كان السفر جهة الرحيل, وكان المطر يداعب الجفون, والحلم يغزل مدائن بلاد الضباب وجلجلة نواقيس كتدرائيات لندن ويحيك اعشاش طيور برج ايفل, وتدخل مع المطر والحلم مساحة الاشياء الغريبة, طيراً يحلق في اجواء الرحيل ورائحة الثلج والسفارات الباردة. كانت امرأة بلون التوت, محطمة, كسرت قوادمها السنون, تتقصف وتتلاشى مثل هزيع الليل الاخير ما ان ينساب غدير الصباح متدافعاً. غسقية, لها ذاكرة الاجساد المرمية على عتبات المستشفيات, شاحبة, نقعتها الاحزان زمناً, وانضجتها المآسي, قلقة, تبحث عن الهواء والضوء في عرائش الكروم, تبحث عن وسادة من غيم ولحاف من مطر وسرير من تراب. التقيتها, بعد انتظار طويل, في ردهة الفندق, مشدودة قبالة عربة الوقت, وتضحك مثل اجراس الكنائس... نشيج ويبدأ المطر, والسماء عيون. كانت جالسة تهندم شراشف الوقت وستائر الشتاء, ضائعة في بهو الذهول والانشداه. خصلات شعرها ملفوفة بالحشمة والوجه رخام بارد عرته الايام. بيد ان قامتها تضج بالمرأة وفمها لغة الهارب, تومىء للصمت, تحدق, تطيل النظر, والصوت يدخل في باب الحزن بلون لفافة تبغي القديم. الرواق المظلم خطاها, وتسجلها ذاكرة المدينة. اجل رأيتها, وقد ارتدت الانين العميق, وهي تنظر بثبات إلى الدار, تتفحص المكان, وتطلق ما تبقى فيها من ابتسامات. قالت: (منذ ثلاثة ايام, والباب موصد, وعيناي لا تريان الا عجوزاً في الثمانين اختلطت عليها الاشياء. ذاكرتها انفاق الماضي المميت, وجسدها يرتجل ذبذبات الحاضر) . امرأة, جعبتها مليئة بكل شيء الا من زاد السفر, وفضة العربات, وذهب العمر وشرخ الصبا. تلتفت يمنة ويسرى, يلفها معطف الخوف, ورداء السكرة. مضطربة, تتدلى عيونها مثل كرمة الصيف, وتمتد يدها, ومن قبلها العذاب. قلت: (ما رأيك ببعض الطعام؟..) اجابت بتعزز: (لا, لست جائعة الآن) . قلت: (هل تناولتي طعام الغداء؟.. اجابت: (أبداً. تابعت وهي تبتسم: (البارحة تناولت لفافة جبنة وكأساً من الشاي) . وفي الطريق, علمت انها وضعت في الفندق, بلا مال لتأكل أو لتتحرك. اتت ممرضة, وأرادوها مدبرة منزل. طويلاً كان الطريق. وران الصمت. محمد خليفة