الحداثة الغربية اعادت جدولة العلاقة بين الانسان والاخر والقوى الغيبية والانسان والوجود بكل جوانبه, بينما الحداثة العربية قد انشغلت بعلاقة الانسان مع لقمة العيش, مع السلطة, مع التخلف الاجتماعي والثقافي. ان ذلك يعني: (ان اختلاف الواقع العربي, وهو واقع تحدده ابعاد تاريخية واجتماعية واقتصادية محددة, عن واقع العالم الغربي الذي افرز الحداثة, يجعل نقل الحداثة الغربية بقيمها المعرفية الجديدة, والمصطلح النقدي الذي تولد عنها الى واقعنا العربي ضربا من العبث في الدرجة الاولى) . قد يعني ذلك اننا مدعوون الى التفكير في ازمة المصطلحات الحداثية وما يقف معها من مذاهب نقدية (بنيوية ـ تفكيكية ـ ما بعد حداثية) تفكيرا مختلفا يأخذ بالحسبان ضرورة الوعي بالتناقضات الطبيعية, والموضوعية كذلك, خاصة التناقض بين ثقافتين وحضارتين. وهذا يقود الى احتمال يمكن تلخيصه فيما يلي: طالما ان الحداثتين تتناقضان في غاياتهما واشكال التعبير عنهما, فهل من الضروري الالحاح على وحدة مصطلحاتهما ومصطلحات نظرياتهما النقدية واساليب عملهما؟ الا يمكن التخلص من هذا الاضطراب في المفاهيم والمسميات عبر ابتكار مفاهيم ومسميات من داخل كل ثقافة؟ هل من ضرورات الحداثة ان تلحق مفاهيمنا ونقدنا بعجلة الغرب؟ الغرب مكتف بما لديه, متخم بمنجزاته, يتحرك على جغرافيا فلسفية وعلمية وثقافية وابداعية ثقيلة, فلماذا لا يسأل العربي نفسه: حتى متى احسد هذا الغرب, واكتفي بالتسول على ابوابه, لماذا لا اعمل انا على تشييد منظوماتي الذاتية ضمن سؤالي عن معناي في هذا العالم, وعبر مساءلة شروطي التاريخية؟ لقد آل خطابنا النقدي الى هاوية من الامراض قد تحتاج حقا الى عقود واجيال حتى نتفاءل بالشفاء منها. لاسيما تلك النسخ المشوهة من النقود البنيوية التي شاعت بطريقة تقشعر لها ابدان الفكر والثقافة. ـ ان كان بقي لها ابدان ـ واصبح من طبيعة هذا النقد ان يحجب النص الادبي عن القارئ بدلا من ان يضيئه (واذا كان النقد البنيوي يحجب القصيدة عن المتلقي او القارئ, ويدخله في متاهات وطلاسم النقد الذي يلفت النظر الى نفسه اولا, او الميتا نقد, او ما وراء النقد, فإن التفكيك يضيع النص تماما) حيث ان الناقد البنيوي والناقد التفكيكي متفقان: الاول على موت المؤلف والثاني على موت النص!